×


  رؤى حول العراق

  محمد شياع السوداني: بغداد مستعدة لفصل جديد مع واشنطن



مجلة"نيوزويك "/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

في نوفمبر الماضي، أدلى ملايين العراقيين بأصواتهم في انتخابات حرة، وحصد ائتلافي أعلى نسبة من الأصوات مقارنة بأي قائمة أخرى.

لم تكن تلك النتيجة مجرد فوز انتخابي، بل كانت بمثابة تأييد شعبي لمسار صعب ولكنه ضروري: الحفاظ على استقرار العراق خلال فترة من المخاطر الإقليمية الاستثنائية، مع بناء أسس مؤسسات أقوى وتحقيق انتعاش اقتصادي طويل الأمد.

لكن الانتخابات وحدها لا تحدد هوية الحكومة، بل الأفعال هي التي تحددها. فعلى مدار العامين والنصف الماضيين، وخلال ثلاث جولات من التصعيد الإقليمي، نجحت حكومتي في إبقاء العراق بعيدا عن الحرب، وحماية الأفراد الدوليين على أراضينا، والحفاظ على وحدة الدولة في ظل ظروف اختبرت كل مؤسساتنا.

وفي الوقت نفسه، استقطبنا شركات إكسون موبيل وشيفرون وبي بي وجنرال إلكتريك فيرنوفا إلى العراق بمليارات الدولارات من التزامات الطاقة الجديدة، وجذبنا استثمارات تجاوزت 100 مليار دولار. هذا السجل هو أساس ما أطرحه اليوم.

ولهذا السبب، فإن هذه هي اللحظة المناسبة لإعادة تعريف علاقة العراق مع الولايات المتحدة.

لطالما نظر إلى العراق في واشنطن من منظور الأزمات: الحرب، والإرهاب، وعنف الجماعات المسلحة، والتنافس الإقليمي.

 هذه الحقائق جزء من تاريخنا الحديث، ولا يزال بعضها يؤثر على حاضرنا. لكنها لم تعد تقدم الصورة الكاملة، فالعراق اليوم ليس مجرد دولة تدار عند تصاعد الصراع، بل هو دولة أظهرت صمودا في وجه ضغوط هائلة، ويقدم الآن قيمة استراتيجية واقتصادية وسياسية ينبغي على الولايات المتحدة أن تدركها بشكل أوضح.

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين أشعلت الحرب في غزة فتيل تصعيد إقليمي أوسع، واجهت حكومتي تحديا رئيسيا واحدا: منع العراق من الانجرار إلى صراع لم يختره وتطلب ذلك أكثر من مجرد ضبط النفس. شنت جماعات مسلحة هجمات على مواقع عسكرية أمريكية انطلاقا من الأراضي العراقية. وتبادلت القوى الإقليمية إطلاق النار.

 كان الغضب الشعبي شديدا، وتزايدت الضغوط للتصعيد من جهات متعددة، في ظل هذه الظروف، كان من الأسهل أن تتلاشى الحدود، وتتفكك، ثم تنهار في نهاية المطاف إلى جولة أخرى من الصراع بالوكالة. لكن ذلك لم يحدث.

اتخذت حكومتي إجراءات من خلال التواصل المباشر، والتوجيهات الأمنية، والإدارة السياسية المستدامة لمنع تحول الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة لحرب إقليمية. وعندما اتسع نطاق القتال بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025، أوضح العراق بجلاء أنه لا يمكن استخدام أراضيه ومجاله الجوي في شن هجمات ضد الدول المجاورة. وعندما اشتد الصراع مجددا مع عملية "إبيك فيوري" في أوائل عام 2026، تضاعفت الضغوط. وسقطت صواريخ على عواصم الخليج. ووقعت هجماتٌ على البعثات الدبلوماسية والمصالح الأمريكية، ما أكد على هشاشة الوضع الراهن. ودعت فصائل مسلحة العراق إلى دخول الحرب. ومع ذلك، حتى في ظل هذه الظروف، ظل هدفنا كما هو: احتواء التصعيد، وحماية استقرار العراق، ومنع جر البلاد إلى مواجهة إقليمية أوسع.

لم يكن هذا سلبية، ولا غيابا للخطر. بل كان ممارسة للسيادة في مواجهة قوى سعت إلى جر العراق إلى حرب أوسع ويدرك العراق، ربما أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة، ثمن تحوله إلى ساحة حرب لحسابات الآخرين.

كانت مهمتنا حماية العراقيين، والحفاظ على مؤسسات الدولة، ومنع البلاد من الانزلاق إلى مواجهة أوسع نطاقا من شأنها أن تهدد ليس فقط استقرارنا، بل مصالح شركائنا أيضا، بما في ذلك الولايات المتحدة.

لا يعني ذلك أن التحديات الأمنية في العراق قد زالت، بل على العكس، فقد ظهرت قوات الحشد الشعبي استجابة لتهديد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ويربطها كثير من العراقيين بالتضحية الحقيقية في لحظة خطر وطني، لكن لا يمكن لأي دولة جادة أن تقبل بتفتيت دائم للسلطة. يجب أن يكون الهدف طويل الأمد واضحا: نظام أمني سيادي تكون فيه قرارات الحرب والسلام واستخدام القوة بيد الدولة وحدها.

لقد سعت حكومتي لتحقيق هذا الهدف بواقعية لا بوهم. عززنا الرقابة، ووجهنا الموارد عبر المؤسسات الرسمية، وقاومنا محاولات تحويل الترتيبات الأمنية الاستثنائية إلى بدائل دائمة للدولة. كان التقدم متفاوتا، ولايزال العمل مستمرا، لكن يجب أن يكون توجه العراق واضحا لا لبس فيه: نحو مؤسسات أقوى، وسلطة قانونية أوضح، وهيكل قيادة وطنية أكثر تماسكا. هذا التوجه يجب أن يهم كل شريك دولي يرغب بصدق في نجاح العراق.

يؤكد السجل الاقتصادي صحة هذا الادعاء. فقد أعاد العراق بناء وضعه الاقتصادي، ويتجلى حجم الإنجازات بوضوح. عادت شركة إكسون موبيل لتطوير حقل مجنون النفطي العملاق، أحد أكبر حقول النفط في العالم. ووقعت شركة شيفرون اتفاقية إدارة لحقل غرب القرنة 2.

وفعلت شركة بي بي عقدا رئيسيا يغطي أربعة حقول في كركوك. والتزمت شركة جي إي فيرنوفا بإضافة 24 ألف ميغاواط من قدرة توليد الكهرباء. وتعمل شركتا توتال إنيرجيز وقطر إنرجي على تطوير مشروع متكامل بقيمة 27 مليار دولار في البصرة يشمل الغاز والطاقة الشمسية ومعالجة مياه البحر.

ليست هذه مجرد بادرة حسن نية، بل تعكس تحولا أوسع نطاقا. فالعراق يزداد تنافسية، ويجذب المزيد من الاستثمارات، ويعزز أهميته الاستراتيجية وقد عملت حكومتي على تحسين بنود العقود، واستعادة الثقة، وتهيئة بيئة مواتية للاستثمار طويل الأجل. لا تعود الشركات إلى سوق بهذا الحجم بدافع العاطفة، بل تعود عندما تلمس تحسنا في الاستقرار، وجدية الدولة في إنجاح الشراكات.

ينبغي أن يكون لهذا الأمر أهمية في واشنطن. فدولة تمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وتحتل موقعا جغرافيا محوريا في قلب طرق التجارة والربط التي ستشكل المرحلة المقبلة من تطور المنطقة، لا ينبغي التعامل معها كملف ثانوي في السياسة الأمريكية، بل يجب اعتبارها فرصة استراتيجية.

ستبقى شراكات العراق واسعة النطاق. تعد الصين شريكا اقتصاديا هاما، لا سيما في قطاع التنقيب والإنتاج، وستستمر هذه العلاقة. لكن مستقبل العراق لا يمكن أن يعتمد على أي جهة خارجية بعينها.

تتطلب مصالحنا طويلة الأجل شراكات متنوعة مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا وتركيا ودول الخليج وجوارنا الأوسع. هذه ليست مجرد تكتيك لتحقيق التوازن، بل هي الاستراتيجية الطبيعية لدولة تتطلب جغرافيتها واقتصادها وموقعها السياسي اتساعا في العلاقات بدلا من الاعتماد على الآخرين.

ينطبق المنطق نفسه على دور العراق الإقليمي. فقلما نجد دولا في الشرق الأوسط تحافظ على علاقات عمل متينة مع واشنطن وطهران والرياض وأنقرة ودول الخليج في آن واحد.

 لكن العراق يفعل ذلك، ويمثل هذا النطاق الواسع من العلاقات إحدى نقاط قوته الاستراتيجية. فموقعنا الجغرافي يضعنا في قلب المنطقة، وتنوع مجتمعنا يمنحنا قدرة فريدة على التفاعل مع مختلف مراكزها السياسية المتنافسة. لطالما كان العراق أكثر من مجرد دولة مواجهة.

 فهو في أفضل حالاته دولة رابطة، تربط بين الأنظمة السياسية وطرق التجارة والمصالح الإقليمية التي غالبا ما ينظر إليها الآخرون من منظور التنافس فقط.

لهذا السبب تعد مشاريع مثل طريق التنمية بالغة الأهمية. فبربط ميناء الفاو الكبير عبر العراق بتركيا ومنها إلى أوروبا، يمتلك هذا المشروع القدرة على جعل العراق أحد أهم الممرات التجارية في المنطقة. إنه ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل هو جزء من رؤية أوسع نطاقا تجعل من العراق جسرا للتجارة والطاقة والدبلوماسية، لا ساحة للصراع.

ينبغي على الولايات المتحدة أن تستجيب لهذه اللحظة بإطار استراتيجي أكثر نضجا للعراق:

 

الخطوة الأولى اقتصادية:

 ينبغي على واشنطن حماية وتشجيع توسيع الاستثمارات الأمريكية في العراق، لا سيما في قطاعات الطاقة وتوليد الكهرباء والبنية التحتية. إن وجود الشركات الأمريكية يرسي مصلحة أمريكية مستدامة في استقرار العراق على المدى الطويل.

 

الخطوة الثانية مؤسسية:

 ينبغي لبغداد وواشنطن إقامة حوار أكثر تنظيما حول تطوير القطاع الأمني، يركز لا على إدارة الأزمات المؤقتة، بل على تعزيز قدرات الدولة على المدى الطويل. لا يحتاج العراق إلى حلول مفروضة من الخارج، بل يحتاج إلى تعاون جاد مع شركاء يدعمون ترسيخ سلطة الدولة.

 

الخطوة الثالثة استراتيجية:

 لقد بني التعاون الاستخباراتي ومكافحة الإرهاب بين العراق والولايات المتحدة على مدى عقدين من الخبرة العملية. وينبغي الآن إضفاء الطابع الرسمي عليه وتحديثه بطرق تجعله أكثر مرونة واحترافية وأقل عرضة للتقلبات السياسية في أي من العاصمتين.

لا يطلب العراق اليوم أن ينظر إليه من خلال الحنين إلى الماضي أو الخوف أو افتراضات حقبة سابقة، بل يطلب أن ينظر إليه بوضوح: كدولة أجرت انتخابات تنافسية، وحافظت على نظام سياسي تعددي في ظل ضغوط شديدة، وأعادت بناء المدن التي دمرتها الحرب، وعملت على منع التصعيد الإقليمي من تدمير مستقبلها.

لا نزال نواجه تحديات جسيمة، يجب أن تتعزز مؤسساتنا، وأن يتنوع اقتصادنا أكثر، وأن تستمر العلاقة بين الدولة والجهات المسلحة في أن تحسم لصالح الدولة. لا ينبغي التقليل من شأن أي من ذلك، ولكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن يحجب ذلك ما حققه العراق أو ما يقدمه الآن.

ما يقترحه العراق على واشنطن ليس تبعية ولا تحالفا بأي ثمن، بل شراكة قائمة على المصالح والاحترام المتبادلين: علاقة مع دولة عراقية ذات سيادة أثبتت صمودها، وتملك ثروة هائلة من الطاقة، وتحتل موقعا جغرافيا مركزيا، وهي عازمة على بناء مستقبل أكثر استقرارا وترابطا.

الفرصة حقيقية. الباب مفتوح. والمنطقة لن تنتظر.

*رئيس مجلس الوزراء العراقي


19/04/2026