*د. عدالت عبد الله
*ترجمة : نرمين عثمان محمد/عن صحيفة كوردستاني نوى
هذا البحث أحد محاور ندوة علمية نظمتها جامعة راپەڕین- مجمع قلعة دزة، بتاريخ 2/12 /2025، تحت عنوان:“دور السلام والاعتدال في بناء مجتمع مستقر”.ويمثل هذا المحور خلاصة لمداخلة الندوة التي قدمها د. عدالت عبد الله.
ملاحظات عامة وجملة من الحقائق
إن موضوع هذه الندوة جديرٌ بنقاشٍ أطول وأوسع، غير أننا سنكتفي هنا بعرض جملة من الملاحظات العامة وبعض الحقائق.
ولا يُقصد بهذه الملاحظات والحقائق بث اليأس أو التراجع عن إرادة السلام والاعتدال، بل تهدف أساسا إلى تشخيص المشكلات النظرية والعملية التي تعترض مسار السلام والاعتدال في العالم، وتمنع تحقق الاستقرار بعيد المدى أو الاستقرار الدائم.
ومن جانب آخر، فإن تنظيم هذه الندوة جاء للأسف متزامنا مع تصاعد نوع من اللا استقرار واللجوء إلى بعض أشكال العنف في معالجة الاحتجاجات المجتمعية، ولا سيما ما جرى في قرية لاجان وقضاء خبات.
كما تزامن ذلك مع عملية السلام في شمال كردستان بين الدولة والكرد، ومع الحوارات والمفاوضات بين غرب كردستان والحكومة السورية الجديدة، عقب توترات وأزمات أعقبت الاتفاق الموقع بين الطرفين في 10 آذار من هذا العام في دمشق.
إن انعقاد هذه الندوة في ظل هذه الأحداث يمنحها قيمة معنوية خاصة، ويؤكد أهمية اهتمام هذه المؤسسة الأكاديمية بقضايا السلام والاعتدال والاستقرار في البلاد، ويُظهر انخراطها في الفضاء العام وفي القضايا المصيرية للمجتمع.
السلام وأطروحة إيمانويل كانط
بداية لا بد من القول: إن جميع أحداث الحروب والصراعات والمجازر ،سواء على المستوى الدولي أم داخل الدول ،تؤكد بوضوح أطروحة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724–1804م ) حول السلام، التي عرضها قبل أكثر من قرنين في كتابه:”السلام الدائم: مشروع فلسفي” (1795).
يقول كانط:
“السلام ليس مجرد توقف الحروب، كما أنه ليس حالة طبيعية، بل هو غاية يجب تحقيقها”،ويذكرنا كذلك بأن السلام الدائم هو مشروع عقلاني وقانوني ويذكرنا بوضوح بأن الدولة التي يحكمها العقل والقانون، ويتمتع شعبها بالحرية، لا تميل إلى شن الحروب، لأنها هي من سيتحمل كلفتها وأعباءها.
ولهذا، فإن دعوة كانط هي دعوة إلى الحكم الجمهوري الديمقراطي، وفصل السلطات، واحترام حقوق الإنسان،وتؤكد أطروحته أن السلام والاستقرار ليسا معطيين سهلين أو جاهزين، بل إن هذه الرؤية وحدها كافية كي لا نعيش وهم الاستقرار المؤقت، ولا نتصور أننا نعيش في عالمٍ آمن.
قضية دولية
أولا :نذكر بأن قضايا السلام والاعتدال والاستقرار ليست قضايا محلية أو خاصة بشعوبٍ بعينها ، حتى تلك التي كانت ضحية الحروب والتي نعد نحن منها، بل هي قضية دولية حية تشغل العالم بأسره.
فالحروب والصراعات والعنف خلال القرن الماضي لم تستثنِ بلدا واحدا، ما يعني أن الحرب ليست شأنا إقليميا محدودا، بل ظاهرة عالمية.
السلام كحقلٍ علمي
ثانيا: أصبحت قضايا الحرب والسلام اليوم محور اهتمام العديد من الحقول العلمية، مثل:
العلوم السياسية، العلاقات الدولية، علم الاجتماع، الجغرافيا، الاقتصاد، الإعلام والاتصال، علم النفس، القانون الدولي، دراسات التنمية، حقوق الإنسان، وغيرها،أي إنها تحولت إلى مجال معرفي تُدرس باستخدام مناهج متعددة، مثل:
تحليل النزاعات، دراسات الحالة، التحليل البنيوي، تحليل الخطاب الإعلامي للكراهية، المقارنة الدولية، البحوث النوعية والميدانيةو العديد من النظريات الأخرى في مجال العلوم الإنسانية والإجتماعية.
كما أصبحت مسألة النزاع و السلام منذ قرابة قرن حقلا أكاديمياوعلميا مستقلا يُعرف بـ “علم السلام” وكان من أبرز مؤسسيه المفكر النرويجي يوهان غالتونغ (1930–2024)، الذي أسس مع آخرين من الباحثين الذين عاصروه معهد أبحاث السلام في أوسلو.
ويُعنى هذا الحقل بدراسة أسباب العنف والحرب، وشروط تجنب النزاعات، وبناء السلام الدائم. وبالطبع لها مجموعة من المفاهيم الأساسيةمنها :
السلام السلبي: الاكتفاء بوقف الحرب فقط.
السلام الإيجابي: غياب العنف البنيوي، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية.
العنف البنيوي: الناتج عن الفقر والتهميش والاستغلال.
العنف الثقافي: تبرير العنف عبر الدين أو الإعلام أو الأيديولوجيا.
اهتمام بلا نتائج!
ثالثا:رغم الاهتمام الواسع بقضايا السلام والاستقرار من قبل الدول الكبرى، والمنظمات الدولية، والمؤسسات الأكاديمية، فإن الحقيقة المرة هي أن حلولا جذرية ودائمة لكثير من النزاعات لم تتحقق حتى الآن.
واستمرار الحروب والعنف في مناطق عديدة من العالم دليل على وجود خلل عميق، إما في صدق هذا الاهتمام، أو في إرادة القوى والدول والمؤسسات المتنفذة المسؤولة عن إدارة هذه القضايا.
إشكالية أزلية
رابعا: إن قضايا الحرب والسلام والاستقرار ذات جذور تاريخية عميقة، وهي من القضايا الأزلية.
وكما أن السعي إلى العدالة والحرية نزعة إنسانية أصيلة ، كما يقول المفكر إدوارد سعيد (1935-2003م)في كتاب (صورالمثقف) فإن الصراع والسعي إلى السلام والاستقرار هما أيضا نزعتان أزليتان.
وهذا يعني أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة جذرية للأسباب البنيوية للصراع.
فمثلا:
اتفاق 11 آذار 1970 بين الحكومة العراقية والحركة الكردية لم ينهِ الصراع.
مفاوضات 1984 بين الحركة الثورية الكردية والنظام السابق لم تؤسس سلاما حقيقيا.
سقوط نظام صدام حسين عام 2003 لم يعنِ نهاية الحروب والدمار في العراق.
وعليك أن تنتظر دائما أن ترجع الى احتمالية عدم الإستقرار والعنف وحروب أخرى ،ففي مثال العراق أوضح واقع مابعد عملية التحرير بشكل واضح هذه الحقيقة دون الإحتياج الى أي دليل .
إرادة مستمرة ولكن!
خامسا : أظهرت تجارب المجتمع البشري على مر التأريخ بأنه كما إن الحروب والصراعات مستمرة فإن إرادة السلام والإستقرار إرادة حية في المجتمع البشري ، هذه حقيقة جيدة ، وتبعث على قليلٍ من الأمل في عالم لا ينقطع عنه الحروب والعنف، بمعنى إنهُرغم جميع الصراعات فإنَ إرادة السلام موجودةٌ دائما ولم تتجمد ، وكما يقول العرب فإنَنها دوامةٌ تأريخية ، لكن سر حيوية هذه الإرادة ليست نتيجة لطبيعة الإنسان ولكن سره يكمن للأسف في إن الحروب و الصراعات في داخل المجتمع البشري وفي هذا العالم أتخذت بُعدا حتميا .
بمعنى أوضح ،فإنَ إرادة السلام في العديد مبقاع هذا الكون الفسيح هي نتيجة وجود الحروب والصراعات أو تحت تـأثير ظِلال الحروب ،أو خوفا من إستِعمال الأَسلِحة النووية ، خصوصا للدول التي تمتلك اسلحة الإبادة الجماعية هذهِ، ، وهي ليست مشروعا عقلانيا وقانونيا مستمرأ كما صاغها وطلبَها عمانؤيل كانت في إطروحَتِه وكِتابِهِ الشَهير.
مفارقة: الحرب من أجل السلام!
سادٍسا : من جهة أخرى ، من المواضيع التي تحتاج وقفة و تظهربأنَها مفارَقَةُ لافِتة في خطاب السلام والسلم والإٍتِقرار هو أن مجموعةٌ من النظريات السياسية والاجتماعية ترى بأن الحرب والعنف قد يكونان وسيلة لسلم واستقرار يطول مداه أكثر ، أي إن َ بعض النظريات السياسية والإجتماعية تعتبر العنف أو الحروب وسيلة لإعادة بناء النظام وفرض سلامٍ جديد، سواء عبر الردع، أو توازن القوى، أو إعادة توزيع السلطةأو عبر التغييرات الإجتِماعية والتأريخية ، بحسب هذه النظريات ليس شرطا أنيخلق اجتِناب الحروب في كل حلاته السلم والإستقرار ، وخصوصا إذا لم يكن جزءا من نظام التفكير والتصرف عند الجميع كافرادٍ أو جماعاتٍ أو دول ،أي انها لم تصبح مشروعا عقلانيا وقانونيا يخلق الإلتزام .
ومن هذه النظريات على سبيل المثال لدينا :
نظرية السلام عبر القوة: وتتألف إفتراضاتها من إن إمتلاك قوة عسكرية كبيرة يعيق المنافسين عن أشعال فتيل الحروب ، كما إنه يعتقد بأن السلام يتحقق عندما تنسحب الجهة المعتدية من نية إشعال الحروب بسبب خوفها من رد الفعل ، وهذه النظرية تطبق من قبل عديد من القوى العظمى والدول اكبيرة منذ زمن بعيد.
نظرية توازن القوى : والت تفترض بأنه في بعض الأحيان يخلق الحرب التوازن بعد أن تهمين دولة على الدول الأخرى ، وتعتقد بأنه بعد الحرب يتولد سلام جديد في الساحة ، لن القوى ترجع الى مستوى يمنع فيه التسلط والهيمنة .
وكذلك هناك نظرية الحرب العادلة التي تعود في الأساس الى أطروحات ورؤى الفيلسوف واللاهوتي المسيحي سان أوغسطين (430-354)والفيلسوف واللاهوتي المسيحي الإيطالي توما الأكويني(1274-1225)ويرى الأكويني أن الحرب قد تكون أخلاقية في حالات الدفاع عن النفس، أو رد العدوان، أو استعادة حق مغتصب، شريطة أن يكون هدفها النهائي تحقيق السلام لا الانتقام أو التوسع، السلام في في وجهة نظر أكويني تصب آخر هدفٍ للحرب ، ويظن بأن الحروب في فحواها لا تحمل خيرا ،بل هي عبارة عن شرٍ عليكَ أن تتحمله إضطِراريا ،وتمنح رؤية ألكويني هذه مشروعية لنضال ومقاومة الشعوب المضطهدة ومنها الشعب الكردي ، وتمنح قيمة عالية لنضال وثورة وا،تفاضة الشعوب المضطهدة ولذل فهي ليست دعوة للحرب بقدر ماهي دعوة الى حرب عادلة في مواجهة الظلم والاحتلال وألإعتداء وهيمنة الدول.
ويفسر هذا النهج سبب كون العراق أحيانا «أولوية مركزية» وأحيانا «مسألة ثانوية»، ولماذا تتأرجح السياسة الأمريكية فيه بين البعدين العسكري والسياسي،وفي المحصلة، فإن السياسة الخارجية الأمريكية في العراق تقوم أساسا على إدارة الأزمات وفق المصلحة والنتائج، لا على أساس حل المشكل بالإعتماد على أساس أخلاقي أو أيديولوجي دائم.