×


  بحوث و دراسات

  فرانسيس فوكوياما:​حلم ترامب باستسلام إيران غير المشروط مهمة عبثية**



*صحيفة (الغارديان السريلانكية)/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

من بين العديد من القرارات المثيرة للجدل التي اتخذها دونالد ترامب فيما يتعلق بإيران، كان أحد أغربها إعلانه يوم الجمعة الماضي أن الولايات المتحدة ستطالب طهران بـ"الاستسلام غير المشروط".

عندما أطلق ترامب الهجوم بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كان من الواضح أنه كان يأمل في تحقيق نصر سريع، شيء يشبه النتيجة التي حققها عندما اعتقل نيكولاس مادورو في يناير.

 لكن الحرب اتسعت عبر الشرق الأوسط، حيث أطلقت إيران صواريخ وطائرات مسيرة على حلفاء الولايات المتحدة وقواعدها في مختلف أنحاء الخليج الفارسي. وكان من الواضح أن ما تبقى من القيادة الإيرانية لم يكن على وشك الاستسلام، وأن الصراع قد يطول — كما أقر ترامب نفسه — لأسابيع.

في العادة، يحاول القائد الذكي في مثل هذا الوضع خفض سقف التوقعات وإعلان هدف قابل للتحقيق في الحرب، مثل إضعاف الجزء الأكبر من قدرة إيران على ضرب الأهداف بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. وكان ذلك سيوفر فرصة لترامب لإعلان النصر والانسحاب. لكن بدلا من ذلك، فعل ترامب العكس.

إن الهدف الجديد المتمثل في الاستسلام غير المشروط رفع سقف الأهداف فجأة إلى مستوى غير قابل للتحقيق. وهناك عدد من الأسباب التي تجعل إيران لا تستسلم.

أولا، يفترض الاستسلام غير المشروط وجود حكومة متماسكة يمكنها أن تأمر جيش الدولة بالتوقف، كما فعل الإمبراطور الياباني عام 1945. لكن قوات إيران — الحرس الثوري الإسلامي، والباسيج، والجيش النظامي — شديدة اللامركزية. وفي الواقع، مع استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل للقيادة العسكرية، ليس من الواضح أن هناك هيكل قيادة وسيطرة موحدا ما زال قائما.

ثانيا، هناك سبب آخر للاعتقاد بأن الاستسلام لن يحدث، وهو أنه سيعرض النظام للتفكك الداخلي. فإيران اليوم تُحكم بالقوة؛ وجزء كبير من السكان يكره نظام رجال الدين الذي قتل عشرات الآلاف من المحتجين في يناير. ولن تتخلى قوات الحرس الثوري والباسيج عن أسلحتها، لأنهم هم أنفسهم لن ينجوا.

أما السبب الأخير لعدم توقع الاستسلام غير المشروط فهو أن جزءا كبيرا من النظام يمكنه البقاء والاستمرار في القتال لبعض الوقت. لقد كانت الحملة الجوية فعالة للغاية في استهداف الأصول العسكرية الظاهرة لإيران — الدفاعات الجوية، الصواريخ الباليستية، الطائرات المسيرة، منصات الإطلاق، مخازن الذخيرة، القواعد العسكرية، وما شابه — لكن عشرات الآلاف من المقاتلين الأفراد ما زالوا موجودين، وسيحتفظون بقدرة متبقية على القتال.

لقد رأينا مؤخرا مثالا على شكل ذلك. فالحرب التي استمرت قرابة عامين ونصف بين إسرائيل وحماس دمرت قدرا هائلا من البنية التحتية في غزة، وحرمت حماس من القدرة على شن هجمات كبيرة. لكنهم ما زالوا هناك، ويمارسون نوعا من السيطرة ويحظون بدرجة من الدعم الشعبي داخل الأنفاق والملاجئ المتبقية. ولم يستسلموا، وسيشكلون عقبة كبيرة أمام أي محاولة لإعادة بناء غزة واستعادة حكومة ما بعد الصراع. وغزة منطقة أصغر بكثير، وكانت إسرائيل مستعدة لدخولها بقوات برية.

أما إيران، فهي على النقيض من ذلك دولة كبيرة جدا، ولديها الكثير من الأماكن التي يمكن للنظام الباقي أن يختبئ فيها. ولن يكون من الممكن القضاء على كل صاروخ وطائرة مسيرة تحت سيطرتهم، ولذلك يمكن توقع استمرار الهجمات على دول الخليج المتحالفة مع الولايات المتحدة والمنشآت الأميركية في المستقبل المنظور. كما أن خطر ضربة عشوائية بطائرة مسيرة على مراكز الطيران الكبرى في الخليج سيكون له تأثير اقتصادي كبير.

المشكلة الأساسية التي تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل تتعلق بحدود القوة الجوية. لدينا خبرة واسعة في محاولات استخدام القوة الجوية لتحقيق أهداف سياسية، وهذه الخبرة ليست مشجعة. فقد قامت القوات الجوية الأميركية الثامنة والخامسة عشرة وقيادة القاذفات البريطانية بتسوية العديد من المدن الألمانية بالأرض خلال الحرب العالمية الثانية، على أمل كسر إرادة النظام النازي. لكن، كما أظهر مسح القصف الاستراتيجي الأميركي بعد الحرب، فإن هذه الحملة المدمرة لم تسقط النظام؛ بل انهار فقط بعد أن احتل الروس والحلفاء الغربيون ألمانيا فعليا.

لا يمكنني أن أذكر سوى حالتين نجح فيهما القصف الاستراتيجي وحده في تحقيق هدف سياسي واضح. الأولى كانت استسلام اليابان غير المشروط على متن السفينة يو إس إس ميزوري، بعد إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي. وكما في ألمانيا، كانت الولايات المتحدة مستعدة لقتل مئات الآلاف من المدنيين عبر قصف المدن اليابانية بالقنابل الحارقة، وأظهرت في أغسطس 1945 قدرة جديدة مروعة أقنعت الإمبراطور والقيادة بأنه لا جدوى من الاستمرار في القتال.

الحالة الثانية كانت كوسوفو، حيث تعرضت صربيا لقصف جوي من حلف الناتو عام 1999، ووافقت في النهاية على تخفيف قبضتها على كوسوفو. وقد نجح هذا نتيجة لأن الهجوم أثار تمردا شعبيا ضد حكومة سلوبودان ميلوشيفيتش. ومع ذلك، كان على الناتو أن يشكل قوة حفظ سلام — قوة كوسوفو — التي لا تزال موجودة على الأرض في المنطقة حتى اليوم.

إذا، كما أتوقع، اذا لم يستسلم النظام الإيراني، فسيواجه دونالد ترامب ثلاثة خيارات.

اولا: يمكنه فعليا التراجع، وإعلان النصر، وإنهاء العمليات الأميركية، مع ترك نظام إسلامي ضعيف لكنه لا يزال خطيرا في السلطة.

ثانيا، يمكنه أن يقرر إرسال قوات برية إلى البلاد، وهو خيار محفوف بمخاطر واضحة داخل إيران وسياسيا داخل الولايات المتحدة (ومن اللافت أنه لم يستبعد هذا الخيار تماما).

أما الخيار الأخير فهو توسيع الحملة الجوية لتشمل نطاقا أوسع من الأهداف، بما في ذلك البنية التحتية المدنية مثل محطات تحلية المياه، وشبكات الكهرباء، والبنية التحتية للنقل. وهذا سيؤدي إلى قدر هائل من المعاناة للشعب الإيراني الذي يدعي ترامب أنه يريد دعمه. وبعد تحييد معظم الأهداف العسكرية، فإن المزيد من القصف سيؤذي المدنيين العاديين حتما، تماما كما فعل الإسرائيليون في غزة. وستكون الولايات المتحدة، في الواقع، تقصف الأنقاض.

في ظل هذه الخيارات غير الجذابة، فإن المطالبة بالاستسلام غير المشروط كانت خطوة شديدة الغباء من قبل الرئيس. وأميل إلى الاعتقاد بأن ترامب أعجب فقط بوقع هذه العبارة، دون التفكير في الكيفية التي قد ترتد بها عليه. لكن هذا لم يكن سوى قرار سيئ واحد من بين العديد. أما الأخطر فكان قرار الذهاب إلى الحرب من الأساس دون مبرر واضح لذلك.


29/03/2026