*د.محمد نورالدين
يمكن اعتبار اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، فجر الخميس، الحدث السياسي الأبرز في عهد «حزب العدالة والتنمية»، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في الـ15 من تموز 2016. ذلك أن إمام أوغلو ليس زعيماً هامشيّاً أو عاديّاً، بل الأكثر قوّة في صفوف المعارضة لمنافسة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، الذي في ذروة سيطرته على السلطة، كان إمام أوغلو يَخترق أهمّ حصن لحزبه، «العدالة والتنمية»، وهو بلدية إسطنبول، عندما فاز عام 2019 فيها.
وبعدما انتصر زعيم الحزب الحاكم، في انتخابات عام 2023، ظنَّ أن استعادة «البلدية الكبرى»، في الانتخابات التي جرت قبل عام واحد، من إمام أوغلو، ستكون لقمة سائغة.
لكن المفاجأة كانت بتحقيق هذا الأخير أكبر انتصار في تاريخه ضدّ مرشّح السلطة، مراد قوروم، وبفارق كبير بلغ 12 نقطة (51% مقابل 39%)، أو ما يقارب المليون صوت.
وبدا مفاجئاً بالفعل، قرار الرئيس التركي، التحرُّك، منذ الآن، لمواجهة خصمه، رغم أنه لا تزال هناك ثلاث سنوات (أيار 2028) حتى موعد الاستحقاق الرئاسي. ومثلما فعل عشيّة انتخابات 2023، وقطع الطريق على «منافسه»، عبر فبركة تهمة تحقير «اللجنة العليا للانتخابات» عام 2019، ها هو يكرّر المحاولة مجدّداً. وهذه المرّة، لم يترك رئيس الجمهورية القضاء يأخذ مجراه، احتراماً للقاعدة الشعبية التي انتخبت إمام أوغلو، بل ذهب مباشرة إلى الأمر، عبر القضاء نفسه، باعتقال الرجل، وبتهمة كبيرة: الفساد، وبتهم أغرب وأكبر، وهي أنه تحوّل إلى رئيس «منظمة إرهابية» تدعم «حزب العمال الكردستاني».
لم يَعُد مجرّد صراع سياسي
على أن ذلك لم يَعُد مجرّد صراع سياسي تُستخدم فيه الأسلحة المشروعة ديموقراطيّاً، بل محاولة إعدام سياسية تطال إمام أوغلو وكل الحياة السياسية في تركيا، ولا ينقصها سوى تقديم الرجل إلى مقصلة الإعدام في عملية مقلوبة: أي إن الحاكم يعدم زعيم المعارضة، بدلاً من أن يتقدّم الجيش - كما فعل مع رئيس الوزراء عدنان مندريس عام 1960 - ويشطبه من الحياة السياسية، بانقلاب أوصله إلى ساحة الإعدام. ولعلّ السبب الرئيسي الذي يدعو إردوغان إلى ما تقدّم، خوفه من أن تجرف شعبية إمام أوغلو، الأرض تحت قدميه، خصوصاً أن الأرضية الاقتصادية التي يقف عليها الرئيس وحزبه، هشّة جدّاً لجهة الانهيار الاقتصادي والتضخّم (82%) وانهيار القدرة الشرائية للمواطن.
ليس حدثاً عاديّاً
ومن هنا، فإن اعتقال شخصية سياسية بحجم رئيس بلدية إسطنبول، بتهم واهية وضعيفة، ليس حدثاً عاديّاً، وهو ما استدعى نداء التحشيد الذي أطلقه زعيم «حزب الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، للنزول إلى الشارع الأحد المقبل، والتصويت في انتخابات الحزب التمهيدية لـ«رئيسنا المقبل أكرم إمام أوغلو»، و«دفاعاً عن الديموقراطية».
وليس مستبعداً أن تؤثّر تلك الخطوة المستغربة والمستعجلة من قِبَل إردوغان، على مسارين: أولهما، عملية حلّ المشكلة الكردية، حيث ستتصاعد الشكوك حيال نوايا الرئيس التركي؛ وثانيهما، محاولة إردوغان تعديل الدستور ليتمكّن من الترشّح لولاية رئاسية جديدة. وفيما اكتفت الصحف الموالية بإبراز خبر اعتقال إمام أوغلو، كان إردوغان يدلي بتعليقه الأول على الحدث، مساء أمس، حين قال إن "المعارضة لا تردّ على مزاعم الفساد، وبدلاً من ذلك تخدع الناس بشعارات سياسية"، معتبراً أنها تسعى إلى "التغطية على أخطاء داخلية بأخطاء أكبر"، لكنه أشار إلى أنه "لا وقت لدينا كحزب أو تحالف أو حكومة لنضيعه على مسرحيات المعارضة".
وكان برز من بين التعليقات على خطوة السلطة ما جاء على لسان زعيم «الحزب الجيد»، مساوات درويش أوغلو، الذي قال إن اعتقال رئيس بلدية إسطنبول «أمرٌ لا يمكن أن يصدّقه عقل»، معتبراً أن «تركيا، منذ اليوم، بلد معلّق فيه القانون والديموقراطية. وكما كان يُكتَب عن الانقلابات في التاريخ، سيُكتب عمَّا حدث لإمام أوغلو». وأضاف: «إردوغان لن تكفيه قوّة لإخافة الشعب وإسكاته.
جرم دستوري
ما جرى جرم دستوري من قِبَل إردوغان، وعلى القضاء أن يتحرّك لمواجهة هذا الاستبداد بحقّ أمّتنا». ورأى درويش أوغلو أن «نهاية ما يجري، ستكون شبيهة بنهاية الوحوش في المسلسلات»، داعياً إلى وضع حدّ لاستبداد إردوغان، وتلاعبه بالدستور، ومنع محاولاته الترشّح من جديد للرئاسة.
انقلاب لقطع الطريق أمام إنشاء نظام جديد
ومن جهته، وصف الكاتب محمد علي غولر، في «جمهورييات»، اعتقال إمام أوغلو بأنه «انقلاب لقطع الطريق أمام إنشاء نظام جديد»، محذّراً من تحالف جديد يضمّ إردوغان وباهتشلي وأوجالان، يقتضي تقديم بعض التنازلات للأخير في مقابل «تأبيد حكمه». وقال الكاتب إن «المعارضة تدفع فاتورة النظر إلى حزب العدالة والتنمية على أنه حزب عادي أو طبيعي، فيما هو حزب استبدادي. كل شيء يتوقّف الآن على طريقة إدارة المعارضة للمرحلة بطريقة سليمة». ورأى إبراهيم كيراس، بدوره، في «قرار»، أن «السلطة، وبدلاً من معالجة المشكلات الاقتصادية، تلجأ إلى هندسات سياسية ترتدّ نتائجها عليها»، معتبراً أن رفع شعارات «فلسطين وسوريا والمسيرات، لا يكفي لكسب الكتلة المتضرّرة اقتصاديّاً، إذ من دون حلّ هذه المشكلات، سيكون من الخيال توقُّع الفوز في الانتخابات الرئاسية».
وفي رأي مصطفى قره علي أوغلو، فإنه «كما دفع إردوغان ثمن قرارات العسكر في 28 شباط 1998 سجناً وإقالةً من رئاسة بلدية إسطنبول، ليعود بعدها زعيماً، يتكرّر السيناريو نفسه اليوم باعتقال إمام أغلو»، الذي وإن كان «يعيش أصعب أيام حياته، ولكنه في الوقت نفسه، وفي ظلّ هذا الاستبداد ضدّه، يشهد الانطلاقة الأكبر في حياته السياسية».
وفي الاتجاه نفسه، ذكّر أحمد طاش غيتيرين بأن «ما يُفعل بإمام أوغلو، حصل مع رئيس الأركان السابق إيلكير باشبوغ عام 2010، حيث اعتُقل بعد 17 شهراً من تقاعده، وبالتهمة نفسها: تزعُّم منظّمة إرهابية»، ولكنه «خرج بريئاً. هل كان القضاء حينها مستقلّاً؟ اليوم، الأمر نفسه يتكرّر.
باهتشلي يقول إن القضاء مستقلّ. هل هو فعلاً كذلك؟ ما حصل في إسطنبول من اعتقال رئيس بلديّتها، حصل قبلها في ديار بكر وماردين وفان وكل الجنوب الشرقي. وبعد 12 سنة من احتجاجات غيزي، يُعتقل إسماعيل صايماز بتهمة أنه من المحرّضين على الاحتجاجات في حينه. والآن، بات الحديث عمَّن سيخلف إمام أوغلو في بلدية إسطنبول. هل يعقل أن يتمّ تعيين شخص بدلاً من شخص منتخب في مدينة عدد سكانها 16 مليوناً؟ أمّا الأغرب، فأن يقال إن إمام أوغلو زعيم منظمة إرهابية. هل يعقل كل هذا؟ هل تعجبكم إسطنبول هذه أيها السادة؟».
إمام أوغلو و ثلاث رسائل
ومن سجنه، وجّه إمام أوغلو، بدوره، ثلاث رسائل، أولى إلى إردوغان اتّهمه فيها بأنه «اغتصب تطلّعات ثلاثة أجيال ومستقبل أبناء اليوم»، معتبراً «كل مَن شارك في هذا العمل، قذراً»؛ وثانية إلى جمهور «حزب العدالة والتنمية»، والذي دعاه إلى رفع صوته، لأن «الأمور تتجاوز حزباً معيّناً لتطال كل العائلات»؛ وثالثة إلى القضاء لكي «لا يبقى ساكتاً، ولينتفض على السلطة ويخدم الأمّة».
وفي هذا الوقت، سُجل تطوّر مهمّ لجهة التنافس حتى داخل «الشعب الجمهوري»، بعدما بادر رئيس بلدية أنقرة، منصور ياواش، الذي يُعتبر بدوره مرشّحاً محتملاً وقويّاً لمنافسة إمام أوغلو، إلى زيارة زوجه هذا الأخير، ديليك، في منزلها، وتصريحه بعد اللقاء الذي جمعه إليها، بأنه سيذهب إلى الانتخابات الداخلية التمهيدية، ويدلي بصوته لمصلحة إمام أوغلو.
التساؤلات عن موقف الكورد
وفي ظلّ التساؤلات عن موقف الكورد ممَّا يجري، لفتت زيارة تضامنية قامت بها رئيسة «حزب المساواة والديموقراطية للشعوب»، تولاي خاتم أوغوللاري، إلى مبنى بلدية إسطنبول، حيث التقت أوزيل، وأعلنت أن «الحزب، ورغم أنه يواصل محادثاته مع العدالة والتنمية والحركة القومية في شأن نداء عبد الله أوجالان، ولكنه لا يستطيع إلّا أن يقف إلى جانب الديموقراطية والقانون والعدالة وإرادة الإسطنبوليين الذين انتخبوا إمام أوغلو رئيساً للبلدية». ورأت أنه «لا يمكن الحديث عن السلام الاجتماعي من دون الديموقراطية»، فيما وصف بيان للجنة المركزية للحزب الكردي، اعتقال رئيس بلدية إسطنبول بأنه «انقلاب مدني»، مشدداً على أن «الحلّ الوحيد هو بالديموقراطية».
وفي الإطار نفسه، انتقد وزير التربية السابق، حسين تشيليك، الذي يُعتبر من مؤسّسي «العدالة والتنمية»، ما جرى لإمام أوغلو، قائلاً: «يجب ألّا ننسى أن الحزب الحاكم مرّ بطريق مشابه، حتى أصبح في السلطة».
الصحف الموالية
وفي المقابل، جنحت الصحف الموالية إلى تجاوز فعل الانقلاب السياسي الذي حصل باعتباره «واقعاً لا عودة عنه»، مقررةً أن «إمام أوغلو في طريقه إلى السجن بسبع تهم لن ينجو منها». وأسهبت تلك الصحف في الحديث عن مرحلة «ما بعد اعتقال إمام أوغلو»، إذ إن أحمد حاقان، في صحيفة «حرييات»، قال إنه «أمام حزب الشعب الجمهورية طريقان: إمّا أن يربط كل خطواته بمصير إمام أوغلو ويتّخذ الخطوات في ضوء ذلك، وإمّا أن يسلّم بالأمر الواقع ويبحث عن طريق جديد له».
لكن المفكر المعارض، إيمري كونغار، كتب في «جمهورييات»، أن «ما جرى هو «انقلاب مدني»، ولكنه ليس ابن لحظته، بل هو عملية ومسار. لذلك، إن ما ينتظرنا في المرحلة المقبلة طويل ومقلق»، في حين أشار أوزليم يوزاق، إلى أن «حزب العدالة والتنمية لم يَعُد بيده ليتّهم خصومه سوى أمرَين: التحريض على تحرُّك حديقة غيزي عام 2013، ودعم الإرهاب. والحزب بلغ هدفه المتمثل في ضرب رئيس بلدية إسطنبول التي فاز فيها إمام أوغلو، ليس مرتين، بل ثلاث، على مرشّح إردوغان».
بداية معركة رئاسة الجمهورية:
ويبدو أن الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، لا يزال، مستعداً لاستخدام كلّ الوسائل التي تبرّرها غايته السياسية، وآخرها قراره، أول أمس، تجريد رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، من الشهادة التي يحملها منذ 30 سنة من جامعة إسطنبول، ومن ثمّ فتْح القضاء، أمس، تحقيقاً في شبهات فساد ودعم للإرهاب داخل البلدية نفسها، ترافق مع تفتيش واعتقال 100 شخص، من بينهم إمام أوغلو نفسه.
كما اعتُقل رؤساء بلديات كبرى، من مثل شيشلي وبايليك دوزو، إلى جانب العديد من الصحافيين، من بينهم الصحافي المعروف إسماعيل صايماز. وممّا جاء في ردود الفعل الأولى، ما قاله إمام أوغلو عن أن «القرار غير قانوني»، وأنه بحكم «غير الموجود»، مضيفاً: «سأبقى واقفاً بثبات، وأمضي إلى الأمام مثل الأسود. أسلّم نفسي أمانةً إلى الأمّة»، فيما وصف زعيم «حزب الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، الخطوة بأنها «لطخة سوداء على جبين جامعة إسطنبول والديمقراطية في تركيا، وانقلاب سياسي لن نقبل به».
وإذا كان لا بدّ من وضع التطورات الأخيرة في سياقها، ينبغي التوقّف عند قصة إردوغان مع تعديل الدستور، والتي تعود إلى عام 2014، عندما أصبح رئيساً للجمهورية بطموحات كبيرة:
أولها، نقل الصلاحيات المهمّة من يد رئيس الحكومة إلى رئيس الجمهورية؛ وثانيها، التخطيط البعيد المدى ليستمرّ في منصبه رئيساً، عبر التحايل على الدستور.
وهكذا، طرح إردوغان للاستفتاء الشعبي، عام 2017، تعديلات دستورية واسعة تتيح له حصر جميع السلطات في يده، ما استدعى تالياً دعوته إلى انتخابات رئاسية مبكرة، في العام التالي (2018)، فاز فيها مجدّداً، مع فارق أنه اعتبر، هذه المرّة، أن انتخابات 2018 ليست ولاية ثانية بل أولى في ظلّ التعديل الدستوري الأخير، ما يعني منحه نفسه حقاً في الترشّح لولاية ثانية (ثالثة).
وسبقت كلّ ذلك انتخابات بلدية عام 2019، أظهرت إلى العلن شخصية جديدة في الحياة السياسية، هي أكرم إمام أوغلو الذي انتزع رئاسة البلدية من يد «حزب العدالة والتنمية» الذي ظلّ مسيطراً عليها منذ عام 1994، في حين فاز مرشح «الجمهوري»، منصور ياواش، برئاسة بلدية أنقرة، التي كانت بيد الحزب الحاكم، منذ عام 1994.
معركة انتخابية ظافرة وقوية
على هذا النحو، حظي إمام أوغلو بمعركة انتخابية ظافرة وقوية، أحدثت أثراً كبيراً على صورة «العدالة والتنمية»، وعلى إردوغان نفسه، إذ نُظر إلى الرجل باعتباره منافساً أولَ في مواجهة رئيس الجمهورية في انتخابات عام 2023، يمتلك حظوظاً عالية لإسقاطه.
وفيما أدرك إردوغان الموقف، فهو لم يجد صعوبة، في ظلّ سيطرته المطلقة على القضاء، في أن يفبرك لإمام أوغلو، قبل أشهر قليلة من انتخابات الرئاسة في ذلك العام، تهمة «احتقار» القضاء، على خلفية تصريح كان رئيس بلدية إسطنبول انتقد فيه اللجنة الانتخابية، عام 2019، فسارع القضاء إلى فتح ملف غبّ الطلب (لم يُغلق بعد) كان يمكن أن يفضي إلى منع إمام أوغلو من ممارسة العمل السياسي.
وحينها، قرّر «الشعب الجمهوري» ألّا يرشّح إمام أوغلو، خشية أن يُصار إلى إصدار القرار القضائي ضدّه عشية الانتخابات، وأن تفشل الحملة الانتخابية للحزب. وعلى هذه الخلفية، تقرَّر ترشيح رئيس الحزب في حينه، كمال كيليتشدار أوغلو، الذي خسر أمام إردوغان.
اردوغان امام معضلتَين
ومع أن الفرحة لم تسع الرئيس التركي الذي أُعيد انتخابه لمرة ثالثة، لكنه وجد نفسه أمام معضلتَين: الأولى، هزيمة حزبه للمرّة الأولى في الانتخابات البلدية التي جرت ربيع العام الماضي وحلوله في المركز الثاني بعد «حزب الشعب الجمهوري»؛ والثانية، استطلاعات الرأي التي لا تزال تمنح إمام أوغلو أو منصور ياواش أرجحيّة تصل إلى أربع نقاط، في مواجهة إردوغان، في حال حصلت الانتخابات اليوم، على الرغم من المكاسب التي حقّقها إردوغان على الصعيد الخارجي، ولا سيما سقوط نظام بشار الأسد في سوريا.
غير أن المعضلة الأبرز أمام إردوغان ظلّت في أنه لا يحقّ له الترشّح لانتخابات 2028، وفق الدستور الحالي. ولذا، هرعت ماكينة عمله بحثاً عن طريقة لتعديل الدستور بما يتيح للرجل الترشّح لولاية ثالثة، وفق حساباته. لكن ذلك يتطلّب تعديلاً دستورياً في البرلمان بنسبة الثلثين (400 من 600 نائب)، أو تقديم مشروع استفتاء يحظى بتأييد ثلاثة أخماس (360) أعضاء البرلمان.
وفي الحالتَين، لا يمتلك «حزب العدالة والتنمية»، مع شريكه «حزب الحركة القومية» وآخرين، العدد الكافي من الأصوات، في حين تبدّى فجأة، بعد نتائج الانتخابات البلدية، أن الطريق إلى تلك الغاية قد تمرّ عبر كسْب أصوات «حزب المساواة والشعوب» الكردي، الذي يمتلك 57 نائباً، وهو عدد يكفي لتعديل الدستور في البرلمان.
ومن هنا تحديداً، جاءت مبادرة زعيم «الحركة القومية»، دولت باهتشلي، وبإيعاز من إردوغان، في الأول من تشرين الأول الماضي، والتي دعا فيها زعيم «حزب العمال الكردستاني» المعتقل، عبدالله أوجالان، إلى أن يوجّه نداءً إلى حزبه، لحلّ نفسه والتخلّي عن العمل المسلّح، وهو ما حصل في الـ27 من شباط الماضي.
دعم الكرد..النقطة الأهمّ بالنسبة إلى إردوغان
ولعلّ النقطة الأهمّ بالنسبة إلى إردوغان، هي نيل دعم نواب «حزب المساواة والديمقراطية» لتعديل الدستور، إذ يعتقد بأن تأييد النواب الكورد مضمون في حال قدَّم بعض التنازلات لهم، ولا سيما على الصعيد الثقافي واستخدام اللغة في التعليم. لكن، ما الثمن الذي سيقبل به الكورد مقابل تأييد تعديل الدستور وإتاحة المجال أمام إردوغان (71 عاماً) للترشُّح مرّة ثالثة ورابعة وخامسة؟
وإلى المسار الدستوري، يدرك إردوغان أن حربه الحقيقية، ولو تمّ تعديل الدستور لصالحه، ستكون في مواجهة أكرم إمام أوغلو الذي أعلن نيّته الترشُّح منذ الآن لرئاسة الجمهورية، وبدأ حملاته قبل أسابيع، فيما تمنحه استطلاعات الرأي أفضلية واضحة على إردوغان. ومما يعزز من هذا الهاجس، أن الرئيس التركي لم يستطع بعد أن يجيّر «الانتصار» السوري لصالحه، نظراً إلى أن هموم المواطن لا تزال تقع في السلّة الغذائية والضرائب والتضخّم وانهيار القدرة الشرائية لليرة.
ومن هنا، تُفهم معركة إردوغان الجديدة مع إمام أوغلو، والتي بدأت حين فتح القضاء ملف الشهادة الجامعية التي يحملها الأخير، واعتبر انتقاله من جامعة في شمال قبرص إلى كلية التجارة في جامعة إسطنبول عام 1990، «غير قانوني وتعتريه أخطاء واضحة، والشهادة بحكم غير الموجودة».
وإذ جُرّد إمام أوغلو من الشهادة، فإن القضاء لم يكتف بذلك، بل فتح تحقيقاً، أمس، بحقّ الرجل وأفراد آخرين في البلدية وبعض وسائل الإعلام، ليبدو الأخير أمام احتمالَين:
الأول هو رفض ترشيحه لرئاسة الجمهورية لأنه جُرّد من شهادته الجامعية وهو شرط لمن يريد الترشّح للرئاسة، وبالتالي شطبه من قائمة المنافسين لإردوغان؛ والثاني هو عزله - بقرار من وزير الداخلية - من رئاسة بلدية إسطنبول بتهم الفساد ودعم منظمات الجريمة، وبالتالي تعيين شخص موال للسلطة، يكون عادة المحافظ، بدلاً منه.
وفي الحالَتين، يشكّل ما حصل انقلاباً سياسياً في وضح النهار على إحدى أبرز الشخصيات السياسية في تركيا. انقلاب قد لا يقتصر على إمام أوغلو، وليس موجّهاً فقط ضدّه، بل أيضاً ضدّ «حزب الشعب الجمهوري» وبقية أطياف المعارضة، وهو ما قد تترتّب عليه تداعيات كثيرة، فيما السؤال الرئيسي الآن عمّا إذا كان النواب الكورد سيقبلون بهذا الانقلاب وبالتهم نفسها، في مرحلة نداء أوجالان؟