×


  کل الاخبار

  الزيدى رئيسا لوزراء.. مرشح "تسوية توافقى" من خارج التوقعات



*صافيناز محمد أحمد

 

*مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 حرص الإطار التنسيقى الشيعى الحاكم فى العراق على إنهاء حالة الفراغ الدستورى سريعا، لاسيما بعد مرور يومين على انتهاء المدة الدستورية الخاصة باختيار رئيس الوزراء الجديد والمحددة فى غضون (15) يوما من انتخاب البرلمان للرئيس نزار آميدى، والذى تم فعليا فى 11 أبريل 2026، حيث أعلنت قوى الإطار التنسيقى، فى 27 من الشهر نفسه، التوافق على مرشحها لرئاسة الحكومة كونها تشكل الكتلة البرلمانية الأكبر، ومن ثم فهى التى ستتولى ترشيح رئيس الوزراء الجديد، وبالفعل نجحت فى التوافق على شخصية على فالح كاظم الزيدى رئيسا جديدا للحكومة، وهو اختيار مفاجئ، حيث لم يكن اسم الزيدى مطروحا ضمن قائمة المرشحين المحتملين، كما أن التوقعات كانت تشير إلى احتمالية التجديد لرئيس الوزراء السابق شياع السودانى لفترة ولاية ثانية، بعد أن تراجع الإطار التنسيقى ضمنيا عن ترشيح المالكى –رئيس الوزراء الأسبق ورئيس ائتلاف دولة القانون- للمنصب نفسه بعد إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مباشرة عن اعتراضه على المالكى وتلويحه بفرض عقوبات على العراق حال اختياره كرئيس للحكومة الجديدة.

ويبدو أن اجتماعا مباشرا تم بين رئيس الوزراء السابق شياع السودانى وبين المالكى تم فيه حسم المواقف بشأن اختيار مرشح "تسوية توافقى" من خارج التوقعات، وهو ما حدث بالفعل عبر استضافة فالح الفياض –رئيس هيئة الحشد الشعبى – اجتماعا للطرفين فى هذا الشأن. ويثير اختيار الزيدى عدة تساؤلات حول أسباب ودلالات هذا الاختيار فى ظل الظرف الإقليمى الراهن والمتعلق بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. 

 

أسباب التوافق على الزيدى

ثمة عدة أسباب دفعت الإطار التنسيقى إلى حسم أمره بشأن اختيار رئيس جديد للحكومة من خارج البدائل التى كانت مرشحة لذلك وهى: باسم البدرى رئيس هيئة العدالة والمساءلة، وحميد الشاطرى رئيس جهاز المخابرات، ومستشار الأمن القومى قاسم الأعرجى، وحيدر العبادى رئيس الوزراء الأسبق، وعمار الحكيم رئيس تيار الحكمة الوطنى، فضلا عن المالكى والسودانى.

 

أولها، أن المرشح الأول للإطار التسيقى الشيعى وهو نورى المالكى كان قد أبدى غضبه الشديد من اتجاه الإطار لسحب ترشيحه كرئيس للحكومة الجديدة تحسبا للغضب الأمريكى، كما أبدى موقفا معارضا لانتخاب البرلمان لنزار آميدى رئيسا للجمهورية، ومن ثم وفى ظل كون ائتلافه يمتلك العدد الأكبر من المقاعد البرلمانية ضمن قوى الإطار – باستثناء ائتلاف الإعمار والتنمية لشياع السودانى الذى تصدر نتيجة الانتخابات الأخيرة نوفمبر 2025 - فإن احتمالية انسحاب المالكى وتياره من الإطار التنسيقى قد تكون واردة، ما يعنى احتمالية فقدان الإطار مسمى "الكتلة البرلمانية الأكبر"، وبالتالى فقدان أحقيتها فى تسمية رئيس الوزراء الجديد، وفى الوقت نفسه فإن المالكى يرفض بشكل قاطع التجديد لشياع السودانى فى منصبه، ويبدى اعتراضا قويا على ذلك، فكان المخرج الوحيد من هذا الجمود، وفى ظل عامل انتهاء المدة الدستورية (15 يوما من تاريخ انتخاب الرئيس)، أن يتم إجراء "توافق مباشر" بين المالكى والسودانى على القبول بخروجهما من معادلة رئاسة الحكومة فى مقابل أن "يتوافقا شخصيا" على اختيار مرشح جديد، وهو ما تم فعليا برعاية فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبى عبر اجتماع مباشر جمع المالكى والسودانى انتهى إلى التوافق على شخصية من خارج "صندوق التوقعات"، فكان توافقهما وباقى قوى الإطار على شخصية على الزيدى، وهو شخصية قانونية ورجل أعمال وله أنشطة اقتصادية واستثماريه ومن شعاراته المهنية ضرورة "تمكين الشباب" فى المجالات المختلفة، وبناء المؤسسات، والإصلاح المالى والمؤسسى والإدارى.

 

ثانيها، عامل التوقيت والمهلة الدستورية؛ فالإطار التنسيقى الشيعى كان أمام اختبار صعب تمثل فى انتهاء المدة الدستورية المخصصة لتسمية رئيس الوزراء فى 26 أبريل الجارى، وهى مهلة الـ 15 يوما بعد انتخاب البرلمان للرئيس فى 11 من الشهر نفسه، وهذا يعنى أن العراق سيدخل فى حالة فرغ دستورى كبير فى ظل بيئة داخلية تشهد ارتدادات اقتصادية صعبة للظرف الإقليمى الراهن والمتمثل فى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، الأمر الذى يتطلب وجود حكومة لديها كافة الصلاحيات الدستورية المطلوبة لقيادة الدولة خلال المرحلة القادمة.

 

ثالثها، عامل "الضرورة" والمتمثل فى الاحتياج إلى رئيس وزراء وحكومة تكون أهم مهامها هو العبور بالعراق من المرحلة الحالية؛ بمعنى أن توافق قوى الإطار التنسيقى الشيعى حول شخصية الزيدى نابع من كونه رجل أعمال له قدر من الخبرة الاقتصادية فى مجال الإدارة المصرفية والمالية ويعمل فى مجال الاستثمار، وبالتالى فمن المرجح أن يكون لحكومته دور مهم فى رسم سياسات اقتصادية تدعم قدرة الدولة على استيعاب نتائج الحرب الإقليمية الراهنة فى تداعياتها الاقتصادية، بما قد ينعكس على مشروعات البنية التحتية التى شهدت طفرة خلال فترة وجود حكومة شياع السودانى، وربما جاء تأييد السودانى للزيدى على خلفية رغبة الأول فى وجود حكومة – لها رؤية اقتصادية - قادرة على استكمال مسار الإعمار والتنمية لمشروعات البنية التحتية، لاسيما الكهرباء والطاقة، وهو مسار نجح السودانى فى وضع أسسه على مدار السنوات الثلاثة الماضية.

أما فيما يتعلق بإدارة السياسة والأمن، فهى مهام ستكون متروكة "ضمنيا" للإطار التنسيقى؛ أى للقوى السياسية المشكلة له وفى مقدمتها ائتلاف تيار دولة القانون للمالكى من ناحية، وللقوى المشكلة لهيئة الحشد الشعبى من ناحية ثانية.

 

دلالات مهمة

اختيار على الزيدى رئيسا للحكومة العراقية وفقا للأسباب السابقة يحمل دلالات لافتة منها:

1- إن نجاح قوى الإطار التنسيقى الشيعى فى العبور من أزمة انقضاء المهلة الدستورية على اختيار رئيس جديد للحكومة يؤشر إلى بداية مرحلة من النضج تتجاوز حالة الانسداد السياسى، ومعالجة الخلل فى كيفية الوصول إلى حالة "توافقات التسوية" التى فشلت التجارب الانتخابية السابقة فى تحقيقها، لاسيما انتخابات 10 أكتوبر 2021، التى تقدم فيها تيار مقتدى الصدر وفشل فى تشكيل الحكومة حتى أكتوبر 2022، حينما تم التوافق على شياع السودانى، وهو ما يدفع إلى القول بأن انتخابات نوفمبر 2025، رغم أنها لم تفرز قوى سياسية جديدة عما هو مألوف باستثناء ظهور ائتلاف الإعمار والتنمية لرئيس الوزراء السابق شياع السودانى، إلا أنها انتخابات أنتجت برلمانا حرص على استكمال الاستحقاقات الدستورية الخاصة بانتخاب الرئيس واختيار رئيس للوزراء، وإن كانت المهلة الدستورية بالنسبة لانتخاب الرئيس كان قد تم تجاوزها، إلا أن الالتزام بالمهلة المحددة لاختيار رئيس الحكومة، والتى لم تخرق إلا بمرور يومين فقط عليها، يعكس حرص القوى السياسية على استكمال مهام مؤسسات الدولة فى ظل ظروف إقليمية صعبة.

 

2- إن رئيس الوزراء الجديد على الزيدى يتميز، ووفقا لما توارد من أنباء، بكونه يتمتع بعلاقات قوية مع كافة القوى السياسية بتياراتها المختلفة سواء داخل البيت الشيعى نفسه، أو مع التيارات السنية والكردية على حد سواء. هذا فضلا عما يقال بشأن وجود علاقة مباشرة وقوية مع مقتدى الصدر وتياره السياسى، ما يعنى أن الزيدى يعد مرشحا نموذجيا وفقا لآلية "التوافق السياسى". ومن المفترض أن ينعكس ذلك على أمرين: على تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الحكومية أولا لاسيما السيادية منها، وعلى أولويات الحكومة عند رسم سياستها سواء الداخلية أو الخارجية ثانيا.

 

3- إن ثمة موافقة أمريكية بصورة أو بأخرى على اختيار الزيدى (بعض المصادر تقول بأن الإدارة الأمريكية لم تعلق بعد على اختيار الزيدى)، وفى هذا الشأن ثمة قراءة تقول بأن الولايات المتحدة تركز اعتراضها الأساسى على نورى المالكى فى حد ذاته، وعلى أى شخصية تكون مختارة من ضمن هيئة الحشد الشعبى، أو من الأذرع السياسية الممثلة لها فى البرلمان، أو مدعومة من بعض الفصائل المسلحة المصنفة لديها كمنظمات إرهابية. ومن ثم فإن اختيار الزيدى يعبر فوق كل هذه "المحظورات الأمريكية" إن جاز التعبير.

 

4- عدم معارضة إيران لاختيار الزيدى بالرغم من أن اختياره جاء على خلفية رفض مناصرها الرئيسى داخل العراق وهو نورى المالكى، كما أن اختيار الإطار التنسيقى للزيدى بخلفيته الاقتصادية القانونية قد يحقق هدفا إيرانيا مهما يتمثل فى وجود شخصية اقتصادية مالية قادرة على إبقاء الوضع على ما هو عليه، فيما يتعلق بكون العراق أحد الدول المستثناة من العقوبات المفروضة على إيران؛ بمعنى أن التعامل المالى والاقتصادى والتجارى بين إيران والعراق، فى ظل وجود شخصية مثل الزيدى فى المنصب السياسى التنفيذى الأهم فى العراق، قد يمثل نوعا من الحفاظ على العراق كنافذة ورئة اقتصادية لإيران خلال المرحلة القادمة من عمر الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضدها.

 

ختاما

 يمكن القول إن نجاح القوى السياسية العراقية فى استكمال الاستحقاقات الدستورية الناتجة عن انتخابات نوفمبر 2025، باختيار من يشغل منصب رئيس الحكومة، يعكس حرص تلك القوى على العبور فوق حالة الانسداد السياسى التى كانت تلوح فى الأفق بعد انقضاء المهلة الدستورية المخصصة لذلك، وهو أمر كاد أن يرفع من الكلفة السياسية والأمنية والاقتصادية للدولة العراقية فى ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كون العراق فى مرمى التداعيات المباشرة لتلك الحرب، وهى الحرب التى تقترب من إحداث تغيير قوى وكبير فى بنية النظام الإقليمى الحالى عامة، وفى طبيعة العلاقات العراقية مع كل من إيران والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

*خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.


30/04/2026