×

  تركيا و الملف الکردي

  قراءات تركية في إعلان دمشق: واشنطن تدفع نحو «كردستان سوريا»



*د.محمد نورالدين

 

في أول تعليق له على اتفاق النظام الجديد في سوريا، مع «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد)، كان للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، موقف داعم وحذِر في الوقت نفسه؛ إذ قال إن بلاده «تُولي أهميّة كبيرة لوحدة الأراضي السورية وبنيتها الموحّدة»، وإن «الرابح من الاتفاق هو سوريا، ولكن يجب متابعة تنفيذه من دون أيّ نقصان، وبما يخدم الأمن والرفاه في سوريا». وحذّر إردوغان، «حزب الشعب الجمهوري»، من «اللعب بنار الفتنة المذهبية»، بالقول إن الأخير «يسعى إلى استجلاب الفتنة المذهبية في سوريا إلى تركيا»، واصفاً من جديد ما حصل في الساحل السوري بأنه من عمل «فلول النظام السابق الإرهابية».

ومن جهتها، أبدت وزارة الدفاع التركية حذراً في مقاربة الاتفاق، ببيان جاء فيه أنها «ستنظر إلى طريقة تنفيذه وانعكاساته على الساحة، وستتابع عن كثب النتائج الإيجابية أو السلبية التي قد تسفر عنه».

وأضاف البيان أن الملحق العسكري التركي في دمشق، سيلتقي وزير الدفاع السوري، فيما سترسل تركيا وفداً عسكريًّا إلى دمشق خلال الأيام القليلة المقبلة. أمّا في وسائل الإعلام التركية، فقد اعتُبر الاتفاق مجرّد عناوين وإطارٍ يختزن التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان، مع التنبيه إلى مخاطره على تركيا، تبعاً لطبيعة تفسيره من كل طرف.

ولعلّ مما يعزّز ذلك القلق التركي، موقف في غاية الوضوح، عبّر عنه صالح مسلم، رئيس «الاتحاد الديموقراطي السوري» الكردي، الممثّل الأبرز لكورد سوريا، والذي قال لصحيفة «يني أوزغور بوليتيكا»، الكردية التي تصدر باللغة التركية، إن «الاتفاق سيعزّز قوة ثورة روجافا (شمال شرق سوريا)، وسندير بصورة مشتركة الدولة، من الاقتصاد والدستور إلى مناحي الحياة الأخرى. سندير المعابر معاً ونقتسم المداخيل، وستكون حرّية كاملة في نمط الحياة للجميع. سنكون جزءاً من الدولة، شرط أن نحافظ على حقوقنا وخصوصياتنا، وقلنا ذلك من البداية». وتابع: «الإعلام التركي يتحدّث عن استسلام قوات قسد، وهذا منافٍ للحقيقة، ولا نزع للسلاح».

في حين يتحدّث إردوغان عن «الدولة الموحّدة»، يتحدّث مظلوم عبدي عن الحكم الذاتي

مع ذلك، يرى عبد القادر سيلفي، في صحيفة «حرييات» الموالية، أنه «بعدما كان يُنظر إلى قوات قسد على أنها العقدة الأكبر في نداء أوجالان لحلّ حزب العمال الكردستاني، وإلقاء سلاحه، فإذ بمشكلة قسد تجد حلّاً لها، بعد توقيع مظلوم عبدي على اتفاق إلقاء السلاح وتصفية وحدات حماية الشعب الكردية التابعة للكردستاني»،

مشيراً إلى أن تركيا تنظر إلى التطوّرات في سوريا بعد اتفاق «قسد» - دمشق، على الشكل الآتي:

1- الاتفاق خطوة مهمّة جدّاً للوصول إلى تركيا خالية من الإرهاب.

2- الاتفاق إيجابي، لكن نريد تطبيقاً كاملاً له.

3- كان مظلوم عبدي يقول إن نداء أوجالان لا يشمل «قسد»، ولكن حصلت المفاجأة بتوقيع اتفاق العاشر من آذار.

4- ترى أنقرة أن مساهمة الولايات المتحدة في الاتفاق أمر إيجابي.

5- كان عبدي ينتقد ما يجري مع فلول النظام في منطقتَي اللاذقية وطرطوس، ولكن «سحق الدولة للتمرُّد»، اضطره إلى القبول بالاتفاق.

6- يرى البعض أن الاتفاق ينظر إلى «قسد» باعتبارها قوّة مستقلة ضمن الجيش السوري، من دون أن ينزع سلاحها. لكن أنقرة، بحسب الكاتب، لا تقرأه على هذا النحو، بل على العكس تماماً؛ ذلك أن أيّ محاولة لإبقاء السلاح تعدّ «تهديداً للسلم الاجتماعي»، كما ورد في المادة السابعة.

7- لا يمكن القبول ببقاء «قسد» كجيش داخل الجيش السوري، لأن ذلك يسلم خيط التمرّد لقوى غير دولتية.

8- إن تسليم المعابر لقوات الدولة، سيضمن أمن الحدود مع تركيا.

9- الجيش التركي سيبقى في سوريا، وسيتابع ما يجري هناك، وسيتدخّل في حال نشوء أيّ نشاط إرهابي.

10- سيتم حلّ القوات العسكرية لـ«قسد» وامتدادات «الكردستاني»، على أن تتحوّل إلى أحزاب سياسية ضمن نظام مركزي رئاسي يضمن المساواة لكلّ السوريين.

 

مجرد إشارات إلى ما ستكون عليه التفاصيل لاحقاً

وفي الصحيفة نفسها، اعتبر سادات إرغين أنه «سيكون من الصائب أن ننظر إلى اتفاق قسد - الشرع على أنه أوّلي، ويقدّم مجرد إشارات إلى ما ستكون عليه التفاصيل لاحقاً».

ومع ذلك، «انتزع الكورد في هذا الاتفاق، الاعتراف بهم كمكوّن أصيل في الدولة، وهو ما لم يكن سابقاً. أمّا كيف سينعكس ذلك في الدستور، فهذا ما سنعرفه لاحقاً». ويرى طه آقيول، في صحيفة «قرار»، من جهته، أن الاتفاق «لا يحلّ المشكلة»، على اعتبار أن كل طرف له تفسيره الخاص لكلّ مادة فيه؛ ففي حين يتحدّث إردوغان عن «الدولة الموحّدة»، يتحدّث مظلوم عبدي عن الحكم الذاتي، وعن أن العلم السوري سيرفع بشكل رمزي على المعابر ومصادر الطاقة، علماً أن الإعلان «لا يتضمّن عبارة الحكم الذاتي ويشير إلى الدمج». ويضيف الكاتب أنه على تركيا «ألّا تفرح، وألّا تكون معرقِلة، بل أن تتابع التطوّرات بدقّة وبهدوء».

 

مبادئ أساسية

ويلفت مسؤول ملف الشرق الأوسط في مركز «أورسام» للأبحاث، أويتون أورخان، بدوره، إلى أن الاتفاق هو عبارة عن «مبادئ أساسية، والأهم طبيعة الدمج التي تحدّث عنها، والتي ستكون مدار بحث اللجان التي ستتشكّل». وأعرب عن عدم اعتقاده بأن تسليم المعابر سيكون الخطوة الوحيدة للاندماج في الدولة، وأنه «إذا كان الأمر كذلك، وإذا حافظت الوحدات الكردية على بنيتها، فسيكون هذا خطراً وخطاً أحمر بالنسبة إلى تركيا»، التي قال إنها تنظر بإيجابية إلى الاتفاق، ولكنها متوجّسة من مسار الأمور خلال التطبيق.

 

يتيح حرّية الحركة والتفسير

وفي الاتجاه نفسه، يشير مسؤول السياسة الخارجية في «حزب الشعب الجمهوري»، إيلهان أوزغيل، إلى أن الاتفاق «غير واضح، ويتيح حرّية الحركة والتفسير لكلّ طرف»، مذكّراً بأن «الشرع لا يمتلك القوّة الكافية لمحاربة قوات سوريا الديموقراطية. وفي المقابل، تدعم أميركا وفرنسا وإسرائيل القوات الكردية. الاتفاق يقلّل من احتمالات التصادم. وهذا تفسيره واحد: قوات قسد باقية».

 

بداية لسوريا فدرالية

أمّا محمد علي غولر، في «جمهورييات»، فيعتبر أن «اتفاق قسد - الشرع هو بداية لسوريا فدرالية، حيث سيكون الكورد شركاء في إدارة الدولة، وبرعاية الولايات المتحدة». ووفقاً للكاتب، فإن «ما سيسري على الكورد، سيسري على كل المكونات الإتنية من عرب وأرمن وشركس وتركمان. سوريا ستحمي وحدة أراضيها، ولكنها لن تكون موحّدة سياسيّاً، بل فدرالية. ولن يكون هناك جيش موحّد، إذ إن عبدي لم يتحدّث عن جيش واحد، بل فقط عن عاصمة واحدة وعلم واحد. سيكون الكورد جيشاً مستقلّاً ضمن الجيش السوري». وينتهي غولر إلى القول إنه «كما حصل في العراق، فإن سوريا ستكون، وفقاً للمخطّط الأميركي - الإسرائيلي، دولة فدرالية. وكما أصبحت تركيا جارةً لمسعود بارزاني، ستكون جارة مظلوم عبدي».

 

الاتفاق يعطي الكورد ما يريدونه

ويكتب آخر سفير تركي في دمشق عام 2011، وهو عمر أونهون، من جانبه، أن «الاتفاق يعطي الكورد ما يريدونه، ويعترف بالوحدات الكردية، ويحفط لها القوة العسكرية والإدارة الذاتية والاعتراف بالدستور والشراكة في الموارد الطبيعية، ويواصل وضعها تحت الحماية الأميركية التي لم تؤسّس قسد لمحاربة داعش فقط، بل لمحاربة إيران أيضاً». ويرى أونهون أن «التطوّرات في تركيا وسوريا تسير بصورة متوازية؛ إذ في كلا البلدين، ثمة تحضيرات لدستور جديد، عنصره الجديد الأهم مرتبط بالمسألة الكردية»؛ وعليه، «عندما نقيّم ما تشهده سوريا، يجب بالتأكيد أن ننتبه إلى تقييماتنا لِما تشهده وستشهده تركيا. أليس كذلك؟».

 

ما الذي ينتظر الكورد؟

وإذ يكاد الاتفاق لا يخرج عن حدود الإنشائيات التي تحتاج إلى ترجمتها على أرض الواقع، فإن بيت القصيد، بالنسبة إلى الكورد، يكمن في المادتَين الثانية والرابعة؛ إذ تتضمّن الأخيرة تنازلات نظرية «كبيرة جداً» من الجانب الكردي، من مثل تسليم المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز لقوات دمشق، فيما الفقرة الأهمّ فيه تشير إلى «دمج» المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة، من دون أن توضح طبيعة هذا «الدمج»، وما إذا كان يعني انخراط «قسد» الكامل في صفوف الجيش، أو بقاءها فصيلاً موازياً تحت إمرة مركزية واحدة، يكون الكورد جزءاً منها.

ولا يقلّ البند الثاني أهميّة عمّا تقدّم، إذ يتمحور حول «الاعتراف» من جانب الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، بما سمّاه الاتفاق «المجتمع الكردي»، واعتبار هذا الأخير أصيلاً، وحماية حقّه في المواطنة، وحقوقه الدستورية الأخرى كافة. وإذا كانت المواطنة حقّاً طبيعيّاً لكلّ السوريين، فإن ترجمتها في نصّ دستوري يعدّ ذا أهمية بالنسبة إلى الكورد، كون الدستور يفترض أن يتضمّن حقوقاً كاملة لهم في التحدّث والتعلّم بلغتهم في المدارس والجامعات الواقعة في مناطقهم.

على أيّ حال، يبقى واضحاً أن انخراط الكورد في الدولة، بعد موافقتهم على حلّ فصائلهم المسلحة وتسليم المعابر وحقول النفط والمراكز العسكرية والمطارات والسجون وغيرها للدولة، لا يمكن أن يقابله ما هو أقلّ من الحقوق المشار إليها؛ وخلا ذلك، يكون الاتفاق مجرّد جس نبض لتطوّرات مستقبلية تعدِّل فيه أو ربّما تلغيه. أما في حال تطبيقه بتفاصيله المعلنة والمضمرة، فيشكّل خطوة كبيرة جداً نحو وحدة سوريا، وخصوصاً أن الدروز لا يمثلون محور ضغط كبير إلا عبر التهديدات الإسرائيلية، فيما العلويون تُركوا لمصيرهم من دون أيّ حماية لا داخلية ولا خارجية.

وثمّة مَن يتساءل في هذا الإطار: هل يعني تضمين الاتفاق، في بنده السادس، عبارة «دعم الدولة السورية في مكافحتها لفلول الأسد»، إشارة إلى اضطرابات محتملة على «الحدود الكردية» - السورية مع العراق، أم أن القوات الكردية قد تنتقل عند الضرورة لدعم قوات الشرع في ضرب الوجود العلوي في مناطق اللاذقية، رغم أن الكورد و«حزب العمال الكردستاني» يشكّلون مع قسم كبير من العلويين الأتراك، جبهةً واحدة ضدّ الدولة التركية منذ 100 عام وحتى الآن؟ وهل يعني ذلك بداية شرخ في التحالف المشار إليه؟

 

أبرز جوانب الضعف في الاتفاق

لعلّ أبرز جوانب الضعف في الاتفاق، أن الدولة التي وقّعته لم تستقرّ بعد على أيّ أساس؛ فلا انتخابات ولا دستور ولا أيّ شيء آخر. ومن هنا، فإن ما أُعلن عنه لا يعدو كونه تفاهماً بين شخصين وفئتين من المجموعات السورية المسلحة، دوناً عن الآخرين من علويين ودروز ومسيحيين وكل السوريين غير المتشدّدين، والذين لا ينتمون إلى «هيئة تحرير الشام». ولذلك، لا يمكن للمكونات المختلفة أن تركن إلى وعود من الدولة، قبل أن ترتسم صيغة العقد الاجتماعي الجديد، بما يشمل ضمانات باحترام الحريات والهويات، وكتابة دستور عصري، وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية نزيهة، وهو ما يعدّ تحقيقه، في ظلّ طبيعة المجموعة الحاكمة، أمراً مشكوكاً فيه.

كما ثمّة نقطة أخرى تعكس توجُّساً مشروعاً، وهي مصير آلاف «الداعشيين» في السجون الكردية، والذين يقال إنه سيتمّ تسليمهم إلى الدولة، علماً أن هذا البند لم يتوضّح في الاتفاق، وربّما يكون مشمولاً بعبارة «دمج كل المؤسسات المدنية». ولعلّ مكمن الخطر هنا، أن هؤلاء المتطرّفين ينتمون إلى المدرسة نفسها التي تنتمي إليها الجهة التي ستتسلّمهم، ما يجيز طرح سؤال حول ما إذا كان أسرى «داعش» سيتحوّلون إلى جنود نظاميين في الجيش الجديد، على غرار وجود قيادات وأفراد فيه من جنسيات مختلفة، مثل الأويغور والتركمانستان والأوزبك، ليتّخذ الجيش المذكور صفة «العالمية» بدل أن يكون سوريّاً؟

 

تحديات الانتقال إلى سلام

أمّا على الصعيد الخارجي، فإن الانتقال إلى سلام بين مناطق الكورد ومناطق حكم دمشق، يستدعي خروج القوات التركية من مناطق غرب الفرات كما شرقها، لانتفاء الخطر الذي يشكّله الكورد السوريون عليها. لكن ذلك لا يعني أن الاتفاق تم رغماً عن تركيا، التي لم يبرز إعلامها، باستثناء صحيفة «حرييات»، الإعلان في صدر صفحاته الأولى، بل اكتفت الصحف الموالية بوصف الاتفاق بأنه بين الشرع و«المنظمة الإرهابية قسد»، كما لم تصدر تعليقات فورية من المسؤولين الأتراك ولا حتى من الكتّاب الموالين.

على أن أيّ اتفاق خطير كهذا، لا يمكن أن يخرج إلى الضوء من دون موافقة أنقرة، بل إنه قد يكون حصل على النحو الذي تريده تركيا، لتتفرّغ الأخيرة لتسوية المشكلة الأساسية التي تعاني منها مع «حزب العمال الكردستاني»، وإحكام تطويقها له، وإطلاق يدها في المرحلة المقبلة للقبول بنداء أوجالان، في مقابل منح الكورد في تركيا حقوقاً لا تتجاوز بعض الفتات الثقافي.

 

الدور الأميركي

كذلك، فإن الدور الأميركي واضح جداً؛ إذ لا يمكن للكورد أن يتصرّفوا في أمر خطير كهذا، من دون علم واشنطن وموافقتها. وفي هذه الحالة، يفترض أيضاً أن يبادر الجنود الأميركيون، كما الأتراك، إلى الانسحاب من سوريا، ما يعني أن الاتفاق، في حال إتمامه، هو بمنزلة تسليم سوريا بالكامل لتركيا والولايات المتحدة، وخطوة على طريق سوريا خالية من أيّ بؤرة نفوذ لإيران وربما لروسيا. أمّا «المكاسب العربية» لكلّ من السعودية والإمارات أو حتى مصر، فليست معروفةً طبيعتها، إنْ وجدت أصلاً، فيما ستكون الحدود السورية مع العراق ولبنان موضع متابعة دقيقة.


16/03/2025