×

  تركيا و الملف الکردي

  بين تصفية المعارضة ومستقبل الاستبداد



أردوغان يدق المسمار الأخير في نعش الديمقراطية التركية:

 

*فريق الجيوستراتيجي للدراسات

تشهد تركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان تحولات سياسية حادة، تهدد المسار الديمقراطي الذي كانت البلاد تحاول ترسيخه منذ أوائل الألفية الثالثة. فبين الاعتقالات السياسية، وتصفية المعارضة، وقمع الحريات، يبدو أن أنقرة دخلت منعطفًا جديدًا يعيدها إلى أنماط الحكم الاستبدادي. ولعل أبرز التطورات التي تؤكد هذا الاتجاه هو اعتقال أكرم إمام أوغلو، المرشح الأبرز لرئاسة تركيا في 2028، بالإضافة إلى التهديد المتزايد الذي يواجهه الإعلاميون والناشطون المعارضون للنظام. هذه التحولات تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل تركيا السياسي، واحتمالية تحولها إلى دولة استبدادية بواجهة ديمقراطية.

 

أولا: اعتقال إمام أوغلو كضربة قاضية للمعارضة التركية

يعد أكرم إمام أوغلو أحد أبرز وجوه المعارضة التركية، إذ نجح في تحقيق انتصار رمزي كبير في الانتخابات البلدية لعام 2019 حين هزم مرشح الحزب الحاكم في إسطنبول، رغم إعادة الانتخابات بضغط من أردوغان. ومنذ ذلك الوقت، تحول إلى تهديد حقيقي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، كونه يمتلك قاعدة شعبية واسعة ورؤية سياسية تتحدى النهج الاستبدادي للنظام.

اعتقال إمام أوغلو قبل إعلان ترشحه المتوقع لانتخابات 2028 يُظهر مدى تصميم أردوغان على تحييد أي منافس قوي، وهو أسلوب سبق أن استخدمه النظام مع زعماء سياسيين آخرين، مثل صلاح الدين دميرتاش، زعيم حزب الشعوب الديمقراطي، الذي لا يزال يقبع في السجن منذ سنوات بتهم ملفقة تتعلق بالإرهاب.

هذه الحملة القمعية ضد المعارضة لا تهدف فقط إلى القضاء على الخصوم السياسيين، بل تسعى إلى إرسال رسالة واضحة للمجتمع التركي مفادها أن أي تحدّ لسلطة أردوغان سيواجه بعواقب قاسية. وهذا ما يثير مخاوف بشأن تلاشي أي فرص حقيقية لانتخابات نزيهة مستقبلاً.

 

ثانيًا: تصاعد القمع ضد الناشطين والإعلاميين المعارضين

لا تقتصر سياسة التضييق التي ينتهجها أردوغان على السياسيين فقط، بل تمتد إلى الصحفيين والناشطين الذين ينتقدون الحكومة. فمنذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، استخدم النظام التركي حالة الطوارئ كذريعة لشن حملة تطهير واسعة في مختلف القطاعات، استهدفت آلاف الصحفيين والأساتذة الجامعيين والحقوقيين.

خلال السنوات الأخيرة، تفاقمت حملة القمع، حيث أُغلقت العديد من الصحف المستقلة، وتم حظر قنوات تلفزيونية، كما تعرض العديد من الصحفيين للسجن بتهم "إهانة الرئيس" أو "نشر أخبار كاذبة تهدد الأمن القومي". هذا بالإضافة إلى استخدام التكنولوجيا في فرض رقابة صارمة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم اعتقال الأفراد بسبب منشورات على تويتر وفيسبوك تنتقد سياسات الحكومة.

هذه البيئة القمعية تسهم في خلق مناخ من الخوف، حيث يُحجم المواطنون عن التعبير عن آرائهم بحرية، مما يؤدي إلى تجريف المجال العام وإضعاف أي محاولة لتنظيم معارضة فعالة.

 

ثالثًا: مستقبل تركيا الجيوسياسي في ظل التوجهات السلطوية

إلى جانب القمع الداخلي، تشهد السياسة الخارجية التركية تحولات كبرى، حيث يبدو أن أنقرة تتجه نحو تحالفات جديدة قد تضعها في مواجهة الغرب. فبعد أن كانت تركيا تسعى لعضوية الاتحاد الأوروبي، أصبح هذا الهدف شبه مستحيل بسبب سجلها في انتهاكات حقوق الإنسان وتراجع الديمقراطية.

في المقابل، عزز أردوغان علاقاته مع موسكو وبكين، وهو ما يعكس توجهاً نحو نموذج سياسي أكثر استبدادًا على غرار الأنظمة الحاكمة في روسيا والصين. ومن جهة أخرى، تحاول تركيا تعزيز نفوذها الإقليمي عبر التدخلات العسكرية في سوريا وليبيا وأذربيجان، وهو ما يزيد من تعقيد علاقاتها مع القوى الغربية.

هذه السياسة الخارجية القائمة على التحدي والمراوغة قد تؤدي إلى عزلة تركيا عن محيطها التقليدي، مما قد يؤثر على اقتصادها، الذي يعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الأجنبية والتجارة مع الاتحاد الأوروبي.

 

رابعًا: هل يعود نموذج التوريث السياسي؟ بلال أردوغان وريث محتمل؟

في ظل إحكام أردوغان قبضته على الحكم، بدأ الحديث يتصاعد عن احتمالية تمهيد الطريق لابنه بلال أردوغان ليكون خليفته. ورغم أن الدستور التركي لا يسمح بذلك رسميًا، إلا أن بعض المؤشرات تعزز هذه الفرضية.

بلال أردوغان، الذي يترأس منظمات وشركات كبرى، كان محورًا للعديد من الفضائح المتعلقة بالفساد، لكنه لا يزال يحظى بدعم والده، وقد يتم الدفع به إلى المشهد السياسي تدريجيًا من خلال تعيينات داخل الحزب الحاكم أو الحكومة.

إذا سعى أردوغان إلى توريث الحكم، فسيواجه تحديات كبرى، من بينها عدم وجود تأييد شعبي واسع لبلال، بالإضافة إلى إمكانية حدوث انقسامات داخل حزب العدالة والتنمية نفسه، حيث توجد شخصيات بارزة تسعى لتوسيع نفوذها. ومع ذلك، في ظل غياب معارضة قوية، يبقى هذا السيناريو محتملًا، خاصة إذا نجح النظام في تطويع القوانين لخدمة أجندته.

 

خامسًا: هل تركيا في طريقها إلى "النفق المظلم"؟

تُشير كل الدلائل إلى أن تركيا تتجه نحو نموذج حكم سلطوي، حيث يُستخدم القضاء كأداة لتصفية الخصوم، ويُخضع الإعلام لرقابة مشددة، ويتم تقويض أي شكل من أشكال الديمقراطية. هذه التحولات تثير تساؤلات جدية حول مستقبل تركيا، خاصة أن التجارب التاريخية تُظهر أن الأنظمة التي تعتمد على القمع للحفاظ على سلطتها تواجه في نهاية المطاف اضطرابات اجتماعية أو انهيارات داخلية.

إذا استمر هذا النهج، فقد تواجه تركيا سيناريوهات خطيرة، من بينها:

1. اضطرابات داخلية: مع تزايد القمع، قد تندلع احتجاجات واسعة، كما حدث في عام 2013 خلال احتجاجات "غيزي بارك".

2. عزلة دولية: استمرار الانتهاكات قد يؤدي إلى فرض عقوبات غربية، مما سيؤثر على الاقتصاد التركي.

3. انشقاقات داخل النظام: قد يؤدي تعاظم السلطة في يد أردوغان وعائلته إلى انشقاقات داخل حزب العدالة والتنمية، مما قد يضعف قبضته على الحكم.

ورغم كل هذه المخاطر، فإن مصير تركيا لا يزال مرهونًا بمدى قدرة المعارضة على إعادة ترتيب صفوفها، وبمدى استعداد الشعب التركي لمواجهة هذا الانحدار الديمقراطي.

 

خاتمة: تركيا أمام مفترق طرق تاريخي

في ظل التحولات السياسية الحالية، تبدو تركيا على وشك الدخول في مرحلة جديدة من الحكم المطلق، حيث يتم تحييد كل أشكال المعارضة، وتقليص الحريات، وتعزيز حكم الفرد الواحد. هذا الواقع يطرح تحديات كبرى أمام الشعب التركي والمجتمع الدولي، فإما أن تنجح القوى الديمقراطية في مواجهة هذه التوجهات، أو أن تسير البلاد نحو نموذج استبدادي قد يستمر لعقود.

الأسئلة التي تطرح نفسها الآن: هل تستطيع تركيا العودة إلى المسار الديمقراطي؟ أم أن حكم أردوغان سيستمر حتى بعد رحيله من خلال مشروع توريث السلطة؟ وما الثمن الذي سيدفعه الشعب التركي مقابل هذه التحولات؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستتضح في السنوات القادمة، لكنها حتمًا ستحدد ملامح تركيا المستقبل.


24/03/2025