×

  رؤى حول العراق

  أفكار أولية في هندسة بناء الدولة



*أ.د عامر حسن فياض

 

 

قل الفعل وكثر الكلام عن بناء وإعادة بناء الدولة في مجتمعات كيانية وليست دولتية عرفتها أغلب شعوب عالم الجنوب التي تتطلع إلى بناء دولة حقة وضمنها العراق؛ فكيف ننتقل بالعراق من كيان أو مجموعة كيانات سياسية إلى دولة حديثة؟

 إن البناء مسار وليس قرارا، كما أنه عملية صيرورة تاريخية وليس رغبة أو نزوة لحظوية عابرة، وهذا المسار يمر عبر محطات تبدأ بفهم وإدراك بناة الدولة للقوانين الجدلية، التي تتحكم بهذا المسار والمتمثلة بقانون التنازع بين الإرادتين الخارجية والداخلية (جدلية الداخل والخارج)، وقانون التنازع بين رغبتي التجزئة والتوحيد (جدلية التجزئة والتوحيد)، وقانون تنازع الهويات (جدلية الهوية السياسية والهويات غير السياسية).

 عند فهم وإدراك البناة لهذه القوانين الجدلية ومعادلاتها والتعامل والتفاعل معها بعقلانية دون تطيير ودون استغراب أو انفعال، ينتقلون بالمسار إلى محطة استحضار مستلزمات البناء (الكرسته) والمتمثلة بالمستلزمات المجتمعية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية)؛ فالمستلزم السياسي لبناء الدولة يتلخص بضرورة هندسة عقد اجتماعي (دستور) موصوف باحتضانه مبادئ أساسية هي: مبدأ التمثيل بالانتخابات، مبدأ التعددية السياسية، مبدأ الفصل بين السلطات، مبدأ استقلالية القضاء، مبدأ احترام حقوق الإنسان، ومبدأ التداول السلمي للسلطة.

 أما المستلزم الاقتصادي لبناء الدولة، ومن دون التيهان في أدلجة الاقتصاد (اشتراكي أو رأسمالي)، فإن عملية بناء الدولة تحتاج إلى اقتصاد مستقر ومتوازن من حيث التوازن ما بين الإنتاج والاستهلاك، ومن حيث كونه يلبي الاحتياجات الأساسية، التي تحفظ كرامة الإنسان المواطن.

 وعلى الباني المهندس للدولة أن يرسم مخارج للاستقرار الاجتماعي لتكون الفئات الوسطى بيضة قبان التوازن تجنبا للتعارضات الاجتماعية والركيزة الاجتماعية للعبور بالعراق، من كيان أو كيانات سياسية إلى دولة حديثة، بحكم إن هذه الفئات تتمتع بالميسورية لا بفقر مدقع أو غنى فاحش، وتتمتع بالاستنارة وبالحجم المناسب بين الكثرة والقلة داخل الخارطة الاجتماعية.

أما المستلزم الثقافي وهو أصعب المستلزمات لبناء وإعادة بناء الدولة الحديثة؛ حيث إن استحضاره يحتاج إلى مجتمع الغلبة فيه للنزعة الفردية على النزعة الجماعية في التفكير وفي السلوك عند أفراده وجماعاته، كما يحتاج إلى مجتمع الغلبة فيه للنزعة العقلانية على النزعة اللاعقلانية في التفكير وفي السلوك؛ عندها يمكن للمهندس الباني للدولة استحضار (السمنت) الثقافي في مسار البناء وإعادة البناء.

المحطة الثالثة في مسار بناء الدولة تتمثل بالعقبات التي ينبغي أن يفهمها الباني في هذا المسار ويحسن إدارتها ومعالجتها وتتلخص بالعقبات الآتية: العوز التشريعي، العجز الخدمي، العوق المؤسساتي، العرج السيادي، العبث بالمال العام، العقم الإنتاجي، العطب المعرفي، عشق الماضي وكراهية المستقبل، والعزوف عن الأولويات.

 أما المحطة الرابعة في مسار بناء وإعادة بناء الدولة فإنها صناعة رجال الدولة (البناة - الأسطوات)؛ فزيادة على ضرورة تمتع الباني بالصفات الشخصية (الخبرة، النزاهة، الشجاعة، الحزم... إلخ)، هناك مواصفات ينبغي أن يتمتع بها رجل الدولة تتلخص بما يأتي: أن يكون تكميليا لا تصفيريا عند توليه منصبا عاما، يتمتع بثقافة الاستقالة لا بثقافة الاستطالة بالمنصب العام عندما يفشل أو يراد له أن يفشل، أن يحسن التفاعل دون الانفعال في عمله السياسي، أن يحسن استخدام الأجندة ليتجنب العزوف عن الأولويات، أن ينظر إلى مكونه القومي والديني والمناطقي من بوابة العراق الواسعة ولا ينظر إلى العراق من ثقب مكونه الضيق، أن يهتم بتنصيب المؤسسات وليس بشخصنة المناصب، أن يعمل من أجل تلازم الديمقراطية بالاستقلال لأن الديمقراطية دون استقلال تعني تبعية وفوضى والاستقلال دون ديمقراطية يعني خلق بيئة صديقة للتفرد والاستبداد، أن يعمل من أجل العلوية التي لا يعلى عليها وهي العلوية الدستورية التي ينبغي أن تعلو على العلويات المصطنعة (التوافقية - الشعبوية - التدخلية الخارجية) وليصبح الدستور حاكما حتى لواضعيه، أن يقر بحق الاختلاف ويقبل المختلف ويتمتع بثقافة التسويات لا التصفيات مع المختلفين معه.

 أخيرا إن مسار بناء الدولة الحديثة لا يعتمد أشخاصا لنظام بل نظاما سياسيا يدار برجال دولة يجيدون التعامل مع الأزمات ويعرضون معالجات لمشكلات مزمنة تعاني منها جميع الأنظمة السياسية بعد بناء الدولة وهي أزمة المشاركة، أزمة الشرعية، أزمة الهوية، أزمة التغلغل، وأزمة التوزيع؛ وإن ما قدمناه مقتربات أولية لهندسة بناء وإعادة بناء الدولة لعراق لا يستحق ماضيه ولا يستحق حاضره بل يستحق مستقبلا أفضل منهما.


17/05/2026