*المرصد/ فريق الرصد والمتابعة
يشهد مسار التصعيد بين واشنطن وطهران انتقالا متسارعا من مستوى التهديدات السياسية إلى اختبار مباشر لحدود الردع، في ظل مؤشرات على اقتراب المواجهة من نقطة أكثر حساسية بعد جولات من الضربات المتبادلة وتراجع هامش التهدئة.
واعلنت القيادة المركزية الامريكية انها بدأت ضربات دفاعية إضافية يوم الاربعاء الساعة 5:15 مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة ضد أهداف متعددة في إيران
أعلنت القيادة المركزية الامريكية "سنتكوم" استكمال الضربات الدفاعية التي نفذتها ضد إيران، تنفيذا لتوجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة، وذلك ردا على إسقاط مروحية امريكية من طراز أباتشي في اليوم السابق.
وقالت "سنتكوم" إن قواتها استهدفت باستخدام ذخائر دقيقة أنظمة الدفاع الجوي ومحطات التحكم الأرضية ومواقع رادارات المراقبة الإيرانية القريبة من مضيق هرمز، ونفذت الضربات مقاتلات تابعة للقوات الجوية والبحرية الامريكيتين.
وأضافت القيادة المركزية أن العملية جاءت "ردا متناسبا" على الهجمات الأخيرة التي استهدفت القوات الامريكية وسفن الشحن التجارية الدولية العابرة للمياه الإقليمية.
وأكدت "سنتكوم" أن القوات الامريكية لا تزال في حالة يقظة وجاهزية كاملة للتصدي لأي "عدوان إيراني غير مبرر".
في هذا السياق، قال الرئيس الامريكي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة ستستأنف قصف إيران «بعنف شديد» إذا لم يُنجز اتفاق سلام نهائي، مؤكدا أن طهران «ستتعرض لضربة» اليوم، ما يعكس تصعيدا لافتا في سقف الخطاب الامريكي تجاه الملف الإيراني.
وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض، في إشارة إلى إسقاط مروحية «أباتشي» امريكية قرب مضيق هرمز: «سنهاجمهم، سنهاجمهم بعنف شديد، وسنستأنف القصف»، مؤكدا أن إيران «ستتعرض لضربة» الأربعاء.
وكشف ترمب أن الولايات المتحدة تحصل على النفط من إيران، قائلا: «أعلن اليوم للمرة الأولى... أننا نحصل على ملايين البراميل من النفط، ملايين البراميل كل ليلة». وأضاف أن إيران «اكتشفت لتوها هذا الأمر».
وقال ترمب إن أكثر من 200 سفينة تجارية عبرت المضيق بأمان، وتابع: «وجهت جيشنا الامريكي العظيم الشهر الماضي لتنفيذ مهمة سرية لدعم ناقلات النفط والسفن التجارية الأخرى في مضيق هرمز»، لافتا إلى أن الجيش الامريكي أخرج سرا 100 مليون برميل من النفط من مضيق هرمز.
وأضاف: «حصلنا على ملايين البراميل من النفط، ولهذا السبب انخفض سعر البرميل إلى ما بين 85 و90 دولارا، بدلا من 250 دولارا»، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية عن طبيعة هذه العمليات.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى إبرام اتفاق مع إيران، قائلا: «نريد اتفاقا ذا معنى، نريد اتفاقا يمكن إنجاحه». وذكر أن إيران وافقت بالفعل على عدم امتلاك سلاح نووي، لكن الاتفاق «لا يزال بحاجة إلى التوقيع».
وفي مقابلة مع "فوكس نيوز"، لمّح ترامب إلى أنه قد يأمر الجيش الامريكي ببدء استهداف محطات الطاقة والجسور الإيرانية اليوم الأربعاء. وقال ترامب: "قد أستمر في ذلك. لقد أتيحت لهم فرصة لتوقيع اتفاق والنجاة". وأضاف أن طهران "تستغل الوضع لصالح الولايات المتحدة" في محادثات السلام التي لم تحرز تقدما يذكر.
وبعد التصريحات التي أدلى بها ترامب، نقلت "فوكس نيوز" عن مسؤول وصفته بأنه "رفيع" من داخل البيت الأبيض قوله إن "المفاوضات مع إيران لا تزال جارية بشكل غير رسمي". وأضاف: "ردت الولايات المتحدة على الهجوم على مروحية أباتشي، وسيواصل الرئيس ترامب ممارسة أقصى الضغوط للتوصل إلى اتفاق".
رسالة تحذير" إلى طهران
من جهتها، نقلت شبكة "سي أن أن" عن مسؤول امريكي قوله إنّ الضربات الامريكية ضد أهداف إيرانية تهدف إلى توجيه "رسالة تحذير" إلى طهران، مؤكدا أن واشنطن لا تعتقد أن هذه الضربات ستعرقل المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب مع إيران. وأورد موقع بوليتيكو الإخباري عن مسؤول رفيع في البيت الأبيض قوله إنّ الرئيس الامريكي دونالد ترامب ما زال يرى أن اتفاق سلام مع طهران في الأفق، رغم الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة الامريكية على إيران. وقال المسؤول ذاته: "لا شيء يتغير في ما يخص مسار الاتفاق في الوقت الراهن"، مشددا على أن الاتفاق مع إيران "ما زال قريبا".
وشهدت المنطقة في وقت متأخر من مساء الثلاثاء وحتى صباح الأربعاء مواجهات عسكرية بين القوات الامريكية والإيرانية، تُعد الأعنف منذ سريان الهدنة الهشة في الثامن من إبريل/ نيسان الماضي حتى اليوم، مقارنة باشتباكات ليلية تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة في الخليج ومضيق هرمز والسواحل الإيرانية. ووقعت الاشتباكات بعد نحو يومين من مواجهة محدودة بين إيران وإسرائيل، زعم ترامب أنه لم يكن يرغب فيها وسعى لوقفها.
وجاءت الاشتباكات الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية اتهامات للأخيرة بإسقاط مروحية امريكية فوق مضيق هرمز، وهو حادث لم تتبنّه القوات المسلحة الإيرانية، فضلا عن أنها وصفته بأنه "ذريعة واهية" لشنّ هجمات على إيران.
وزير الحرب الامريكي: سنضرب إيران بقوة الليلة
من جهته قال وزبر الحرب الامريكي بيت هيغسيث، يوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة ستضرب إيران بقوة الليلة. وأضاف أن الضربات ستعزز الموقف الدبلوماسي ومصالح الجيش الامريكي.
وقال هيغسيث إن الضربات ستستهدف منشآت رئيسية داخل إيران، مضيفا أنها "ستعزز الموقف الدبلوماسي وتحمي مصالح الجيش الامريكي".
وشدد على أن إيران "هي الطرف الأضعف"، وأن الحصار الذي تفرضه واشنطن عليها "متين وصارم"، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي.
وأضاف وزير الحرب الامريكي: "نحمي ناقلات النفط والسفن التجارية لعبور مضيق هرمز، وإيران لن تتمكن من وقف الملاحة".
وأفاد موقع «أكسيوس»، نقلا عن مسؤول امريكي كبير، بأن الضربات الامريكية الأخيرة على إيران هدفت إلى «استعادة بعض النفوذ» في المفاوضات، لكن بصورة «مدروسة ومحدودة» لا تؤدي إلى سقوط قتلى أو إغلاق باب التوصل إلى اتفاق.
وقال مسؤولان في البيت الأبيض للموقع إن واشنطن قررت الرد على إسقاط مروحية «أباتشي» قرب مضيق هرمز، حتى لو كان الحادث عرضيا، لأن عدم الرد كان سيظهر الولايات المتحدة «بمظهر الضعيف»، ويؤثر سلبا على موقعها التفاوضي مع طهران.
وأضاف أحد المسؤولين أن الضربات الامريكية استهدفت أنظمة رادار وتحكم بالمسيرات، مع تجنب وقوع خسائر بشرية إيرانية، مؤكدا أن واشنطن أبلغت طهران مسبقا بأن الهجمات ستقتصر على منشآت عسكرية.
وحسب «أكسيوس»، أبلغ البيت الأبيض الإيرانيين قبل الضربات أن «الوقت بدأ ينفد» للحصول على رد واضح بشأن المقترح الامريكي الأخير، لكن طهران قالت إنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الوقت، مع تحذيرها من الرد على أي هجوم امريكي.
ونقل الموقع عن مسؤول امريكي أن ترمب ازداد إحباطا خلال الأسبوعين الماضيين بسبب تأخر الرد الإيراني على المقترح الامريكي المعدل، إضافة إلى انتقادات داخلية عدت أنه يتساهل مع طهران.
وأضاف أن ترمب طلب إدخال تعديلين على مسودة التفاهم، يشملان خفض تخصيب اليورانيوم الإيراني خلال 60 يوما، وتعهد طهران بعدم فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، مقابل السماح بخفض التخصيب داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
طهران لن تتراجع أمام التهديدات الامريكية
من جانبه، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن استهداف البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات النقل وقطاعا الكهرباء والمياه، لا يمثل «استعراضا للقوة»، بل يعكس «عجزا أمام إرادة شعب».
وأضاف بزشكيان، في منشور على منصة «إكس»، أن إيران ستبقى صامدة في مواجهة أي ضغط أو تهديد، مستندة إلى «معرفة وقدرات المتخصصين والوحدة الوطنية والتضامن».
وقال رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، النائب المتشدد إبراهيم عزيزي وهو جنرال في «الحرس الثوري» إن «هذه المرة لن تقتصر الحرب على المنطقة».
وردا على تهديد ترمب، قال المتحدث الأعلى باسم القوات المسلحة الإيرانية، أبو الفضل شكارجي، إن طهران لن تتراجع أمام التهديدات الامريكية، مضيفا أنها ردت «بما يتناسب مع كل تهديد» منذ يونيو (حزيران) العام الماضي.
وأضاف شكارجي أن إيران سترد هذا العام «بشكل أشد وأقوى» إذا تعرضت لتهديدات جديدة، مشددا على أن القوات المسلحة «مستعدة لمواجهة أي تصعيد».
وفي وقت سابق اليوم، قال «الحرس الثوري» الإيراني إنه استهدف قواعد امريكية في الأردن والكويت والبحرين «ردا على العدوان الامريكي الجديد» الذي استهدف مواقع إيرانية قرب مضيق هرمز. وحذر من أنه مستعد لرد «ساحق وحاسم» على أي هجوم امريكي جديد.
وجاء التصعيد في وقت تزداد فيه الشكوك حول فرص التوصل إلى اتفاق يُنهي الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) بضربات امريكية - إسرائيلية مشتركة ضد إيران، رغم تأكيدات ترمب المتكررة أن واشنطن وطهران «قريبتان جدا» من تفاهم نهائي.
غوتيريس يحذر من انزلاق الشرق الأوسط إلى أزمة تتجاوز المنطقة
وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس من "انزلاق الشرق الأوسط بشكل مستمر نحو أزمة تتجاوز تداعياتها حدود المنطقة". وجاءت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن في نيويورك خلال اجتماع رفيع المستوى ترأسه الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، الذي تتولى بلاده رئاسة مجلس الأمن للشهر الحالي. وتمحور الاجتماع حول موضوع "الحلول السياسية في الشرق الأوسط: الوساطة والحوار من أجل سلام دائم".
الوزاري الخليجي يحذر إيران
دان المجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي الاعتداءات الإيرانية على البحرين والكويت والأردن، التي وقعت اليوم الأربعاء، واعتبرها "عدوانا سافرا على سيادة الدول وأمن شعوبها وسلامة أراضيها، وانتهاكا صارخا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار". وأكد المجلس، في بيان أصدره في ختام اجتماعه الذي عقد في المنامة اليوم الأربعاء، أن أمن دول مجلس التعاون "كلٌّ لا يتجزأ"، وأن أي اعتداء على إحداها يُعد اعتداء عليها جميعا.
كما جدد المجلس الوزاري الخليجي تمسك دوله "بخيار السلام وحسن الجوار والحلول الدبلوماسية سبيلا لتسوية الخلافات"، محذرا من أن التمادي في نهج العدوان لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة، ومؤكدا أن باب التفاهم يظل قائما ومفتوحا "لمن يختار لغة الحكمة وحسن الجوار".
وشدد المجلس على أن "هذه الأعمال العدائية لا تخدم أي تفاهم أو تقارب، بل تباعد بين الشعوب، وتقوض أسس الثقة، وتزرع الشقاق". كما أعرب عن تضامنه الكامل مع البحرين والكويت والأردن. وطمأن المجلس مواطني دوله والمقيمين على أراضيها بأن "قدرات الدفاع المشترك ومنظومات الدفاع الجوي تتصدى لهذه الاعتداءات بكفاءة وجاهزية عاليتين".
وأكد المجلس الوزاري الخليجي كذلك "حق دوله الثابت والمشروع في الدفاع عن نفسها فرادى وجماعات"، وحمّل إيران المسؤولية الكاملة عن هذه الأعمال وتداعياتها الخطيرة على أمن المنطقة والملاحة الدولية وإمدادات الطاقة، مطالبا بوقفها فورا والكف نهائيا عن أي استهداف لدول المجلس ومصالحها ومواطنيها. كما دعا مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياتهما في إدانة هذا العدوان ومحاسبة مرتكبيه، بما يضمن احترام سيادة الدول وحفظ السلم والأمن الإقليمي والدولي.
قرار دولي يضغط على إيران لكشف مخزونها النووي
الى ذلك أقر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأربعاء، قرارا مدعوما من الولايات المتحدة يطالب إيران بالإعلان عن مخزوناتها المتبقية من اليورانيوم المخصب، والسماح لمفتشي الوكالة بالتحقق منها، في خطوة قد تعقّد المحادثات الجارية بين واشنطن وطهران.
ولم تبلغ إيران حتى الآن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمصير تلك المواد، كما لم تسمح لمفتشي الوكالة بالعودة إلى المواقع التي تعرضت للقصف للتحقق منها.
وقال دبلوماسيون حضروا الاجتماع المغلق إن مشروع القرار، الذي تقدمت به الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، أُقر بأغلبية 21 صوتا مقابل 3 أصوات معارضة و10 امتناعات عن التصويت.
وأضاف الدبلوماسيون أن الدول التي صوتت ضد القرار هي روسيا والصين والنيجر، فيما لم يُسمح لفنزويلا بالمشاركة في التصويت.
وينص القرار على إلزام طهران بتقديم معلومات كاملة بشأن «مخزونها من المواد النووية» وتصميم منشآتها، ومنح الوكالة التابعة للأمم المتحدة «كل ما يلزم من صلاحيات» للتحقق من تلك المعلومات على الأرض.
وفي أول رد إيراني رسمي على القرار، اعتبرت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة في فيينا أن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية تبنى «بأغلبية مهزوزة» قرارا «سياسيا» جديدا ضد الأنشطة النووية «السلمية» الإيرانية، ووصفت الخطوة بأنها «تفتقر إلى المهنية المتوقعة من هيئة فنية».
هل تضرّ الهجمات المتبادلة بمفاوضات وقف الحرب
تقديرات بعض مراكز الأبحاث الامريكية تشير إلى أن الطريق نحو اتفاق لا يزال مليئا بالعقبات، رغم استمرار الحديث عن فرص التوصل إلى تسوية.
ويرى تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن المفاوضات بين واشنطن وطهران وصلت إلى حالة من الجمود، في ظل استمرار التصعيد العسكري وتضارب الإشارات الصادرة عن الطرفين بشأن مستقبل المحادثات. ويشير التقرير إلى أن الخلافات لا تقتصر على الملف النووي، بل تمتد إلى قضايا أخرى، من بينها مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، والتعويضات التي تطالب بها إيران، وآليات العودة إلى طاولة التفاوض.
وبحسب التقرير، فإن استئناف المفاوضات يتطلب أولا التوصل إلى تفاهمات تمهيدية تتيح للطرفين العودة إلى المسار التفاوضي، وهي خطوة لا تزال متعثرة حتى الآن. ويعتبر التقرير أن الضربات العسكرية الأخيرة تزيد من تعقيد هذه المرحلة، خصوصا مع استمرار الخلاف بشأن شروط إعادة فتح مضيق هرمز، وحجم التنازلات التي يمكن أن يقدمها كل طرف قبل الدخول في مفاوضات أوسع تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.