لماذا لم يكن ينبغي لأحد أن يتوقع تراجع ترمب؟
*مجلة "فورين أفيرز" الامريكية
بسبب ازدرائه للحلفاء وموقفه العدائي تجاه الهجرة، غالبا ما يصف المحللون والمعلقون أسلوب قيادة الرئيس الامريكي دونالد ترمب بأنه ارتداد إلى النزعة الانعزالية التي طبعت الولايات المتحدة في القرن الـ 19، وهو طرح صحيح جزئيا، فسياسة ترمب للأمن القومي ليست جديدة في جوهرها وتركيزها، بل تستحضر نهج عدد من رؤساء الولايات المتحدة الأوائل، بمن فيهم جيمس مونرو وأندرو جاكسون وجيمس بولك وويليام ماكينلي، وفي مطلع القرن الـ 20 ثيودور روزفلت، ولكن لم يكن أي من هؤلاء الرؤساء انعزاليا وكذلك ترمب، وأوجه التشابه إن وُجدت فهي من نوع مختلف، وتتعلق أكثر بتعظيم النفوذ الامريكي لا بتقليص دور الولايات المتحدة في العالم.
إن النظر إلى ترمب من زاوية تاريخية قد يخفف شيئا من قلق الذين يرون سياسته الخارجية صادمة وغير مسبوقة، فهو يذكر بأن الولايات المتحدة عبر تاريخها كانت دائما جريئة ومندفعة على الساحة الدولية، وقد يكون ذلك مفيدا عندما تكون حازمة في الدفاع عن مصالحها وحلفائها، لكنه كثيرا ما قادها أيضا إلى متاعب كبيرة، عندما ينسى الامريكيون أنهم يميلون أصلا إلى استخدام القوة ويحاولون إقناع أنفسهم بأنهم شعب مسالم.
كثيرا ما تدخلت الولايات المتحدة في الشؤون الدولية منذ أيامها الأولى، فخاضت حربا غير معلنة مع فرنسا وقراصنتها المدعومين في منطقة الكاريبي بين عامي 1798 و1800، وواجهت قراصنة البربر في البحر الأبيض المتوسط بين عامي 1801 و1815، وخلال القرن الـ 19 عملت على توسيع حدودها الإقليمية وزادت من نشاطها في المحيط الهادئ وآسيا، وبعد بضع حروب برية، وتعزيز أكثر جدية لأسطولها البحري، دخلت الولايات المتحدة مع مطلع القرن الـ 20 نادي القوى العظمى عن قصد وبقرار مقصود، وبدأت تقيس حجم أسطولها وقدراتها مقارنة بالقوى الكبرى الأخرى، وعلى رغم محاولات واشنطن النأي بنفسها عن الحروب الأوروبية لكنها انجرت إلى الحرب العالمية الأولى عام 1917، والفترة الوحيدة التي يمكن القول إن الولايات المتحدة حاولت فيها حقا تبني شكل من أشكال العزلة كانت خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الـ 20 حين فككت معظم قدراتها العسكرية وانفصلت عن الشؤون العالمية.
وصحيح أن الإستراتيجية الامريكية الكبرى ربما مالت نحو الانعزالية خلال تلك المرحلة، إلا أن إستراتيجية الدفاع الامريكية استمرت في التطور مع ظهور مفاهيم وتقنيات جديدة لحروب حاملات الطائرات والقتال الجوي والهجمات البرمائية، ومع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية تبين أن تلك التطورات كانت حاسمة، وبمجرد انتهاء الحرب وبدء سقوط الستار الحديدي، أصبح أنصار الانعزالية الامريكية نادرين، وظلوا كذلك.
وعلى غرار معظم أسلافه أظهر ترمب نفسه سياسيا فاعلا على الساحة الدولية لا رئيسا انعزاليا، فمنذ توليه منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025 ادعى أنه أنهى ثمانية نزاعات عالمية، وانضم لجهود حثيثة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وأعاد تأكيد التزامه بـ "الناتو" خلال قمة الحلف عام 2025، ونفذ ضربة جوية محدودة لكنها بالغة الأهمية على مواقع نووية إيرانية، وعزز بصورة متواضعة لكنها حقيقية القدرات العسكرية الامريكية، وفي الآونة الأخيرة أسر رئيس فنزويلا وانتهج سياسة مؤسفة قائمة على استخدام القوة المميتة ضد مشتبهين بتهريب المخدرات في المياه الفنزويلية ومحيطها، وبذلك يشكل تعظيم القوة الامريكية جوهر سياسته للأمن القومي بما يوازي المثل التوسعية في القرن الـ 19، والطموحات البحرية والصناعية في أوائل القرن الـ 20.
إن تعزيز القوة الامريكية ليس أمرا سيئا في حد ذاته لكنه لا يكفي لبناء عالم يسوده السلام أو لحماية الولايات المتحدة في عالم اليوم، ومجرد وجود سوابق تاريخية لسياسات ترمب في مجال الأمن القومي لا يعني بالضرورة نجاحها، فما نجح في القرن الـ 19 قد لا يكون فعالا في القرن الـ 21، وعلاوة على ذلك، وعلى رغم سجل امريكي قوي إجمالا، فقد ارتكب صناع السياسة في الولايات المتحدة أخطاء جسيمة عند وضع إستراتيجيات الأمن القومي على امتداد تاريخ الجمهورية، فعلى رغم ما فعله كثير من الرؤساء الأوائل لبناء الولايات المتحدة، فإنهم فشلوا في إرساء سياسة أمن قومي مستدامة تحول دون اندلاع الحربين العالميتين، وعلى رغم أن ترمب لم يفكك، لحسن الحظ، أية تحالفات امريكية حتى الآن، فإن سياساته القومية، بما فيها الرسوم الجمركية، قد قوضت الشعور بالمصير المشترك الذي ربط العالم الغربي طوال 80 عاما، والذي حال دون اندلاع حرب عالمية ثالثة، في الأقل حتى الآن.
تجسيد القدر المحتوم
كان تاريخ السياسة الخارجية والإستراتيجية الدفاعية في الولايات المتحدة إلى حد كبير تاريخ تأكيد للقوة وفرضها، فعلى مدى 101 عام بعد تنصيب جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة عام 1789، وحتى معركة "ووندد ني" Wounded Knee التي أنهت فعليا المعارك المسلحة مع السكان الأصليين عام 1890، انتهجت الولايات المتحدة إستراتيجية قائمة على التوسع، محولة ما كان مجرد رقعة ضيقة من البلاد على ساحل المحيط الأطلسي إلى قوة قارية كبرى، وكانت تلك القوات المؤلفة من مزيج من القوات الفيدرالية والميليشيات صغيرة الحجم في الغالب، إذ لم يكن عددها يتجاوز في أفضل الأحوال عشرات الآلاف، باستثناء فترة الحرب الأهلية، لكن ذلك لم يكن نابعا من نزعة مسالمة أو انعزالية، بل لأن الولايات المتحددة ببساطة لم تكن بحاجة إلى قوة أكبر، وكانت هذه القوات الصغيرة شديدة الكفاءة والقسوة في أساليب عملها، وخاضت مئات المعارك الرابحة ضد قبائل السكان الأصليين، غالبا باستخدام أساليب فرق تسد، إضافة إلى حرب ضد المكسيك بين عامي 1846 و1848.
وفيما كانت الأمة تنمو فقد نمت معها ثقة الولايات المتحدة بنفسها، ففي عام 1803 أبرم الرئيس الامريكي توماس جيفرسون معاهدة صلح مع فرنسا اشترى فيها ما شكل لاحقا نحو ثلث مساحة الولايات المتحدة القارية، في ما عُرف بصفقة شراء لويزيانا، وقد استغرق ترسيخ السيطرة على تلك الأراضي عقودا عدة، ولكن بحلول عام 1812 كانت الولايات قد أصبحت جريئة بما يكفي لإعلان الحرب على بريطانيا العظمى، وكانت لدى واشنطن مظالم مشروعة ضد البريطانيين وأبرزها مسألة تجنيد البحارة الامريكيين قسرا على متن السفن البريطانية، غير أن استعداد دولة فتية لمواجهة القوة البحرية المهيمنة في العالم آنذاك بسبب هذه القضية، يكشف كثيرا من طابعها الإستراتيجي وحزمها، وينطبق الأمر نفسه على موقف الولايات المتحدة من مستعمرة كندا البريطانية التي حاولت واشنطن استمالتها للانضمام إلى القتال إلى جانبها، ملوحة بفكرة التوسع شمالا، ولكن تبين في النهاية أن هذه المحاولة كانت طموحة عسكريا إلى حد يفوق الإمكانات.
ثم جاءت "عقيدة مونرو" عام 1823 التي حذرت أوروبا من التدخل في نصف الكرة الغربي، أما ادعاء الولايات المتحدة التي كانت لا تزال آنذاك في الغالب دولة في مرحلة ما قبل الصناعة وضعيفة عسكريا، بالحق الحصري في الإشراف على الجغرافيا السياسية في الامريكيتين، فكان استعراضا مذهلا لجرأة صادمة، وعلى رغم أن الآثار العملية لهذه العقيدة كانت محدودة لكنها كشفت عن روحٍ وطموحٍ امريكيين يتعذر انسجامهما مع مفهومي الانعزالية أو تقليص الدخول إلى الحد الأدنى [وبتعبير آخر الانكفاء الإستراتيجي].
على مدى العقود القليلة التالية واصلت الولايات المتحدة ترسيخ وتوسيع سيطرتها على الأراضي الغربية، بما في ذلك عبر "طريق الدموع" السيئ الصيت الذي جرى خلاله ترحيل قسري لكثير من السكان الأصليين الباقين في الثلث الشرقي من البلاد إلى وسطها، وذلك خلال عهدي الرئيسين أندرو جاكسون ومارتن فان بورين، ثم بين عامي 1846 و1848 اندلعت الحرب الامريكية - المكسيكية التي تُعد على الأرجح أكبر وأجرأ عملية استيلاء على الأراضي في التاريخ الامريكي، حتى وإن جرى تزيينها بمفهوم "القدر المحتوم"، فما بدأ كنزاعٍ إقليمي محدود دفع الكونغرس إلى إعلان الحرب على المكسيك، وبعد أن استولت الولايات المتحدة على مدينة مكسيكو طالبت الولايات المتحدة في اتفاق السلام اللاحق بمساحات شاسعة من الأراضي التي تشكل اليوم جنوب غربي الولايات المتحدة، بما في ذلك كاليفورنيا، ولم يكن في الحرب أو في اتفاق السلام الذي أنهاها أي شيء يمكن وصفه بالنزعة الانعزالية أو الدفاعية.
إلى أبعد مدى
بحلول عام 1890 أصبحت الولايات المتحدة قوة قارية ثم بدأت تشق طريقها لتصبح قوة عظمى، وبالتأكيد واصلت واشنطن محاولة تجنب الحروب البرية في أوروبا فأبقت جيشها صغيرا نسبيا، لكنه كان كبيرا بما يكفي لهزيمة إسبانيا في الحرب الإسبانية - الامريكية عام 1898 والتي أسفرت عن بسط السيطرة على كوبا وغوام وبورتوريكو والفيليبين.
وعلى رغم ضمها للفيليبين لكن واشنطن لم تدخل في سياسة توسع إمبريالي إقليمي واسع النطاق، لكن أسطولها البحري كان يطور قدرته على المنافسة على الساحة العالمية، فموجات البناء التي بدأت خلال ثمانينيات القرن الـ 19 جعلت البحرية الامريكية، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، ثالث أكبر أسطول حربي في العالم من حيث إجمال حمولة السفن، وقد رأى أبرز شخصيات أواخر القرن الـ 19 التي دفعت هذه العملية قدما، مثل ألفريد ثاير ماهان وروزفلت وماكينلي وغيرهم، أن القوة البحرية كانت عنصرا حاسما لمكانة الولايات المتحدة في العالم، وقد وجدت الولايات المتحدة نفسها تميل إلى سياسة خارجية ودفاعية أكثر توسعا.
في مطلع القرن الـ 20 أدت "إصلاحات روت" و"قانون ديك"، المنسوبان إلى وزير الحرب الامريكي إيليهو روت والسيناتور تشارلز ديك على التوالي، إلى إعادة هيكلة وزارة الحرب الامريكية وتعزيزها، بما في ذلك الحرس الوطني، وفي عام 1904 نص ملحق روزفلت لـ "مبدأ مونرو" على أن نصف الكرة الغربي ليس مغلقا أمام التدخلات الاستعمارية الخارجية وحسب، بل إن واشنطن سيكون لها أيضا رأي فاعل في أية مسائل سياسية أو إستراتيجية رئيسة تختارها في جوارها، وقد اُستخدم هذا الملحق لتبرير عدد من التدخلات الامريكية في امريكا اللاتينية خلال العقود اللاحقة، بما في ذلك في المكسيك ومنطقة الكاريبي، فضلا عن دعم الولايات المتحدة للانفصاليين في كولومبيا مما أدى إلى قيام دولة بنما، ومهد الطريق في نهاية المطاف أمام بناء الولايات المتحدة لقناة بنما وفرض سيادتها عليها. (من جانبه استعاد ترمب منطق ملحق روزفلت عبر إعلان "ملحق ترمب" الخاص به لـ "مبدأ مونرو"، كما ورد في استراتيجية الأمن القومي الصادرة في ديسمبر/ كانون الأول 2025).
لقد أظهرت الأعوام الـ 25 الممتدة من إدارة ويلسون حتى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، مدى عدم جدوى محاولات الانعزال الامريكية حتى وإن كانت نادرة، ففي عام 1916 خاض الرئيس وودرو ويلسون حملته لإعادة انتخابه على أساس البقاء خارج الحرب العالمية الأولى، حتى بعد أن قتلت طوربيدات الغواصات الألمانية مئات الامريكيين أثناء عبورهم المحيط الأطلسي، بمن فيهم ركاب لوسيتانيا، وهي سفينة ركاب بريطانية غرقت عام 1915، وعلى رغم عدم رغبته في المشاركة في الحرب ونظرته إلى الإمبريالية الفرنسية والبريطانية باعتبارها أحد الأسباب الجذرية للحرب، وقع ويلسون عام 1916 قانون توسيع البحرية الامريكية المعروف بـ Big Navy Act)) الذي أطلق جولة جديدة من بناء السفن البحرية الامريكية، مما سمح للولايات المتحدة بالدخول بصورة أعمق في مجال التنافس بين القوى العظمى، وبحلول ربيع عام 1917، وتحت وطأة استئناف ألمانيا حرب الغواصات ومهاجمتها السفن من دون إنذار، إضافة إلى اعتراض برقية زيمرمان التي حاولت فيها ألمانيا إقناع المكسيك بمهاجمة الولايات المتحدة، غير ويلسون موقفه من البقاء خارج الصراع وأقنع الكونغرس بإعلان الحرب، وبحلول أواخر عام 1918 كانت الولايات المتحدة قد بنت قوة عسكرية قوامها 4 ملايين جندي، كان مليونان منهم في أوروبا عند انتهاء الحرب في نوفمبر (تشرين الثاني)، ولم تكن الولايات المتحدة آنذاك قد أصبحت بعد "مزود الأسلحة الرئيس للدول الديمقراطية" Arsenal of Democracy، فقد كانت معظم الأسلحة التي استخدمتها قواتها في الحرب مصنوعة في فرنسا، لكنها كانت تتحول بسرعة إلى أقوى دولة على وجه الأرض.
بعد الحرب العالمية الأولى دخل صناع السياسات الامريكيون بالفعل في انعزالية حقيقية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الـ 20، فبينما رفض مجلس الشيوخ الامريكي طرح ويلسون للتصديق على "معاهدة عصبة الأمم" التي هدفت إلى منع اندلاع حروب مستقبلية، أقر "معاهدة واشنطن البحرية"Washington Naval Treaty التي وفرت غطاء لتقليص القوة البحرية خلال عشرينيات القرن الـ 20، في وقت انسحبت فيه الولايات المتحدة من الساحة الدولية للمرة الأولى في تاريخها.
وأدت النزعة الانعزالية خلال تلك المرحلة، من بين أمور أخرى، إلى تفكيك معظم الجيش الامريكي، إضافة إلى سن "قوانين الحياد" منتصف ثلاثينيات القرن الـ 20 التي منعت واشنطن حتى من بيع الأسلحة إلى كبرى الديمقراطيات في العالم، لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية وضع حدا لهذه الفترة القصيرة من الانعزالية الامريكية، وهي فترة لم تتجاوز عُشر تاريخ البلاد.
البقاء على المسار نفسه
خلال الولاية الأولى لترمب وحملته لإعادة الانتخاب بدا وكأنه قد يسعى إلى تغيير جوهر الإستراتيجية الكبرى الامريكية وسياسة الدفاع إلى شكل من أشكال تقليص الدخول إلى الحد الأدنى، فقد اشتكى من التضخم المفرط في موازنة الدفاع، وتساءل عن جدوى الـ "ناتو" والتحالف الامريكي - الكوري، وأبدى شكوكا حول ما إذا كانت أوكرانيا تشكل أهمية للمصالح الامريكية، ودعا إلى إيلاء أولوية أكبر للقضايا القريبة من الوطن، ولا سيما على طول الحدود الامريكية - المكسيكية، وبعض هذه الأفكار قد يعاود الظهور، وبالفعل كانت قضايا الحدود والهجرة محورا أساسا في سياسة ترمب الداخلية والخارجية، لكن ولاية ترمب الثانية اتسمت بنهج الحد الأقصى أكثر من أي شكل من أشكال الحد الأدنى [أي أنها اتسمت بنزعة توسعية مفرطة أكثر بكثير من أي شكل من أشكال الانكفاء الإستراتيجي]، فقد توسطت إدارته في مفاوضات سلام حول العالم، وإن لم تكن بالنجاح الذي يدعيه، ودافعت عن حلف شمال الأطلسي وإن أساءت في الوقت نفسه إلى الشركاء الأوروبيين، وأذنت باستخدام القوة ضد المنشآت النووية الإيرانية ورئيس فنزويلا الحالي، ودعت إلى زيادة الإنفاق الدفاعي الامريكي، ولم يُفكك ترمب أية تحالفات امريكية على الإطلاق، أما أكثر تقليص لافت للقوات اقترحته إدارة ترمب حتى الآن، فيتعلق بلواء واحد من الجيش الامريكي في رومانيا، أي بضعة آلاف من الجنود من أصل 100 ألف جندي في أوروبا، وبذلك بددت أفعال ترمب أي وهم بأنه انعزالي.
وبالنظر إلى تاريخ الولايات المتحدة فلم يكن ينبغي لأحد أن يتوقع منه ذلك أصلا، فباستثناء عدد قليل من الرؤساء الامريكيين خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، مثل وارن هاردينغ وكالفن كوليدج وهربرت هوفر، فإن الانعزالية ليست حقا جزءا من طبيعة مهندسي الإستراتيجية الكبرى الامريكية وتكوينهم، إذ يُعد تراجع ويلسون عن موقفه في شأن الحرب العالمية الأولى تذكيرا جيدا بأن دخول الولايات المتحدة في الصراعات الأوراسية ليس مجرد مسألة تفضيل بسيطة.، فلقد أراد ويلسون تجنب الحرب تماما كما يفعل ترمب الآن، ومن الجدير بالثناء فعلا نبذ العنف والرغبة في تجنب فخاخ مثل حروب أفغانستان والعراق وفيتنام، كما يؤكد ترمب أنه يفعل.
غير أن منع اندلاع حرب بين القوى العظمى على مدى الأعوام الـ 80 الماضية استلزم نظاما من التحالفات الامريكية والانتشار العسكري المتقدم، وهو نظام سيكون من الخطأ الجسيم أن تتخلى عنه الولايات المتحدة الآن، وربما يصل ترمب إلى هذا الاستنتاج في نهاية المطاف، لكن من الباكر جدا الجزم بذلك.
إن توجه ترمب الدولي والتشابه في تفكيره مع رؤساء سابقين مثل جاكسون وبولك ومكينلي وروزفلت، لا يعنيان أن أسلوبه في اتخاذ القرار، والذي يتسم غالبا بالاندفاع والشخصانية، أمر إيجابي للسياسة الخارجية الامريكية، لكن في مقاربته للأمن القومي لا يُعد ترمب شخصية غير مسبوقة في التاريخ الامريكي كما يُزعم أحيانا، ففلسفته تتمحور حول السعي وراء القوة الوطنية، لا بوصفها أولوية رئيسة وحسب بل باعتبارها هاجسا طاغيا، ومع ذلك فإن هذا السعي المبسط وراء المصلحة الوطنية إذا لم يُلطف برؤية أكثر شمولية تأخذ في الاعتبار المصالح المشروعة للدول الأخرى فيمكن أن يفشل فشلا ذريعا، وما أثبت فاعليته خلال النصف الأول من تاريخ البلاد، بصرف النظر عن الاعتبارات الأخلاقية، لم يعد مجديا بعد ذلك، ومن المستبعد أن يغدو مجديا اليوم.
*مايكل أوهانلون هو أستاذ "كرسي فيليب إتش نايت للدفاع والإستراتيجية" ومدير البحوث في "برنامج السياسة الخارجية" بمعهد بروكينغز، ومؤلف كتاب سيصدر قريبا بعنوان "التجرؤ على فعل أشياء عظيمة: إستراتيجية الدفاع الامريكية منذ الثورة".