*شرف الدين جباري
أوضح الرئيس مام جلال في مرافعته الكبرى بإحدى جلسات مجلس الحكم العراقي، عبر العديد من الأدلة والوثائق والخرائط، حقائق عموم المنطقة وعائديتها التأريخية والجغرافية فيما أشرت الكافات الثلاث، في الأدلة والوثائق والخرائط العالمية القديمة والحديثة، نداء الحق والحقيقة وصرخة المظلوم أمام الضمائر الحية.
يوم عرض الرئيس مام جلال طالباني ( 1933 – 2017 )، كسياسي محنك و محام متمرس ومدافع صلب وأمين عن حقوق جميع المكونات وفي مرافعة كبرى وتأريخية بقلب العاصمة بغداد في إحدى جلسات مجلس الحكم العراقي ( 9 شباط 2004 ) وبحضور السادة كبار القادة العراقيين المعروفين، النسخة الأصلية والنادرة من أحدى الخرائط العالمية وهي الخريطة الإدارية للمملكة العثمانية والتي تعود لسنة 1893 م، وتشير بوضوح إلى كوردستان متضمنا كركوك والمناطق الأخرى، كانت إشارة واضحة إلى دخول القضية الكوردستانية مرحلة جديدة من النضال المختلف الأوجه ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم الإنسانية والوطنية التي تفرضها الحقائق والمتغيرات في المنطقة والعالم وضرورة التفهم لحل قضية شعب عريق وذات حضارة عميقة الجذور في هذه المنطقة يبلغ تعداده الملايين ويملك كل مقومات التعبير عن ذاته أسوة بجميع الشعوب.
وقد أوضح الرئيس مام جلال خلال المرافعة، كيفية الحاق ( جنوب كوردستان، ولاية الموصل ) في أواسط العشرينيات بالدولة العراقية الحديثة التكوين والمطاليب المشروعة لشعب كوردستان والظلم الكبير الذي لحق به نتيجة المصالح اللامشروعة للقوى المتنفذة، مستحضرا التضحيات الجسام والنضال العادل عبر سنين وأزمان طويلة.
وفي كلمة له ومثلما نشر في وسائل الإعلام المختلفة آنذاك، “سعى الرئيس مام جلال عبر الوثائق والخرائط أن يثبت وبالأدلة القاطعة كوردستانية كركوك والمناطق المستقطعة الأخرى، مشددا على ضرورة تثبيت حقوق شعب كوردستان في قانون إدارة الدولة والذي كان يناقشه المجلس وقتذاك ، حيث بدأ بعرض الحقائق عن وجود شعب باسم، ( شعب كوردستان ) مقسم على أربع دول وهي ( تركيا والعراق وايران وسوريا ) مؤكدا أنه تم الحاق ( شعب جنوب كوردستان ) بالدولة العراقية سنة 1925 م، بقرار من عصبة الأمم.
ونقل الرئيس مام جلال عن لسان ، ممثل بريطانيا في لجنة عصبة الامم للنظر في مصير مستقبل ( جنوب كوردستان، ولاية الموصل ) آنذك ادموندز، ( C.J.Edmonds ( 1889 – 1979 والذي أصبح لاحقا اي بعد تأسيس المملكة العراقية. مستشارا لوزارة الداخلية العراقية حتى نهاية الأربعينيات من القرن المنصرم قوله ” تم الحاق جنوب كوردستان بالعراق بعدة شروط منها: أن يكون الإداريون في هذه المنطقة الكوردستانية من الكورد وأن تكون اللغة الكوردية لغة رسمية وابقاء وضع كوردستان على ما هو عليه”.
وذكر الرئيس مام جلال ، ” بأن (ادموندز) عمل على محو الصبغة الكوردية من لواء كركوك، واصفا ذلك بأنه انتهاك صارخ للتعهدات التي قطعت لعصبة الأمم من قبل العراق وبريطانيا وبأن التعهدات التي أعطيت للشعب الكوردي لم تنفذ وإنما تم إنتهاكها من قبل الحكومات العراقية وبريطانيا ووصل الأمر إلى حد خطير من سياسات الإبادة والتطهير العرقي ضد السكان الأصليين في زمن نظام البعث ” .
وفي جانب آخر من حديثه، قرأ الرئيس قسما من إعلان لجنة عصبة الأمم حول حدود العراق والتي تقول ” لم تتخط ابداً حدود العراق جبل حمرين وتبدأ حدود كوردستان من جبل حمرين ” ثم أشار الى كتاب ( مشكلة الموصل ) لمؤلفه الدكتور فاضل حسين، طبعة بغداد، والذي جاء فيه” كوردستان ليست جزءاً من العراق او من الأناضول” ، لافتا ايضاً الى كتاب قاموس الأعلام التركي العثماني 1898 م وقرأ الفقرة التي تقول:” إن ثلاثة أرباع كركوك من الكورد “.
قراءة في تفاصيل خريطة المملكة العثمانية الإدارية لسنة 1893 م , والتي عرضها الرئيس في يوم المرافعة الكبرى فحقا أنها خريطة نادرة وواضحة المعالم وقد كتبت بشكل كبير بالرسم الآتي: كردستـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان، وهي إثبات للحقيقة بما فيها الكفاية ولوحدة وامتداد أرض كوردستان بكل أقسامها واجزائها رغم ماتعرضت له هذه الارض الخيرة والخصبة من حروب وتشرذم وتقسيمها بعد معركة جالديران 1514 م بين الأمبراطوريتين العثمانية والصفوية وبعدها في أعقاب الحرب العالمية الأولى ( 1914 – 1918 ) ، إلى أربعة أجزاء أخرى بين ايران وتركيا والعراق وسوريا.
ما ميز هذه الخريطة، إحتوائها على التفاصيل ولاتحتاج إلى اي شرح او تعليق وتوضح واقع المنطقة بشكل جلي.
وهنا تفاصيل ما جاء في رسم الدلالة بشكل دائري ضمن الخريطة العثمانية بالنص: “خارطة مستحدثة لولايات المملكة العثمانية في آسيا 1893 ، في أيام خلافة سيدنا ومولانا السلطان الأعظم السلطان عبدالحميد خان أيد الله ملكه مدى الدوران سنة 1311 هجرية، طبعت بمطبعة الأميركان في بيروت سنة 1893 “.
الجهات المعنية وكل الخيرين و المنصفين والحريصين على السلام والاستقرار وعلى إحقاق الحق وإعادة الحقوق المسلوبة إلى أهلها، الأخذ بالوثائق والحقائق الدامغة إلى جانب غيرها من الوثائق المتعلقة بواقع المنطقة والعمل بموجبها وإعتمادها كادلة بينة في تثبيت الحقائق و( ما أكثرها ) وإيجاد الحلول الصحيحة للمشاكل دون تهميش لاي مكون او أمة مع (تأكيدي الدائم )على الحالة التضامنية الإنسانية بين الشعوب والمكونات في المنطقة وحيث لدي إيمان مطلق بأن الشعوب والمكونات بشكل عام لاتعادي بعضها البعض وتريد العيش بسلام ووئام.
نعم أن حل الإشكالات بالطرق والوسائل السياسية والدبلوماسية ضروري ومن المهم أن يكون الحكم والإدارة في خدمة المجتمع وعلى أسس صحيحة من الديمقراطية والشفافية والعدالة الاجتماعية تحفظ حقوق وكرامة الجميع دون استثناء.
وقد حرصنا دوما في كتاباتنا على تبيان الحقيقة وطرح المبادرات والحلول الواقعية والصحيحة للمشاكل وعندما تبلورت فكرة الكتابة عن هذا الموضوع، وضعت أمام عيني، الوقائع التاريخية والاحداث اوبالأحرى هي تمر في مخيلتي جيئة وذهابا وايضا ماثلة امامي كل التجارب الإنسانية وأعرف أن هذه الكتابة هي محاولة متواضعة للعبد الفقير لله كاتبها وهي للحقيقة والتاريخ والتذكير حيث يظهر أنه ومع الأسف الوقائع والوثائق شئ والواقع المعاش شئ آخر وحيث تتحكم بمصائر الشعوب أمور أخرى منها تضارب المصالح والتوجهات غير المشروعة ، وقد أمكن لي البحث المضني خلال الفترات الماضية، عن الإطلاع والحصول على العديد من الوثائق والخرائط المعتبرة العالمية ومن أمهات المصادر المختلفة الهامة وهي منتشرة وموجودة في طول العالم وعرضها حول كوردستان بصورة خاصة ودول المنطقة والعالم عموما وأن ماعرضها الرئيس في تلك الجلسة التأريخية، هي نماذج من عشرات بل قل المئات من الخرائط والوثائق التي تخص الجانب المذكور .
وما أود الاشارة اليه في هذا الصدد، بأن الخرائط والوثائق العالمية القديمة بشكل عام تشير الغالبية العظمى منها بشكل واضح ولا لبس فيها، بكلمة كوردستان بهذا الرسم الانكليزي kurdistan ) او ( coordistan ) او ( كورديو ) او أشكال أخرى وفقا للغة الرسام او الكاتب او دار النشر او الدولة وكذلك وفقا لمراحل تطور الكتابة، على المناطق الكوردستانية المعروفة للجميع .
إن هذه الخرائط والوثائق تعتبر من الأدلة الدولية المعتبرة وتقطع الطريق أمام أي التفاف او محاولة لإنكار وغمط الحقوق المشروعة ولابد من الأخذ بها مع الوثائق والوقائع الأخرى لإقرار الحقوق التاريخية والثابتة وتدحض في الوقت نفسه المحاولات والإدعاءات غير المنطقية ولايمكن أن تكون مدينة او منطقة معينة، عائدة او ملحقة إلى جهة او إثنية معينة لمجرد وجودها فيها ولها فيها ذكريات وأماني وقد جاءت اليها كرها او طوعا في حقب زمنية مختلفة وعديدة، ومثالنا بعض المناطق الكوردستانية المعروفة وكذلك مثال وجود الملايين من المواطنين الآسيويين في البلدان والإمارات الخليجية، كالكويت والإمارات وقطر والذين يفوق عديدهم أضعاف مضاعفة من السكان العرب أنفسهم أصحاب الديرة والأرض، لايمكن أن تجعل الآسيويين الإدعاء بأنهم أصحاب لتلك الأراضي والأمثلة تطول ..
وعموما لاتوجد أية خريطة قديمة ومعتبرة الإ وكتب عليها، أسم كوردستان بإحدى الأشكال التي أشرت اليها ومعها والمدن والحواضر المعروفة بإجزائها المختلفة والمقسمة إلى جانبها وحواليها، كديار بكر ( آمد ) و وان ومناطق الموصل وكركوك ولورستان و أردلان وغيرها رغم ما تعرضت له الأرض الكوردستانية من تقسيم وإحتلالات ويوم كان لكوردستان وجود وأسم و دولا وإمارات معروفة، لم تكن هنالك دولا ذات سيادة كما اليوم ولكن ماعسانا القول أمام الظروف والأسباب المختلفة عبر التاريخ لتجعل من أرض كوردستان ميدانا للصراعات والإتفاقيات والبروتوكولات الدولية وتجعل من أعرق وأقدم الشعوب عرضة للتقسيم والتشرد والكوارث وإنكار للحقوق والهوية ؟ ..
حدود ومساحة كوردستان
وحول حدود ومساحة كوردستان بجميع اجزاءها او مناطق تواجد الكوردستانيين، هنالك العديد من الآراء والكتابات والتحديدات المختلفة آخذين بنظر الاعتبار أن الحدود بين الدول والإمارات لم تكن في غابر الأزمان والأيام بالصورة التي عليها الآن، من ترسيم وتحديد وفقا للقوانين والإتفاقات والمعاهدات الدولية، لكن جميعها متفقة عموما على الحدود والمساحة التأريخية وأماكن تواجد الشعب الكوردستاني حيث تبلغ المساحة التقريبية حوالي ( 500000 ) كيلو متر مربع، فعلى سبيل المثال لا التحديد والحصر نذكر عدد منها: إذ حدد القيادي الدكتور عبدالرحمن قاسملو ( 1930 – 1989 )، في كتابه المعنون ( كوردستان و الكورد )، طبعة 1970 م، وكما نُشر فقرات منه في كتاب ( القضية الكردية في العشرينيات ) لمؤلفه الدكتور عزيز الحاج ، الطبعة الثانية، بغداد، 1985 ، واقتبسناه من الكتاب المذكور الصفحة ( 227 ) حدود كوردستان كالاتي: “يبدأ خط مستقيم عند قمة أرارات في الشمال الشرقي، ينحدر جنوبا إلى الجزء الجنوبي من زاغروس وبشتكوه في ( غرب ايران )، ومن تلك المنطقة نرسم خطا مستقيما نحو الغرب إلى الموصل في العراق ومن ثم خطا مستقيما نحو الغرب يمتد من الموصل إلى المنطقة الكوردية من لواء الاسكندرونة، ومن تلك النقطة يمتد نحو الشمال الشرقي حتى ارضروم في تركيا ثم من ارضروم يمتد الخط نحو الشرق إلى قمة ارارات “.
فيما جاء ذكر المدن والولايات الكوردستانية الرئيسة في الصفحة الاولى ضمن كتاب “ارمينيا و كوردستان ” وهو كتاب من سلسلة كتب خاصة بمناطق النفوذ والسيطرة البريطانية في العالم والمنشور بلندن في سنة 1920 م من قبل H.M ، حيث اعد ( الكتاب، الدراسة الشاملة )، من قبل الإنكليز ( القسم الخاص، المكتب الخارجي )، خصيصا كمصدر ووثيقة لتزويد الوفد البريطاني بالمعلومات ضمن الاستعدادات لمؤتمر السلام في نفس العام وحصلنا على نسخته الأصلية الإنكليزية وتعرض هنا لأول مرة بهكذا دراسات، فقرات منه بهذا الشكل : ” كوردستان عموما أخذ لتعني تلك المنطقة التي تضم الأقسام السكانية الكوردية الكبرى من الولايات : ( وان – فان ) ، ديار بكر والموصل ( يقصد بها ولاية الموصل بكل تفاصيلها، الكاتب) لكن هناك كورد خلال الامتداد الكلي من المدى طوروس، من أدنه إلى الحدود الفارسية ـ التركية غرب من بحيرة ارومية”.
ويقول المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي ( 1877 – 1966 ) في كتابه المطبوع مرارا والمعنون ( الكورد ) : ” الكورد الذين ينتشرون على مساحة واسعة جدا والذين يختلفون بهيئاتهم ومظهرهم بشكل ملحوظ، إن العوامل الجوهرية ( لطابعهم القومي )، هي نمط حياتهم وكذلك لغتهم “.
وفي كتاب ” الشعب الكوردي، دراسة تأريخية وسياسية ” لكاتبه الضابط والدبلوماسي المعروف حسن ارفع ( 1895 – 1983 ) والذي كان رئيسا لأركان الجيش الإيراني خلال الفترة ( 1944 – 1946 ) وبعدها سفيرا في تركيا، حيث طبع كتابه لأول مرة وباللغة الإنكليزية سنة 1966 م، في العاصمة البريطانية لندن وقد ترجمه الى العربية السيد عبدالرزاق محمود القيسي حيث جاء ضمن الكتاب في طبعته العربية وفي الصفحتين 21 و 22 نصا مايلي :أن المنطقة التي يشكل فيها الكورد الوارد توصيفهم اعلاه، الأغلبية السكانية هي منطقة تعتبر جبلية بشكل رئيس وتتحدد شرقا بالمنحدرات الشرقية لسلسلة جبال زاكروس والى بحيرة رضائية مع إحاطة آذرية حول مدينة رضائية وتمتد نحو الجنوب الشرقي الى الخط المار من اواسط المنطقة مابين كل من محوري سنندج، همدان و كرمنشاه، همدان.
اما الى الجنوب، فإن الإقليم يمتد الى الخط التقريبي الذي يضم كرمنشاه وكركوك، وبالكاد يتخطى ( يمر من خارج ) مدينة الموصل ثم يعود ليشمل ماردين و ويرانشهر و اورفة وبعد ذلك يستدير هذا الخط شمالا نحو ملاطيا ومن ثم يتبع مجرى نهر الفرات الى أن يبلغ الكمالية ومن هناك يتحدد الإقليم من الشمال بسلسلتي جبال مرجان داغ و خرخال داغ الشاهقتين اللتين تمتدان الى جنوب منطقتي ارزنجان و ارضروم وصولا الى منطقة جبال اكري داغ ( ارارات ) ” .
اما شيخ المؤرخيين العراقيين، السيد عبدالرزاق الحسني ( 1903 – 1997 )، فقد ذكر عن القضية الكوردستانية مايأتي في إحدى هوامش موضوعاته وذلك في الصفحة ( 201 ) ومايليه من صفحات من كتابه القيم: ” تأريخ الوزارات العراقية ” بجزءه الأول بطبعته الثانية سنة 1953 مأ… ” احصي عدد الكرد أخيرا فكان نحو ثلاثة ملايين نسمة، وهم موزعين بين تركيا وايران والعراق وسورية ويبلغ عدد القاطنين منهم في شمال العراق نحو نصف مليون نسمة او سدس هذا العدد المجموع وقد قضت معاهدة سيفر المنعقدة في 10 اب سنة 1920 أن يوضع مشروع للإستقلال المركزي للمناطق الكردية الواقعة في شرقي الفرات وجنوب غربي ارمينية وشمالي الحدود التركية المتاخمة لسوريا والعراق، في خلال ستة اشهر من تأريخ دخول هذه المعاهدة في حيز التنفيذ، وفي ظرف سنة واحدة من تأريخ تنفيذها إذا فاتح كرد هذه المنطقة مجلس عصبة الأمم برغبتهم في الإاستقلال عن تركيا، وأقر المجلس عنده الرغبة، فيجب منحهم إستقلالهم،
وفي هذه الحالة لايعارض الحلفاء بقية الكرد، القاطنين في كردستان العراقية، إذا اختاروا الانضمام الى دولة مستقلة كردية كالتي ذكرناها ( انظر المواد 62 و 63 و 64 من معاهدة سيفر ) من هنا تتجلى فكرة تكوين دولة كردية مستقلة تشمل، فيما تشمله من المناطق الاخرى، كردستان العراقية، مع ان الدولة العراقية لم تكن قد عرفت يومئذ، او تقرر خلقها”.
اما ديللافاليه الرحالة الايطالي المعروف ( المولود في 1576 او 1586 حسب البعض من المصادر والمتوفي في 1652 )، فقد زار منطقتنا ومايجاورها وبقي فيها فترة طويلة متنقلا بين جبالها وتلالها ووديانها وسهولها فدون مشاهداته في كتاب معروف وضعه بلغته الايطالية مزدانة بالعديد من الخرائط والصور المرسومة، وقد قام المؤرخ العراقي المعروف السيد الأب بطرس حداد ( 1938 – 2010 )، بترجمة مايخص المنطقة من الايطالية الى العربية واصدره في كتاب قيم باسم ” رحلة ديللافالية إلى العراق ” وطبعه اول مرة ببغداد سنة 2001 م بواقع ( 193 ) صفحة وقد جاء فيه الاتي نصا حول عنوان موضوعنا وذلك في الصفحة ( 93 ) ومايليها : ” في اليوم السابع دفعنا ضريبة كانت تجمع في ذلك الموقع ورحلنا منذ الصباح الباكر فمررنا بجبال جرداء وأرض قاحلة وعند الغروب توقفنا عند قرية تسمى « قزلرباط » (١) وهي آخر موقع مأهول يخضع للسيطرة التركية، يسوسها رجل اسمه أحمد أو محمد بك وهو رئيس قبيلة كردية وقد خلع السلطان عليه رئاسة المنطقة مدى الحياة مقابل حراسته للحدود هو ورجال قبيلته. “
ويضيف الرحالة الايطالي فيكتب : ” الكرد لا بد أن أسرد عليك شيئا من الأخبار عن الكرد يا سيدي. تقع منطقة كردستان بين الدولتين: العثمانية و الفارسية ان منطقة وجودهم ليست عريضة بقدر ما هي طويلة. فالمساحة عرضا من الغرب إلى الشرق تستغرق مسيرة عشرة أيام أو اثني عشر يوما تقريبا بينما هي من الشمال إلى الجنوب طويلة جدا إذ تبدأ تقريبا من أراضي بغداد و السوس حسبما أظن و تمتد إلى ما بعد الموصل ( وهي نينوى ) إلى بلاد مادي و أرمينيا و ما بعدها إلى البحر و هي منطقة مكينة لأنها جبلية متفرعة من جبل طوروس، فالسلسلة تبدأ من هناك لتقسم آسيا وتتقدم إلى الجنوب حتى تصل إلى الخليج. هذه الجبال الشم هي الفاصل الطبيعي بين الدولتين العثمانية والفارسية حاليا كما كانت قديما الفاصل الطبيعي بين الدولة الرومانية والفرثية.” ماذا كان يطلق على كردستان في العهود القديمة يا ترى؟
هذا ما أجهله و لا أعتقد انها كانت تسمى باسم عام كما هي الآن، بل كانت تقسم إلى شعوب عديدة و بأسماء مختلفة و يؤيد قولي هذا ما ورد في مؤلفات الأقدمين. فقد ذكر عن بعضهم باسم «كاردوكي» الذين أغاروا على زينوفون و أتباعه فألحقوا بهم الأذى بالقرب من نهر دجلة عند تراجعهم إلى اليونان، كما يروي بنفسه في كتبه الرائعة عن حملة قورش الأصغر. إن كتابه هذا في رأيي هو من أروع ما خلف من المؤلفات .
و للكرد لغة خاصة بهم تختلف عن اللغات المجاورة أي: العربية و التركية و الفارسية و رغم ذلك ففي كلامهم لكنة فارسية و تقترب منها في بعض ألفاظها”.
يعيش بعضهم في خيام، وينتقلون من مكان إلى آخر مع مواشيهم، لكن الأكثرية تعيش في قرى ويخضعون لأسياد من جنسهم، وسيادة أمرائهم وراثية في الأكثر، ويتقاسمون الولاء للدولتين المتجاورتين فبعضهم مع العثمانيين والبعض الآخر مع الفرس حسب قربهم من هؤلاء أو من أولئك. لكن كبار أمرائهم أحرار ينعمون بالاستقلال ولكن بدرجات ما بين القوي والأقوى هناك بين أمرائهم من يستطيع أن يعد عشرة آلاف إلى اثني عشر ألف فارس، مثل أمير بتليس الذي رأيته في اسطنبول. أما محمد بك صاحب قزلرباط الذي ذكرته قبيل قليل فبإمكانه إعداد نحو ألفين إلى ثلاثة آلاف مقاتل لاأكثر”.
أن الأمراء الأقوياء لا يعترفون بتبعية لأحد لكنهم يقبلون حماية أحد العاهلين وقد يغيرون الولاء من هذا إلى ذاك حسبما تقتضيه منافعهم، كما يحدث عندنا في إيطاليا تماما! اما الضعفاء فيقبلون بالتبعية بطبيعة الحال ويرضون بالرئاسة لفترة محدودة أو مدى الحياة و لكنها غير وراثية. يعتبر الزيّ الكرديّ مزيجا من أزياء الأتراك والفرس وهو لباس خشن.
نساؤهم سافرات يتجولن بحرية بين القوم، ويتحدثن بحرية مع الرجال كردا كانوا أم غرباء، الكرد مسلمون منهم على مذهب الفرس، ومنهم على مذهب الأتراك بحسب التبعية السياسية التي يقبل بها أمراؤهم يظن بهم بعض المسلمين سوءا و تنتشر في أوساطهم الخرافات ولقلة معلوماتي عنهم فلا أستطيع التبسط أكثر في عاداتهم. في بعض أماكنهم كمدينة الجزيرة مثلا الواقعة على نهر دجلة في بلاد ما بين النهرين يسوسها أمير كردي، و كذلك في الجبل الذي يطلق عليه الكلدان، فهو يخضع للكرد أيضا وتلك المنطقة جبلية وعرة المسالك ويعيش فيها عدد كبير من النصارى الكلدان واليعاقبة والنساطرة ويتكلمون إلى اليوم اللغة الكلدانية العامية، ويستخدمهم الأمير الكردي أحيانا كجنود مقاتلين في صفوف جيشه. هذا كل ما استطعت جمعه من أخبار عن الكرد “.
اما المؤرخ المعروف السيد شمس الدين سامي، فقد وضع عصارة جهده في اصدار سلسلة قيمة من ( قاموس الاعلام ) بعدة اجزاء مجلدة ومرتبة حسب الحروف الابجدية، حيث دون في ( المجلد الخامس ) من قاموسه الشهير والذي وضعه بلغة تركية عثمانية والمطبوع بمطبعة مهران باسطنبول سنة 1896 م، عن كوردستان الكثير من التفاصيل.
وكوردستان هي اسم على مسمى وتعبير عن وجود وكينونة شعب اصيل وقدير ولاتعني البتة معاداة اي شعب او مكون في المنطقة و تريد ان تكون شعلة مضيئة وايقونة المحبة والسلام للجميع . وقد جاء ايضا ذكره في المصادر العربية والاسلامية القديمة وهناك خرائط عدة معروفة في هذا المجال وذكره ايضا المستوفي القزويني في كتابه المعروف ( نزهة القلوب )، في القرن الرابع الميلادي.
ولم تنكر الدولة العثمانية او تمنع أسم كوردستان من التداول الرسمي رغم سياساتها المعروفة والادلة حول ذلك كثيرة ومنها الاماكن والصكوك والاموال والمكاتبات والخرائط والقواميس المعروفة والمنتشرة. وفي ايران ايضا ومنذ زمن بعيد حتى اليوم، فان الاسم متداول وحيث توجد عدة اماكن تحمل اسم كوردستان.
وقد جاء في كراس ” اين تكمن المصالح الحقيقية للقومية التركمانية ” ص 8 و9 الطبعة الثالثة 2006 ، نصا ماياتي :” التلفظ باسم كوردستان رغم كونه اسما رسميا في عهد النظام البعثي لمنطقة الحكم الذاتي .. ورغم كون كوردستان مستعملة في العهد العثماني، والاكثر انه في بداية عهد المرحوم مصطفى باشا اتاتورك كان المجلس الوطني التركي الكبير يضم مكتوبا على جدرانه لائحة بأسم ” كوردستان ميللت وكيلي”، اي نواب كوردستان . ومعلوم انه توجد ولاية في الجمهورية الاسلامية تحمل اسم ” استان كوردستان ” وتوجد فيها جامعة بأسم ” دانشكاه كوردستان” ويوجد بلفار في العاصمة طهران باسم ” بزرك راه كوردستان ” كما تحمل الطائرة الرئاسية الايرانية اسم ” كوردستان ” .
وشخصيا اتذكر انه في اوائل النصف الاول من ثمانينيات القرن الماضي وعندما كنت في مرحلة المتوسطة بمدينة كركوك، دخل المعاون الاداري ( والذي كان من غير الكورد إلا انه كان يتكلم بلغات اهل المدينة بطلاقة ) الى الصف فجاءة ليخبرنا على حد قوله بوجود كتابات ضد السلطات وكتابة اسم كوردستان هنا وهناك وحيث يبدو ان السلطات قد ابلغته بوجوب اخطار الطلبة بالابتعاد عن الامور السياسية و توبيخهم او اسداء النصيحة لهم ولان الدولة على حد قول المعاون تتداول لفظة كوردستان بشكل رسمي فلا حاجة للكتابة على الجدران حيث قال نصا بنبرة ناصحة فيها شيئا من الشدة قائلا وبلغة كوردية :” ابنائي كفو عن ذلك ( ويقصد بالكتابة على الجدران والاماكن لان ( وقد ذكر المعاون في جملته نصا الاسم الاول للرئيس العراقي انذاك حتى من دون اية القاب ) يصيح ليلا ونهارا كوردستان كوردستان”.
الكوردستانيون وادوارهم في الحضارة الانسانية وفي التضامن والتعاون مع شعوب المنطقة.
وقد انتشر الكوردستانيون ومنذ امد بعيد في معظم بقاع العالم واصبحوا لاجئين فيها بسبب الظروف المختلفة وكذلك فان ادوارهم شاخصة في الحضارة الانسانية وفي التضامن والتعاون مع شعوب المنطقة وفي العديد من المراحل التأريخية وبمسميات عديدة.
فمن لايعرف من حرر بيت المقدس وأسس دولا عديدة في غابر الأيام لشعوب المنطقة ومن لايعرف من تناخى للدفاع عن مناطق ولاية البصرة سابقا ضد الاحتلال الاجنبي في سنة 1915م، واستحق قائد الكوردستانيين انذاك الشيخ محمود الحفيد ( 1882 – 1956 )، الاهزوجة المعروفة للاهل هناك : ( ثلثين الجنة لمحمد واحفاده والثلث الاخر لكاكه احمد الشيخ وكرده ).
اضافة الى العديد من المواقف سواء في الماضي او الحاضر وقد دفع الكوردستانيين في مجملها غاليا ثمن مواقفهم حتى ان هناك تقيمات مختلفة سواء من قبل المثقفين الكوردستانيين انفسهم او المتابعين الاخرين لما كان يجب يتخذ او لايتخذ من مواقف وافعال تجاه القضايا والاحداث المختلفة عبر التاريخ وحتى يومنا هذا وتأثير كل ذلك على مجمل اوضاع الكوردستانيين.
مواقف مسؤولة ومبدئية لايمكن ان ينسى
ولايمكن أن ينسى المواقف المسؤولة والمبدئية لكل الذين وقفوا ولازالوا إلى جانب الحقوق العادلة والمشروعة لشعب لكوردستان وحريتها من رؤوساء دول وحكومات وشخصيات سياسية وثقافية واجتماعية في مختلف بقاع العالم وتعاطفهم مع قضيته.
وقد نظم شاعر العرب الاكبر الاستاذ محمد مهدي الجواهري النجفي ( 1899 – 1997 ). قصيدته الرائعة : ” كوردستان ياموطن الابطال “، مطلع الستينيات وفي اوج تعرض الكوردستانيين إلى الاضطهاد وسياسات القمع، تعبيرا عن الاعتزاز والتقدير لنضالات وتضحيات شعبها، تلك القصيدة الرائعة، حولتها الفنانة المعروفة، السيدة ميادة حناوي إلى اغنية جميلة أخيرا وتقول القصيدة:
” يا أيها الجبل الأشمُّ تجلة ومقالةً هي والتجلةُ توأمُ
شعبٌ دعائمه الجماجمُ والدمُ تتحطم الدنيا، ولايتحطّمُ” .
ولم يبخل أبن السماوة، الشاعر الانساني كاظم السماوي ( 1919 – 2010 )، بقصائده وكتاباته عن كوردستان إذ انشد في قصيدته الرائعة والمعنونة بإسم ( كردستان، قمر احمر فوق سهوب الليل ) يقول :
” ياكردستان
أحلم أن تشرق شمسك فوق روابيك الخضراء
أن يتلألأ القمر الازرق فوق جبالك، ياكردستان
لك الخفقات الأولى في القلب
الرعشات الأولى في الحب
ولك المجد.. لتعلو.. لتعلو هامة إنسانك
لامجد سوى مجد الإنسان ياكردستان يا كردستان.” .
وفي كل هذا لايمكن أن تنسى الدور والموقف الديني والوطني والانساني المشرف لسماحة السيد محسن الحكيم الذي افتى في اواسط ستينيات القرن الفائت بحرمة وتجريم استباحة الدم والارض الكوردستانيين،
ففي 5 تموز 1965 ، اصدر المرجع آية الله السيد محسن الطباطبائي الحكيم ( 1889 – 1970 )، فتواه المشهور بحرمة قتال الشعب الكوردستاني، خاذلا بذلك الحكام المستبدون، وهنا عرض لمحتوى الفتوى نقلا عن تلفزيون الفرات وكذلك الموسوعة الحرة :
“عندما اخذ الحكام المرتبطون بالأجنبي بترويج أفكار القومية العربية في العراق، قام السيد بالتصدي لتلك الأفكار, وقاوم كل أشكال التعصب والتمييز الطائفي والعرقي في العراق, وخير شاهد على ذلك إصداره الفتوى المعروفة بحرمة مقاتلة الكرد في شمال العراق, لأنهم مسلمون, تجمعهم مع العرب روابط الأخوة والدين “.
وكذلك كان الموقف المشرف نفسه للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ( 1935 – 1980 ) تجاه مظلومية الكوردستانيين.
اما سماحة السيد علي السيستانى فقال اثناء لقائه بمدينة النجف الاشرف بتأريخ 12 / 7 / 2004 ، بوفد من الشخصيات الكوردستانية ومن بينهم عدد من علماء الدين الاسلامي بكوردستان ومثلما نشر في وسائل الاعلام وقتها :
” انتم على حق والذين جاءوا الى ارضكم، ليسوا على حق ” ومضيفا : ” الكورد يعيشون منذ الاف السنين في وطنهم وماارتكب ضدهم من ممارسات التطهير العرقي ظلم لايقبل به احد وانتم على حق “.
العزة والبقاء لله وحده والعزة والحرية والكرامة حق قطعي ومكتسب لجميع من في الانسانية.
إن ايه دولة او امة تريد العزة والمفخرة والحرية والكرامة والعيش الرغيد فقط لنفسها على حساب الاخرين من شعوب واقوام الارض، فانها تظلم نفسها قبل الاخرين ولان العزة والبقاء لله وحده والعزة والمفخرة والحرية والكرامة والعيش الرغيد، هي حق قطعي ومكتسب لجميع من في الانسانية ولافرق بين عربي او اعجمي الا بالتقوى، اولم يقل الخالق عز و جل:
” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ، سورة الحجرات ، الاية 13 . ورحم الله القائل :” امة تضطهد امة اخرى لايمكن أن تكون حرة “.
حل القضية الكوردستانية حلا عادلا وشاملا وسلميا وديمقراطيا في جميع اجزاءه
وفي الختام أقول، كان قدر كوردستان وهي الاسم الشائع لها منذ قرون بعيدة، أن تتعرض إلى المظالم و التقسيم القسري على ايدي القوى الإستعمارية لمرتين على مدى التأريخ والمستمر لحد زمننا هذا، لذا فإنه آن الآوان في القرن الحادي والعشرين وربيع تحرر الشعوب والتقدم الحضاري، ازالة تلك المظالم ويكون لشعبنا كغيره من الشعوب والامم في العالم، الحق في تقرير المصير والتعبير عن وجوده على ارضه وفقا لميثاق الامم المتحدة وقواعد القانون الدولي ومفاهيم حقوق الإنسان ومشيئة ورغبة مواطنيه، وضع اسس عادلة ومتينة للسلام والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم ويعيش الجميع بحرية وكرامة وتامين مستقبل هذا الجيل والاجيال اللاحقة الى ان يرث الله الارض ومن عليها وحيث بدون حل القضية الكوردستانية حلا عادلا وشاملا وسلميا وديمقراطيا في جميع اجزاءه، لايمكن أن تشهد المنطقة إستقرارا حقيقيا وبات من الضروري في هذه المرحلة، عقد مؤتمر دولي لبحث القضية الكوردستانية من مختلف الاوجه وبحضور كل الاطراف المعنية.
والله والحقيقة من وراء القصد