في خضم التعقيدات السياسية التي تشهدها بغداد والأزمات المتلاحقة في إقليم كوردستان، يبرز السؤال الأكثر جوهرية: هل تتجه قمة الهرم السلطوي في العراق أو في الإقليم نحو إرساء قواعد حكم ديمقراطي؟ يُسلط هذا التقرير الضوء حصريا على ملف التداول الإعلامي الحكومي في كلا الجانبين، مستعرضا مقارنة واضحة لآلية انتقال إدارة المنصات الرقمية الرسمية عند تشكيل أي حكومة جديدة، بوصفها مؤشرا دالاً على مدى التقدم نحو التداول السلمي والمؤسساتي للسلطة.
إعلام رئاسة الجمهورية ورئاسة الإقليم: مفارقة في المأسسة
عقب تسلم نزار آميدي رئيس جمهورية العراق الحالي منصبه، جرى تسليم المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية بسلاسة، مع الإبقاء على الأرشيف الكامل وأخبار الرئيس السابق دون أي حذف أو تعديل على الموقع الرسمي، لتستمر الرئاسة في أداء مهامها من القصر الجمهوري كامتداد مؤسساتي طبيعي.
في المقابل، يشهد إقليم كوردستان واقعا مغايرا تماما؛ فمع تسلم رئيس الإقليم الجديد مهامه عام 2019، لم يتم تسليم الموقع الإلكتروني الرسمي ولا مبنى رئاسة الإقليم بالشكل المؤسساتي المطلوب. وامتدادا لهذه السياسة، يفتقر الموقع الحالي لرئاسة الإقليم لأي أرشيف أو أخبار تخص الرئيس السابق. ومنذ تأسيس مؤسسة رئاسة الإقليم عام 2005، يُظهر هذا الملف تراجعا ملحوظاً عن المعايير الديمقراطية، حيث باتت الدوائر الرسمية تفتقر إلى العمل المؤسساتي المستدام.
الإعلام الحكومي: التداول السلمي في بغداد مقابل الشخصنة في أربيل
شهدت بغداد نموذجا جديدا للتداول السلمي والمؤسساتي للسلطة، تمثل في تسليم المواقع الرسمية لرئاسة الوزراء ووزارتي البيئة والنفط إلى المسؤولين الجدد دون المساس بالمحتوى السابق، وهو ما يفتقر إليه إقليم كوردستان حتى الآن.
وعقب نيل الكابينة الوزارية الجديدة ثقة مجلس النواب ومباشرتها لمهامها، لفت الأنظار الالتزام المهني في التعامل مع المنصات الرقمية؛ إذ سارع المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء الجديد إلى نشر خبر مراسم استلام الحقيبة الوزارية دون تعديل أو حذف الأرشيف السابق، تلا ذلك نشر تفاصيل الاجتماع الأول لمجلس الوزراء والخطاب الأول لرئيس الوزراء الجديد، ليواصل الموقع عمله كمؤسسة رسمية تمثل الدولة بأكملها وليس أشخاصاً. ومما أثار الاهتمام أيضا، قيام المنصة بنشر الخطاب الختامي لرئيس الوزراء السابق مع تسليط الضوء على أبرز محاوره ومخرجاته.
وعلى النحو ذاته، جرى تسليم المواقع الرسمية لوزارتي البيئة والنفط للوزراء الجدد دون أي تغيير في بنيتها الإخبارية، لتكون استمراراً للجهود السابقة.
أما في إقليم كوردستان، فالمشهد يبدو مختلفا كليا؛ حيث تعمق غياب المأسسة مع انطلاق الكابينة الوزارية التاسعة لحكومة الإقليم، إذ تم تهميش الموقع الإلكتروني السابق للحكومة وأرشفته في زاوية غير مرئية حتى اختفت آثاره. وتحولت دائرة الإعلام والمعلومات والموقع الرسمي لحكومة الإقليم إلى منبر أحادي مخصص لرئيس الحكومة الحالية فحسب.
غياب العمل المؤسساتي في حكومة الإقليم
يرى مراقبون سياسيون أن ما يشهده إقليم كوردستان حاليا يمثل ابتعادا واضحا عن النهج الديمقراطي ومفهوم الدولة المؤسساتية، مؤكدين أن الإعلام والمواقع الرسمية للحكومة جرى تحزيبها وشخصنتها، وغابت عنها أي ملامح للعمل المؤسساتي المستقل.
ان هذا الخلل الإعلامي ما هو إلا جزء يسير من نهج حوكمة غير متوازن يشهده إقليم كوردستان، وهو ما يسعى الاتحاد الوطني الكردستاني جاهدا إلى تصحيحه مساره وتقويمه.