*بارزان الشيخ عثمان
في السادس من نيسان/أبريل 2005، دخل العراق مرحلة جديدة من تاريخه السياسي الحديث، حيث انتُخب الرئيس جلال طالباني كأول رئيس منتخب لجمهورية العراق بعد سقوط النظام السابق، في حدث لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل محطة فاصلة تجسدت فيها قيم التعددية والتسامح والانفتاح.
لم يكن انتخاب مام جلال حدثا عابرا، بل كان تتويجًا لمسيرة سياسية طويلة لرجل عُرف بحكمته ودهائه الدبلوماسي، وشخصيته التي تحظى بالاحترام على المستويين المحلي والدولي. فقد مثّل الرئيس طالباني نموذجا للرئيس الذي يجمع ولا يفرّق، ويوحد ولا يقصي، ويقود برؤية تتجاوز الحسابات الضيقة والانتماءات المذهبية والقومية.
الرئاسة العراقية، التي نصّ الدستور على كونها منصبًا تشريفيًا بروتوكوليا، تحوّلت في عهد طالباني إلى مركز ثقل سياسي فاعل، وصوت حكيم يُحتكم إليه في لحظات الانقسام والتأزّم، فقد استطاع من خلال كاريزمته وثقله السياسي أن يمنح المنصب بعدًا وطنيًا شاملاً، فباتت الرئاسة ملتقى للقوى السياسية ومظلة جامعة للمكوّنات العراقية كافة.
وفي قطيعة واضحة مع ممارسات الأنظمة السابقة التي كانت تُوظف الرئاسة كأداة قمعية، حوّل مام جلال قصري السلام والجمهورية، بل حتى مكتبه ومنزله في الجادرية، إلى فضاءات مفتوحة للحوار السياسي والاجتماعي،و لم يُقصِ أحدًا، ولم يُغلق الأبواب في وجه المختلفين، بل جعل من الرئاسة منصة لتقريب وجهات النظر، وجسرًا للتواصل الوطني.
لقد أعاد طالباني الاعتبار لمفهوم القيادة السياسية، مستندا إلى تاريخه النضالي الممتد لستة عقود، حيث ظلّ صوتا مدافعًا عن حقوق الإنسان، والحريات العامة، والعدالة الاجتماعية. حمل هموم المواطن البسيط، وعمل على ترسيخ قيم التعايش والوئام الوطني في بلد أنهكته الصراعات والانقسامات.
إن تجربة مام جلال في سدة الرئاسة تمثل صفحة مشرقة في تاريخ العراق السياسي، وفترة ذهبية يشعر فيها المواطن، في أي بقعة من الوطن، أن له رئيسًا يسهر على مصالحه، ويطمح إلى بناء عراق ديمقراطي اتحادي، موحد، ومستقل، تسوده السيادة والكرامة والعدالة.