*دانيال بايمان
مجلة" فورين بولسي"الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
مع بدء الولايات المتحدة واسرائيل قصف ايران يوم السبت في اطار عملية الغضب الملحمي، اعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب مجموعة واسعة من الاهداف الطموحة التي قال ان ادارته ستحققها. واشار ترامب الى ان النظام الايراني، وعلى مدى 47 عاما، ردد شعار الموت لامريكا، وشن حملة لا تنتهي من سفك الدماء والقتل الجماعي، مستهدفا الولايات المتحدة وقواتها وابرياء في دول كثيرة جدا. ثم ادان ايران لقتلها عشرات الالاف من مواطنيها المحتجين، ولتمويلها ميليشيات ارهابية اغرقت الارض بالدماء والاشلاء. كما زعم، مع ادلة اضعف بكثير، ان ايران تعيد بناء برنامجها النووي وتطور صواريخ بعيدة المدى يمكن ان تصل قريبا الى الاراضي الامريكية.
وعد ترامب بانهاء كل هذه الاخطار، مؤكدا ان الولايات المتحدة ستدمر برنامج ايران الصاروخي وقواتها البحرية، وتنهي دعمها للوكلاء الارهابيين، وتضمن ان ايران لن تحصل على سلاح نووي. والاكثر خطورة وتاثيرا، انه قال للشعب الايراني: عندما ننتهي، تولوا انتم حكم بلادكم. هذا هو وقت التحرك.
من خلال عرض هذه القائمة الطويلة من شكاوى الولايات المتحدة ضد ايران، رفع ترامب سقف التوقعات الى مستوى عال جدا، متجنبا في الوقت نفسه اصعب مهام القائد في زمن الحرب، وهي المفاضلة بين الاهداف المتنافسة، وتخصيص الموارد وفقا لذلك، والسعي لتحقيق هذه الاهداف عبر الدبلوماسية كما عبر القوة. وفي ظل غياب رؤية واضحة لما تسعى اليه الولايات المتحدة، كيف يمكن الحكم على العملية من دون انهيار كامل للنظام الايراني وتحوله الى ديمقراطية موالية لواشنطن؟ فيما يلي ستة اسئلة يمكن طرحها لتحديد ما اذا كانت عملية الغضب الملحمي نجاحا ام فشلا.
1.من سيفوز في معركة النفس الطويل؟
بدأت العملية بشكل درامي. فقد حاولت الولايات المتحدة واسرائيل بالفعل قتل قادة ايرانيين، وضربت مجموعة واسعة من الاصول العسكرية التابعة للحرس الثوري الايراني، فضلا عن البرنامج الصاروخي والقوات البحرية الايرانية. ومع ذلك، سيجد الامريكيون صعوبة في الاستمرار بعمليات واسعة النطاق وبوتيرة سريعة. فرغم حجم الحشد العسكري الامريكي، الا انه لا يقارن بالقوات التي جرى تجميعها لغزو العراق عام 2003، ويبدو اقرب الى حملة قصف لعدة ايام منه الى حرب طويلة. وقبل بدء الضربات، حذر الجنرال دان كين، رئيس هيئة الاركان المشتركة، من ان الولايات المتحدة لا تمتلك ما يكفي من ذخائر وانظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وان غياب الدعم الكامل من الحلفاء الاقليميين سيعيق العمليات.
اما ايران، فعليها ببساطة ان تصمد. وهذا ليس بالامر السهل، اذ ستفقد منشآت واصولا عسكرية وقادة عسكريين ودينيين كبارا، وربما حتى المرشد الاعلى علي خامنئي نفسه. لكن الولايات المتحدة لم تحشد قوات برية. وبالتالي، حتى لو خسر النظام الايراني نصف قادته واصوله العسكرية، فقد يبقى قائما.
2.ماذا يعني التدمير؟
حين يتحدث ترامب عن تدمير البحرية الايرانية والبرامج الصاروخية والبنية التحتية النووية، لا يكون من الواضح دائما ما المقصود عمليا. ففي بعض الحالات، مثل البحرية الايرانية الضعيفة اصلا، فان غرق مزيد من السفن في قاع الخليج يعد مؤشرا واضحا على النجاح.
اما بالنسبة لاهداف اخرى، فالحكم اكثر تعقيدا. فقد ادعى ترامب مرارا ان البرنامج النووي الايراني دمر بالكامل بفعل الضربات الامريكية والاسرائيلية في حزيران 2025، ما يثير السؤال الواضح: لماذا يحتاج الى الهجوم مجددا؟ الواقع ان البرنامج يتكون من عناصر عديدة، تشمل مخزونات اليورانيوم المخصب، واجهزة الطرد المركزي، والمعدات الاخرى، والمعرفة النووية لدى العلماء الايرانيين، ولهذا استهدفتهم اسرائيل مرارا. الولايات المتحدة واسرائيل دمرتا بالفعل جزءا كبيرا من هذه العناصر في عملية 2025، لكن الغارات الجوية وحدها لن تحقق سوى مكاسب محدودة.
تقييم دعم ايران لوكلائها، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، مسالة اشد تعقيدا. فطهران ترى في هذه الجماعات جزءا من منظومة الردع في مواجهة الضغوط الامريكية والاسرائيلية، وكان تدمير اسرائيل لقدرات حزب الله عام 2024 ضربة قاسية لايران. كما تربط ايران علاقات ايديولوجية قوية ببعض هذه الجماعات، بما فيها حزب الله وميليشيات شيعية في العراق. في ظروف قصوى، قد توافق ايران على وقف دعمها، لكن الدعم المالي على وجه الخصوص سيكون من الصعب تتبعه نظرا لشبكات التمويل غير الشرعية الواسعة التي تمتلكها. وبعد انتهاء الضغوط، قد تعود ايران ببساطة الى دعم هذه الجماعات اذا لم يتغير النظام.
3.هل تستطيع ايران الرد؟
ايران ليست بلا دفاع، وقد هاجمت بالفعل اسرائيل وشركاء الولايات المتحدة في الخليج. فعندما هاجمتها الولايات المتحدة واسرائيل العام الماضي، ردت طهران بضربات صاروخية وبالمسيرات ضد اسرائيل، لكنها اكتفت برد رمزي ضد هدف امريكي، مع اعلام مسبق لتجنب التصعيد. القواعد والمنشآت الدبلوماسية الامريكية في المنطقة مرشحة ايضا لان تكون اهدافا لايران او لجماعات مدعومة منها، مثل كتائب حزب الله في العراق، التي افيد بان اسرائيل استهدفتها بالفعل. وقد تتصرف ايران بحذر في البداية هذه المرة ايضا، لكن كلما ساءت الاوضاع، زادت احتمالات توسيع بنك الاهداف ليشمل ما يتجاوز المنشات العسكرية.
تمتلك طهران ايضا شبكات وعناصر في مختلف انحاء العالم قد تلجأ الى تنفيذ هجمات ارهابية. ففي الماضي، استهدفت ايران او خططت لاستهداف منشات اسرائيلية ويهودية في امريكا اللاتينية وجنوب شرق اسيا واوروبا، بل وحتى داخل الولايات المتحدة. ومن الخيارات المتطرفة ايضا مهاجمة الملاحة في الخليج، عبر زرع الالغام البحرية او استخدام زوارق صغيرة لاستهداف ناقلات النفط، في محاولة لتعطيل امدادات الطاقة العالمية.
الهجمات التي تقتل اعدادا كبيرة من الامريكيين او الحلفاء، وخصوصا المدنيين، تنطوي على مخاطر كبيرة لايران، وكذلك محاولات تعطيل امدادات النفط. فمن جهة، تتيح هذه العمليات للنظام ان يظهر للايرانيين انه يرد. ونظرا لضعف الدعم الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة، قد تعتقد طهران انها قادرة على اجبار واشنطن على التراجع. لكن من جهة اخرى، قد يؤدي مثل هذا الهجوم، على الاقل في المدى القصير، الى زيادة الدعم الامريكي للحرب وتبرير استمرار العمليات العسكرية. وقد ادت محاولات سابقة لتعطيل امدادات النفط الى تصعيد عسكري امريكي اكبر.
4.هل يمكن للشعب الايراني ان ينهض؟
سنوات من الاستبداد والفساد وسوء الادارة الاقتصادية والقمع جعلت النظام غير محبوب لدى غالبية الايرانيين. فقد اظهرت استطلاعات الرأي ضعفا في الدعم للنظام حتى قبل قمعه العنيف للاحتجاجات في كانون الثاني، وهو ما ادى الى تراجع ما تبقى من شرعيته.
دعوة ترامب للشعب الايراني الى الانتفاض تفترض خطا ان اسقاط النظام سيكون سهلا بعد الضربات العسكرية. لكن المعارضة غير مسلحة ولا منظمة، والنظام اثبت مرارا انه مستعد للقتل من اجل البقاء. هذه الحرب لم تفاجئ احدا، وخصوصا القادة الايرانيين، الذين من المرجح ان يكونوا مستعدين لاضطرابات داخلية. اضافة الى ذلك، النظام ليس مكروها من الجميع، وليس دكتاتورية شخص واحد، وحتى اذا قتل خامنئي ومسؤولون كبار اخرون، فهناك كثيرون غيرهم قادرون على الحلول محلهم.
النتيجة المحتملة هي مجزرة ينتصر فيها الاسوأ. وهناك سوابق حين دعت الولايات المتحدة الشعوب الى مقاومة حكوماتها ثم وقفت متفرجة بينما قمعت الانظمة المتظاهرين بوحشية، كما حدث في المجر عام 1956 وفي العراق بعد حرب الخليج عام 1991. قد لا يهتم ترامب بتحطيم الامال بعد اثارتها، لكن ذلك سيجعل الايرانيين اكثر تشككا في الولايات المتحدة.
5.من يحكم اذا نجح تغيير النظام؟
بالنسبة للشعب الايراني وللولايات المتحدة، يبقى سؤال ما التالي؟ بالغ الاهمية. فحتى لو سقط النظام، لا يتضح من او ما الذي سيحل محله. ويحذر مارك لينش من ان قيام جمهورية ديمقراطية هو اقل السيناريوهات ترجيحا في حال انهيار النظام الديني، في حين تبدو احتمالات تفكك الدولة او سيطرة الحرس الثوري اعلى بكثير.
تحول ايران الى دولة فاشلة سيؤدي الى مزيد هائل من الضحايا وتدفقات اللاجئين ومشكلات اخرى. وتجارب العراق وليبيا وسوريا واليمن الحديثة تذكرنا بمآسي الحروب الاهلية. اما سيطرة الحرس الثوري فستمنع الحرب الاهلية، لكنها ستعني عمليا استبدال دكتاتور بعمامة بدكتاتور بزي عسكري. ورغم ان الكثير سيعتمد على براغماتية القيادة الجديدة، فان الحرس الثوري يرى عموما الولايات المتحدة واسرائيل كاعداء، ويؤمن بضرورة دعم الوكلاء، وهي بالضبط المشكلات التي يسعى ترامب الى انهائها.
6.هل سيدعم الشعب الامريكي الحرب؟
بدأت الولايات المتحدة هذه الحرب من دون مبرر قانوني واضح. فقد كان خطاب ترامب مجرد تعداد لمظالم قديمة، لا حجة على تهديد وشيك، ولم تبذل اي محاولة للحصول على دعم الكونغرس. بل ان الادارة لم تخاطب الشعب الامريكي مباشرة حتى بدء العملية، وفشلت تصريحات كبار المسؤولين في تقديم مبرر مقنع للحرب. ولا يزال من غير الواضح ما اذا كان معظم الامريكيين سيدعمون هذه الحرب.
ترامب غير محبوب اصلا، ولم تغير عمليات سابقة، مثل غارة فنزويلا او ضربات ايران عام 2025، هذا الواقع كثيرا. اذا بدت عملية الغضب الملحمي ناجحة، فقد يقبل الامريكيون باستمرار الضربات. فسنوات النزاعات في المنطقة قد جعلتهم اكثر تقبلا لتكاليف استخدام القوة. لكن اذا نجحت ايران في ايقاع خسائر بالولايات المتحدة، او اذا بدا مع مرور الوقت ان العمليات لا تحقق شيئا يذكر، او اذا تسببت الضربات الامريكية بقتل اعداد كبيرة من الابرياء، فقد يتلاشى الدعم لمواصلة قتال باهداف غير واضحة. ويعرف عن ترامب استعداده للتراجع مع اعلان النصر في الوقت نفسه. وقد تنتهي عملية الغضب الملحمي بموت ودمار في ايران من دون تغيير جوهري على المدى الطويل.
*استاذ في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون ومدير برنامج الحروب والتهديدات غير النظامية والارهاب في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.