في تطور لافت يعكس تحولات عميقة في الخطاب السياسي التركي، طرح دولت باهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية، مقترحا يمنح عبد الله أوجلان، الزعيم المعتقل لحزب العمال الكردستاني، صفة رسمية ضمن العملية الجارية لإنهاء النزاع الممتد منذ عقود.
المقترح الذي حمل عنوان “منسق عملية السلام والانتقال إلى السياسة” فتح بابا واسعا للنقاش بين القوى السياسية، حيث انقسمت المواقف بين داعمين يرون فيه فرصة تاريخية لإنهاء الصراع الممتد منذ أربعة عقود، ومعارضين اعتبروه تجاوزا خطيرا للثوابت القانونية والسياسية للدولة التركية.
يأتي هذا الطرح في سياق إعادة إحياء مسار التسوية السياسية بعد خطوات ميدانية وسياسية غير مسبوقة خلال العامين الأخيرين.
إعادة تعريف الدور: من سجين إلى “منسق لعملية السلام”
خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه، دعا باهتشلي إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة تتضمن إجراءات سياسية وقانونية، مشددا على أن تجاهل وضع أوجلان لم يعد ممكنا. واقترح منحه صفة “منسق عملية السلام والانتقال إلى السياسة”، معتبرا أن سد “فجوة الوضع القانوني” لأوجلان ضرورة لخدمة هدف “تركيا خالية من الإرهاب”.
وأكد أن هذه الصيغة ليست الوحيدة المطروحة، لكنها تعكس توجها واضحا نحو إدماج أوجلان ضمن إطار مؤسساتي يضبط دوره في المرحلة المقبلة، بدل إبقائه في موقع رمزي غير معرّف.
تحول في خطاب باهتشلي
يمثل موقف باهتشلي تحولا نوعيا بالنظر إلى تاريخه كأحد أبرز رموز التيار القومي المتشدد في تركيا، وتحالفه الوثيق مع الرئيس رجب طيب أردوغان. وكان قد مهد لهذا الطرح منذ أكتوبر 2024، عندما دعا أوجلان إلى إصدار تعليمات بإنهاء العمل المسلح، ملمّحا إلى أن ذلك قد يفتح الباب أمام تحسين وضعه القانوني، وربما الإفراج عنه.
هذا التحول لا يمكن فصله عن التوازنات السياسية الداخلية، حيث تلعب مسألة السلام الكردي دورا في إعادة تشكيل التحالفات البرلمانية، خصوصا في ظل الحاجة إلى دعم إضافي لتمرير تعديلات دستورية محتملة.
بين الواقعية السياسية وإعادة هندسة الدولة
يعكس طرح باهتشلي إدراكا متزايدا بأن الحل الأمني لم يعد كافيا، وأن إدماج الفاعلين الرئيسيين في إطار سياسي منظم قد يكون السبيل الوحيد لتحقيق استقرار دائم. كما يشير إلى محاولة لإعادة هندسة الدولة التركية بما يستوعب التعددية القومية ضمن نظام مركزي مضبوط.
في المقابل، يثير هذا التوجه مخاوف من توظيف العملية لخدمة أجندات سياسية ضيقة، خاصة في ظل غياب ضمانات قانونية واضحة واستقلالية مؤسساتية حقيقية.
حزب “الديمقراطية والمساواة” يرحب: “لحظة تاريخية”
لقي المقترح ترحيبا مباشرا من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM)، المحسوب على التيار الكردي، حيث وصف الرئيس المشارك للحزب تونجر باكيرهان تصريحات باهتشلي بأنها “تاريخية”.
وأكد باكيرهان أن حزبه يدعم الإطار الذي طرحه زعيم الحركة القومية فيما يتعلق بالوضع القانوني لأوجلان والخطوات التشريعية المطلوبة، معتبرا أن عملية السلام لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل.
وشدد على أن نجاح أي تسوية يتطلب شجاعة سياسية وإرادة حقيقية من البرلمان لوضع العملية ضمن إطار قانوني واضح، موجّها رسالة مباشرة إلى أردوغان قال فيها إن “التاريخ يكتبه أصحاب الجرأة”، داعيا الرئيس التركي إلى “كتابة التاريخ” عبر استكمال العملية السياسية.
المعارضة القومية والمحافظة: رفض وغضب وتحذيرات
في المقابل، واجه المقترح موجة رفض قوية من الأحزاب القومية والمحافظة، التي اعتبرت منح أوجلان أي صفة رسمية خطوة تمس أسس الدولة والقانون.
وكان حزب “الجيد” القومي المعارض الأكثر حدة في موقفه، إذ وصف زعيمه مساوات درويش أوغلو المقترح بأنه “جنون سياسي”، متسائلا عن الكيفية القانونية التي يمكن من خلالها منح شخص يقضي حكما بالسجن المؤبد صلاحيات رسمية داخل الدولة.
وقال درويش أوغلو إن ما يجري “يجعل تركيا موضع سخرية”، داعيا الحكومة إلى التراجع عن هذا المسار.
أما أوميت أوزداغ، زعيم حزب “النصر” المعروف بخطابه القومي المتشدد والمعادي للاجئين، فاعتبر أن المقترح نتيجة “مفاوضات مباشرة” مع حزب العمال الكردستاني، محذرا من أن الأمن القومي لا يمكن ضمانه عبر هذه الترتيبات السياسية.
ودعا أوزداغ أنصاره إلى الاصطفاف ضد العملية الحالية دفاعا عن “الدولة القومية الموحدة والعلمانية”.
حزب الرفاه الجديد يطالب باستفتاء شعبي
من جهته، اتخذ حزب “الرفاه الجديد” الإسلامي موقفا أكثر تحفظا، حيث دعا زعيمه فاتح أربكان إلى إجراء استفتاء شعبي بشأن القضية، معتبرا أن الملف تجاوز حدود التصريحات السياسية وأصبح قضية مصيرية تتعلق بمستقبل الدولة.
وأكد أربكان أن حزبه يؤيد هدف “تركيا خالية من الإرهاب”، لكنه يرفض اختزال العملية في الإفراج عن أوجلان أو دمجه في الحياة السياسية.
وأشار إلى أن تصريحات باهتشلي كشفت بوضوح الوجهة النهائية للمشروع السياسي الجاري.
حزب الشعب الجمهوري: دعم مشروط وحذر سياسي
أما حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، فقد تبنى موقفا أكثر حذرا، مؤكدا دعمه لأي خطوات تساهم في تحقيق السلام وتعزيز الديمقراطية، دون الانخراط المباشر في تأييد مقترح منح أوجلان دورا رسميا.
ودعا نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب مراد أمير إلى عدم تجاهل نتائج اللجنة البرلمانية المعنية بعملية السلام، مشددا على ضرورة تحرك البرلمان بشكل جماعي بدل ترك التقارير “على الرفوف”.
هذا الموقف يعكس محاولة الحزب الحفاظ على توازن حساس بين دعم الحل السياسي وعدم خسارة قاعدته القومية.
الخلاصة
أعاد مقترح دولت باهتشلي بشأن منح عبد الله أوجلان دورا رسميا في عملية السلام رسم حدود الانقسام السياسي في تركيا بين دعاة التسوية وأنصار المقاربة الأمنية. وبين الترحيب الكردي والرفض القومي، تبدو أنقرة أمام مرحلة حساسة قد تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والقضية الكردية.
بهتشلي يشيد بـ”آمد سبور” الكردي
من جهة ثانية وفي خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز المجال الرياضي، هنّأ زعيم حزب الحركة القومية التركي دولت بهتشلي نادي “آمد سبور” بصعوده إلى الدوري التركي الممتاز، في موقف يُعد تحولا واضحا في خطابه تجاه النادي الذي لطالما ارتبط بالهوية الكردية، وكان موضع انتقاداته الحادة في السابق.
ووجّه بهتشلي رسالة تهنئة إلى رئيس النادي ناهد إرين عقب تحقيق الفريق إنجاز الصعود لأول مرة في تاريخه إلى “السوبر ليغ”، بعد تعادل مثير بنتيجة 3-3 أمام فريق “ألاگوز هولدينغ إغدير”، مستفيدا من أفضلية المواجهات المباشرة.
تحمل رسالة بهتشلي أهمية خاصة بالنظر إلى مواقفه السابقة، إذ كان قد أنكر في عام 2023 وجود تسمية “آمد”، قائلا: “لا يوجد مكان بهذا الاسم، وبالتالي لا يمكن الحديث عن آمد سبور”، وذلك في أعقاب هجمات عنصرية استهدفت الفريق خلال مباراة خارج أرضه أمام “بورصا سبور”، حيث أشاد حينها بجماهير الفريق المضيف واعتبر سلوكها تعبيرا عن “موقف وطني”.
أما في رسالته الأخيرة، فقد وصف بهتشلي صعود النادي بأنه “إضافة نوعية” لكرة القدم التركية، ومصدر “حيوية وإثارة ونَفَس جديد” للرياضة، معتبرا أن هذا الإنجاز يمثل مكسبا لمدينة ديار بكر وللرياضة الوطنية عموما.
تعكس إشادة بهتشلي بـ”آمد سبور” تحولا أعمق من مجرد موقف رياضي، إذ تأتي في سياق إعادة تشكيل الخطاب القومي التركي تجاه المسألة الكردية، في ظل متغيرات داخلية وإقليمية.
فكرة الاعتراف الرمزي، حتى وإن جاء عبر بوابة الرياضة، تمثل مؤشرا على محاولة إعادة صياغة العلاقة مع الكرد ضمن إطار وطني جامع، خاصة بعد تفكيك البنية المسلحة لحزب العمال الكردستاني.
ومع ذلك، يبقى هذا التحول هشا، وقابلا للتراجع، في ظل استمرار حساسيات الهوية، وغياب تسوية سياسية شاملة تعالج جذور القضية الكردية في تركيا.