×

  کل الاخبار

  سوريا.. «تأميم» الهوية الوطنية و «التذاكي» على التعددية



*شورش خاني

 

*المركز الكردي للدراسات

في سياق الدول المأزومة بنيوياً، التي تشهد تحوّلات سياسية سطحية دون تغييرات جوهرية في البنية السلطوية، يبرز النموذج السوري كنموذج صارخ على التناقض بين الادعاء بالتكنوقراطية والممارسة السلطوية الإقصائية. فعلى الرغم من التكرار الرسمي لمفردات «الدولة المدنية»، و«الكفاءة»، و«إعادة البناء المؤسساتي»، فإن الواقع العملي يشير إلى استمرار نمط من الحكم قائم على احتكار القرار السياسي، وتهميش التنوّع الاجتماعي، والثقافي، والقومي، تحت ذرائع تتراوح بين الحفاظ على السيادة أو تأمين الاستقرار.

تُشكّل قراءة الحالة السورية من خلال نظرية العقد الاجتماعي (في صيغتها النقدية المعكوسة) مدخلاً لفهم تفكك العلاقة التمثيلية بين الدولة والمجتمع. فالعقد الاجتماعي، وفق تصوّرات لوك وروسو، يفترض أن الدولة تنشأ بوصفها أداة تمثيلية لإرادة عامة قائمة على التعدّد، والمساواة، وحق المشاركة للجميع دون استثناء. غير أن الدولة السورية المعاصرة (والتي هي قيد التشكيل)، في بنيتها المركزية، تمارس نقضاً بنيوياً لهذا العقد من خلال تقويض مبادئ المشاركة، وتحويل مفهوم «الإرادة العامة» إلى «الإرادة الوطنية» التي تُستخدم كأداة أيديولوجية لتبرير الإقصاء.

يتجلّى ذلك بوضوح في الطبيعة الصورية للتكنوقراطية المزعومة. فعلى الرغم من أن التعيينات الحكومية والإدارية تُصاغ تحت عناوين «الكفاءة والخبرة»، إلا أن التوزيع الفعلي للمناصب، وخصوصاً في الوزارات السيادية (كالداخلية، والدفاع، والإعلام، والأوقاف، والخارجية)، يكشف عن تحكّم أيديولوجي-أمني-طائفي يستبعد الكفاءات الحقيقية لصالح الولاءات السياسية والدينية. هذا النمط من الانتقاء لا يخالف فقط مبدأ الكفاءة التكنوقراطية، بل يعمّق التمييز المؤسسي ضد المكونات الثقافية والعرقية والدينية غير المنضوية تحت عباءة السلطة المركزية.

ويُعدّ هذا النمط من الهيمنة المبطّنة تعبيراً حياً عما صاغه أنطونيو غرامشي في نظريته حول الهيمنة الثقافية، والتي يرى فيها أن السلطة لا تعتمد فقط على القهر المادي، بل على فرض أيديولوجيا مهيمنة تجعل التصورات السلطوية عن الهوية، والدين، والوطن، والتاريخ، تبدو «طبيعية» وغير قابلة للنقاش والحوار. فالدولة السورية، عبر سيطرتها على أدوات الإنتاج الرمزي (المناهج، والإعلام، والخطاب الديني الرسمي)، تمارس إعادة إنتاج لخطاب أحادي يعادي التعدّدية الثقافية، ويحوّل التنوّع المجتمعي من مصدر لبناء التعايش، إلى تهديد محتمل يجب إدارته أو تحييده، أو محاولة تجاوزه بحركات سياسية صورية مكشوفة.

إن ما نشهده ليس فحسب إقصاءً سياسياً، بل تأميم رمزي للهوية الوطنية، حيث يُعاد تعريف «الوطني» وفق محددات دينية، أو طائفية، أو لغوية ضيّقة، تُقصى منها المكونات الكردية، والسريانية، والآشورية، وحتى بعض المكونات الإسلامية غير المنخرطة في الخط السلطوي، بحجج تتعلّق غالباً بـ«الانفصال»، أو «العمالة»، أو «التطرف». هذا الإقصاء يتّخذ طابعاً مؤسسياً، إذ لا تُمنح هذه المكونات فرصاً حقيقية للتمثيل في القرار السياسي، ولا في رسم السياسات التعليمية والثقافية، بل يُعاد حشرها في هامش «الاعتراف السلبي»؛ أي الاعتراف بوجودها دون منحها أي حصة من السيادة الثقافية.

وبذلك، تتحوّل الدولة من كيان تعاقدي جامع إلى أداة تحكّم فوقية، تمارس وظيفة أيديولوجية مزدوجة: تأبيد السلطة من جهة، وإعادة إنتاج ثقافة الإقصاء من جهة ثانية. وتصبح «التكنوقراطية» هنا مجرّد قناع يُرتدى لتلميع صورة السلطة أمام الخارج، بينما تُستخدم داخلياً لفرز المجتمع بناءً على الولاء السياسي والديني، لا على الكفاءة أو المواطنة المتساوية.

إن فشل النظام السياسي السوري في استيعاب التنوّع المجتمعي ضمن عقد اجتماعي جديد قائم على المساواة الفعلية والتمثيل العادل، لا يهدد فقط شرعية الدولة، بل يقوّض إمكانية بناء مستقبل مستقر.

 إذ لا يمكن لأيّ نظام يدّعي المدنية أن يستمر في احتكار تعريف الهوية الوطنية، أو في تهميش مجتمعات بأكملها كانت، ولا تزال، من صناع الثقافة السورية ومكونات نسيجها الاجتماعي. وهذا ما يهدد سلامة المجتمع والدولة السورية.

إن تجاوز هذه الأزمة لا يتطلب فقط تغيير الوجوه أو إدخال بعض الكفاءات «الوظيفية» ضمن بنية السلطة، بل يفترض تفكيك البنية الأيديولوجية للهيمنة، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس الاعتراف، والمساواة، والتعدد، والتمثيل الحقيقي.

فالجمهورية، في معناها الأوسع، لا تُبنى على الولاء، بل على القدرة على تمثيل كل مواطنيها باعتبارهم شركاء في السيادة، لا مجرد رعايا خاضعين.

إن ما تفعله القيادة السياسية والأمنية خلال فترتها «الانتقالية» يجعل البلاد هشّة، وستعاني من جفاف سياسي ومؤسساتي، يجعلها سهلة الاحتراق في ظل الفوضى وعدم الاستقرار الإقليمي.


06/04/2025