*د. شيلان فتحي
من إدارة الأزمات إلى صناعة المكانة الاستراتيجية
يمر الشرق الأوسط بمرحلة تاريخية تتسم بإعادة ترتيب عميقة في منظومة التوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية. فالصراعات العسكرية، وتبدل أولويات القوى الدولية، وتصاعد أهمية الجغرافيا الاقتصادية، وإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي، إلى جانب التحولات التي تشهدها التحالفات ومراكز القوة، تشير جميعها إلى أن النظام الإقليمي الذي تشكل خلال العقود الماضية لم يعد قادرا على استيعاب التحولات الجديدة أو تفسيرها بصورة كاملة.
وفي خضم هذه البيئة المتحركة، يجد الكورد أنفسهم أمام لحظة استراتيجية تتجاوز حدود الخلافات السياسية اليومية والحسابات الحزبية. فالتحدي لم يعد يتمثل فقط في المحافظة على المكتسبات السياسية والدستورية التي تحققت خلال العقود الماضية، وإنما في تحويل هذه المكتسبات إلى مكانة استراتيجية مستدامة تتيح للكورد التأثير في مسار النظام الإقليمي الذي يتشكل، بدلا من الاكتفاء بالتكيف مع نتائجه.
من هنا تبرز الدبلوماسية باعتبارها أحد أهم أدوات حماية المصالح السياسية وتعزيز المكانة الاستراتيجية. غير أن الدبلوماسية المطلوبة في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تظل أسيرة منطق رد الفعل أو إدارة الأزمات بعد وقوعها، بل ينبغي أن تنتقل إلى دبلوماسية استباقية مثمرة و نشطة قادرة على قراءة التحولات قبل اكتمالها، واستشراف السيناريوهات المحتملة، وبناء البدائل، وتحويل المصالح الكوردية إلى مصالح مشتركة مع القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، تكتسب تجربة الرئيس الراحل جلال طالباني أهمية خاصة وليس المقصود استنساخ تجربته حرفيا، لأن لكل مرحلة تاريخية شروطها وأدواتها، وإنما الاستفادة من بعض المبادئ التي حكمت ممارسته السياسية والدبلوماسية، وفي مقدمتها القدرة على التواصل مع الخصوم، وإدارة التناقضات، والحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، وعدم السماح للخلاف السياسي بأن يتحول بصورة تلقائية إلى قطيعة استراتيجية.
لقد أدرك الراحل طالباني، في وقت مبكر، أن الجغرافيا السياسية للكورد تفرض نمطا خاصا من العمل الدبلوماسي. فالكورد يعيشون في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية كبرى، وتتداخل فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية للدول المحيطة، فضلا عن تنافس القوى الدولية. ولذلك فإن بناء السياسة الخارجية على أساس المواجهة الدائمة مع طرف إقليمي أو دولي سيؤدي بالضرورة إلى تقليص هامش الحركة السياسية.
كان منطق مام جلال يقوم، إلى حد كبير، على إمكانية الاختلاف مع الآخر دون قطع الحوار معه، والاختلاف استراتيجيا دون تحويله إلى عدو دائم، والدفاع عن المصالح الذاتية من دون التعامل مع مصالح الآخرين باعتبارها تهديدا دائما. وهذه القاعدة تظل ذات أهمية كبيرة في المرحلة الراهنة، لأن الدبلوماسية ليست مجرد البحث عن الأصدقاء، وإنما هي في جوهرها إدارة الاختلاف ومنع تحوله إلى صراع، وتقليل كلفة التناقضات على المصالح الوطنية.
وتظهر أهمية هذه الرؤية بوضوح في تجربة طالباني داخل العراق بعد عام 2003، ولا سيما مع انتقال النظام السياسي العراقي من مرحلة الحكم الشمولي إلى نظام سياسي جديد قائم على التعددية والشراكة. فقد أصبح طالباني عام 2005 رئيسا لجمهورية العراق في مرحلة شديدة التعقيد، ولم تكن أهمية وصول شخصية كوردية إلى هذا الموقع مقتصرة على البعد الرمزي، بل تمثلت أيضا في انتقال الدور الكوردي من موقع «المكون» إلى موقع «الشريك في صناعة النظام السياسي».
وهنا تكمن إحدى أهم الدروس الاستراتيجية: فالدبلوماسية الناجحة لا تكتفي بالمطالبة بالحقوق، وإنما تسعى إلى بناء منظومة سياسية تصبح فيها هذه الحقوق جزءا من استقرار النظام نفسه. وكلما تحولت مصالح طرف ما إلى مصالح مشتركة مع الأطراف الأخرى، أصبحت تلك المصالح أكثر قدرة على الصمود والاستمرار. ومن هذا المنظور، تحتاج الدبلوماسية الكوردية إلى إعادة تعريف مفهوم التحالفات. فالعلاقات الدولية لا تقوم على الصداقة الدائمة أو الخصومة الدائمة، وإنما تحكمها المصالح والأمن والاقتصاد والجغرافيا والتوازنات. ولذلك فإن الرهان على «حامٍ خارجي» للقضية الكوردية يظل خيارا محدودا، لأن القوى الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها وفقا لمصالحها المتغيرة. والبديل الأكثر واقعية هو بناء شبكة واسعة من المصالح المتبادلة تجعل استقرار إقليم كوردستان والعراق مصلحة مشتركة لأكبر عدد ممكن من الأطراف. فكلما ارتبطت مصالح الدول والمؤسسات والشركات الدولية باستقرار الإقليم، ازدادت تكلفة عدم الاستقرار بالنسبة إليها، وأصبح الاستقرار الكوردي جزءا من حساباتها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تكتسب الجغرافيا الاقتصادية أهمية متزايدة. فالطاقة، والمياه، والطرق التجارية، والمنافذ الحدودية، والمطارات، والاستثمار، والسياحة، والتعليم العالي، والتكنولوجيا، يمكن أن تتحول جميعها إلى أدوات للدبلوماسية فالقوة في النظام الدولي المعاصر لم تعد تقاس فقط بالقدرات العسكرية، وإنما أيضا بقدرة الدولة أو الكيان السياسي على الاندماج في شبكات الاقتصاد الإقليمي والدولي.
ومن هنا فإن الدبلوماسية الكوردية ينبغي ألا تبقى محصورة في المؤسسات السياسية الرسمية والسفارات والاتصالات الحكومية، بل يجب أن تتوسع نحو الدبلوماسية الاقتصادية والعلمية والثقافية. فكل مشروع استراتيجي يربط إقليم كوردستان بالعراق وتركيا وإيران وأوروبا وآسيا يمكن أن يتحول إلى رابطة سياسية واقتصادية طويلة الأمد، وكلما ازدادت المصالح المرتبطة بالإقليم، ازدادت أهمية استقراره بالنسبة إلى الشركاء الإقليميين والدوليين.
أما العلاقة مع بغداد، فتحتاج بدورها إلى انتقال نوعي من إدارة الخلاف إلى بناء عقد سياسي واقتصادي جديد. فالعلاقة بين أربيل وبغداد ستظل إحدى أهم محددات مستقبل إقليم كوردستان داخل الدولة العراقية، ولذلك فإن استمرار العلاقة ضمن دائرة الأزمات الدورية لن يكون كافيا لمواجهة التحديات المستقبلية.
اذن المطلوب هو بناء شراكة مؤسساتية طويلة الأمد تستند إلى الدستور، والمصالح الاقتصادية المشتركة، والتفاهم السياسي، وآليات واضحة لحل الخلافات. فالعراق يحتاج إلى الاستقرار والطاقة والاستثمار، في حين يحتاج إقليم كوردستان إلى عمق اقتصادي وسياسي عراقي وضمانات مؤسساتية وقانونية مستقرة. ومن ثم فإن المصالح المشتركة يمكن أن توفر قاعدة أكثر صلابة للعلاقة من التفاوض المستمر عند كل أزمة.
غير أن نجاح أي استراتيجية خارجية سيظل محدودا إذا لم يرافقه إصلاح داخلي. فالدبلوماسية لا تستطيع تعويض الانقسام السياسي الداخلي عندما يتعلق الأمر بالملفات الاستراتيجية. والوحدة المطلوبة هنا ليست وحدة حزبية ولا تعني إلغاء التعددية السياسية أو المنافسة الديمقراطية، وإنما تعني الاتفاق على المصالح العليا التي تمس مكانة الإقليم الدستورية وأمنه ومستقبله وعلاقاته الخارجية.
فمن أخطر السيناريوهات أن تدخل القوى الكوردية مرحلة إعادة تشكيل المنطقة برؤى متعارضة حول الملفات الاستراتيجية، بينما تدخل القوى الإقليمية والدولية هذه المرحلة بأجندات واضحة ومؤسسات متخصصة ومراكز أبحاث قادرة على إنتاج البدائل. وفي السياسة الدولية، لا تكفي عدالة القضية؛ فالقضية العادلة تحتاج إلى مؤسسات تحميها، وخطاب يقنع الآخرين بها، واستراتيجية تحولها إلى مصالح قابلة للاستمرار. ومن هنا تبرز أهمية القوة الناعمة والشرعية التأريخية فالقضية الكوردية تحتاج إلى حضور يتجاوز لحظة الأزمة الأمنية والسياسية، وإلى أن يعرف العالم الكورد باعتبارهم مجتمعا يمتلك تجربة سياسية وثقافية واقتصادية ومؤسساتية، وليس فقط باعتبارهم طرفا يظهر في أوقات الصراعات.
من جانبها تستطيع الجامعات ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام والجاليات والمؤسسات الثقافية والاقتصادية أن تؤدي دورا مهما في بناء هذا الحضور. فالقوة الناعمة لا تحقق نتائج فورية، لكنها تبني على المدى الطويل رأس مال سياسي وثقافي يمكن توظيفه في الأزمات والمفاوضات.
والأكثر إلحاحا هو الانتقال إلى مفهوم الدبلوماسية الوقائية. فالمطلوب ليس انتظار الأزمة ثم إرسال الوفود إلى العواصم، وإنما بناء مؤسسات قادرة على اكتشاف مؤشرات الأزمة قبل وقوعها. وهذا يتطلب مراكز متخصصة تتابع التحولات في السياسات الامريكية والأوروبية والروسية والتركية والإيرانية والعراقية، وتدرس اتجاهات الاقتصاد والطاقة والأمن، وتضع سيناريوهات متعددة وخطط استجابة مسبقة.
إن الدبلوماسية الحديثة هي، في جانب أساسي منها، القدرة على معرفة أين يمكن أن تبدأ الأزمة، وما القوى التي ستتأثر بها، وما المصالح التي تحرك أطرافها، وما البدائل الممكنة قبل أن تضيق مساحة الخيارات.
وفي هذا الإطار، لا تعني الواقعية السياسية التخلي عن المبادئ، وإنما تعني إدراك طبيعة البيئة التي تتحرك فيها هذه المبادئ. فانسحاب القوات الامريكية أو قوات التحالف الدولي من العراق والمنطقة، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية الوجود العسكري، بل من خلال ما قد ينتج عنه من تحولات في التوازنات الأمنية والسياسية والإقليمية. والواقعية الحقيقية هي القدرة على حماية المصالح والمبادئ في عالم تحكمه المصالح والقوة والتفاوض.
لذلك فإن السؤال الاستراتيجي ليس فقط: هل القضية الكوردية عادلة؟ وإنما: كيف يمكن جعل الدفاع عن هذه القضية متوافقا مع مصالح الآخرين؟
ربما يكون أفضل تكريم لتجربة مام جلال ألا نحاول إعادة إنتاج سياسته كما كانت، وإنما تحويل بعض فلسفته السياسية إلى مؤسسات ومعرفة واستراتيجية. فقد كانت إحدى نقاط قوته قدرته على فهم مواقف الآخرين، والتواصل مع المختلفين، والبحث عن المساحات المشتركة بين الأطراف المتناقضة.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مدرسة دبلوماسية كوردية حديثة، تمتلك المعرفة والمؤسسات والكوادر ومراكز التفكير والقدرة على إدارة العلاقات المتعددة في وقت واحد.
فالهدف ليس البحث عن حليف أقوى يحمي الكورد، وإنما بناء منظومة مصالح تجعل من استقرارهم مصلحة مشتركة لأكبر عدد ممكن من الأطراف. وفي شرق أوسط تتغير فيه التحالفات وتُعاد فيه صياغة موازين القوة، فإن أفضل استراتيجية للكورد ليست انتظار ما ستقرره القوى الكبرى بشأن مستقبلهم، بل امتلاك القدرة على التأثير في القرارات التي تتعلق بهذا المستقبل.
فالمكانة الاستراتيجية لا تُمنح، وإنما تُبنى. وهي نتاج تفاعل بين وحدة الداخل، وقوة المؤسسات، و واقعية السياسة، وذكاء الدبلوماسية، وعمق الاقتصاد، ووضوح الرؤية. وإذا استطاعت الدبلوماسية الكوردية أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المصالح، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ومن البحث عن الحماية الخارجية إلى بناء الاعتماد المتبادل، فإن التحولات الجارية في الشرق الأوسط قد لا تكون مجرد مصدر للمخاطر، بل يمكن أن تتحول إلى فرصة تاريخية لإعادة تعريف المكانة الكوردية المفترضة داخل النظام الإقليمي المقبل.