بغداد: هدى العزاوي :في ظل التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، تبرز الحوكمة والإصلاح المؤسسي بوصفهما من أهم الأدوات القادرة على بناء إدارة أكثر كفاءة ونزاهة. ويرى مختصون أن تبسيط الإجراءات الحكومية والتحول الرقمي وتطوير أنظمة الرقابة والمساءلة، وهي النقاط التي أكد عليها المنهاج الحكومي، تمثل خطوات أساسية للحدِّ من الفساد وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة.
وقال الخبير الممارس في تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، سعيد ياسين موسى، في حديث لـ»الصباح»: إن «تبسيط الإجراءات الحكومية يُعدُّ من أهم التدابير الوقائية في تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، انسجاما مع التزامات العراق بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ولاسيما ما يتعلق بالتدابير الوقائية وإبلاغ المواطنين بالمعلومات».
وأوضح، أن «حوكمة الإجراءات الحكومية تبدأ باعتماد نظام إلكتروني مؤمّن للمراسلات بين المؤسسات الحكومية، إلى جانب توظيفه في تبسيط إجراءات مراجعة المواطنين للمؤسسات العامة، الأمر الذي يسهم في الحدِّ من جرائم الرشوة والابتزاز عبر تقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمواطن، فضلا عن اختصار الوقت وتسريع إنجاز المعاملات اليومية، خاصة تلك المرتبطة بحياة المواطنين، والحدّ من متطلبات صحة الصدور للوثائق والمستمسكات».
وأضاف أن «لهذه الإجراءات آثارا اقتصادية إيجابية مهمة، من خلال تسهيل إصدار إجازات تسجيل الشركات وإجازات البناء، واعتماد أنظمة لتلقي الشكاوى ومتابعتها، حيث تكون تلك الأنظمة خاضعة للرقابة بما يضمن متابعة سرعة الإنجاز ومراجعة الأداء وتقييمه بشكل مستمر». وأشار إلى أن «بعض المؤسسات الحكومية حققت تقدما في هذا المجال، إلا أن الأمر ما زال يتطلب متابعة دائمة وتطويرا مستمرا».
وأكد موسى، أن «اختزال الزمن وتقليل حركة المراجعين بين المؤسسات الحكومية يوفران الكثير من الجهد والكلفة، ويحدان من فرص الابتزاز، فضلا عن تعزيز احترام كرامة المواطن أثناء حصوله على الخدمات العامة».
مبادرة وطنية
وبيّن، أن «مبادرة وطنية لتبسيط الإجراءات الحكومية أُطلقت عام 2015، وأن من أبرز آثارها الإيجابية تشجيع المؤسسات العامة على اعتماد سياسة الإفصاح الاستباقي عن المعلومات لتعزيز الشفافية، من خلال نشر بيانات العقود والمشتريات الحكومية وتحليل العروض الفنية للشركات، إلى جانب متابعة تنفيذ العقود عبر الأنظمة المعتمدة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، بما يشمل مراقبة إطلاق التخصيصات المالية وشهادات جودة التنفيذ».
وأشار، إلى أن «متابعة تنفيذ العقود وفق الجداول الفنية والهندسية والزمنية تسهم في الحدِّ من حالات التلكؤ، كما توفر حماية لشركات القطاع الخاص المنفذة من محاولات الابتزاز المالي والرشوة».
إجراءات رادعة
من جانبه، قال مدير منظمة راصد للنزاهة، عبد الرزاق كامل السلطاني، في حديث لـ»الصباح»: إن «أبناء الشعب العراقي اعتادوا الاطلاع على البرامج السياسية للحكومات المتعاقبة، واستمعوا مرارا إلى الوعود والإعلانات المتعلقة باتخاذ إجراءات رادعة بحق الفاسدين، والجميع يرجو ان تكون النتائج المتحققة على أرض الواقع جيدة وملموسة».
وأضاف، أن «هناك تفاؤلا بأن تتخذ حكومة رئيس مجلس الوزراء،علي الزيدي، خطوات حقيقية وحازمة لاجتثاث الفساد من جذوره، واستعادة هيبة الدولة ومؤسساتها». وأشار إلى أن «من أبرز الإجراءات التي ينبغي البدء بها اعتماد الحوكمة والأتمتة، لما لهما من دور في تقليل الروتين الإداري والحدّ من الحلقات الفاسدة التي تعرقل مصالح الدولة والمواطنين، وتستنزف المال العام وتستفيد من الأزمات».
أدوات فاعلة
المتخصص في حوكمة وأمن تكنولوجيا المعلومات، علي أنور عيسى، قال في حديث لـ»الصباح»: إن «الحوكمة تمثل إحدى أهم الأدوات الفاعلة للحدِّ من الفساد وتعزيز الشفافية داخل المؤسسات»، موضحا أنها «لا تقتصر على مجموعة من اللوائح والتعليمات، بل تشكل منظومة متكاملة تجعل السلطة مقيدة بالقواعد والقرارات خاضعة للمراجعة والمساءلة».
وأوضح، أن «الفساد ينمو عادة في بيئات تتوافر فيها سلطة واسعة مع غياب الرقابة وضعف الشفافية، فيما تسهم الحوكمة في معالجة هذه العوامل من خلال تحديد الصلاحيات والمسؤوليات بوضوح، ومنع تداخل الأدوار وتضارب المصالح، فضلا عن ترسيخ مبدأ المساءلة بحيث يكون لكل قرار مسؤول معروف يمكن محاسبته، والانتقال من ثقافة غياب المسؤولية إلى ثقافة المسؤولية المحددة والواضحة».
وأضاف عيسى، أن «الشفافية والإفصاح عن المعلومات المالية والإدارية ومؤشرات الأداء يحدان من فرص الفساد»، لافتا إلى أن «إدارة المخاطر والرقابة الداخلية تساعدان على منع المخالفات قبل وقوعها بدلا من الاكتفاء باكتشافها بعد حدوثها». كما أشار إلى أن «التحول الرقمي يسهم في تقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، ويوفر توثيقا إلكترونيا للإجراءات يصعب التلاعب به».
وبيّن، أن «التجارب الدولية أثبتت أن مكافحة الفساد لا تتحقق عبر العقوبات والشعارات فقط، وإنما من خلال إصلاح المؤسسات»، موضحا أن «تبسيط الإجراءات الحكومية وتقليل الموافقات واختصار الدورة المستندية وتوحيد النوافذ الخدمية من شأنه تقليل فرص الرشوة والابتزاز».وأشار، إلى أن «الرقمنة والتحول الإلكتروني يجعلان المعاملات مؤرشفة وقابلة للتتبع، مما يقلل التدخل الشخصي، فيما يعدُّ إصلاح أنظمة المشتريات والعقود الحكومية من أهم متطلبات مكافحة الفساد، عبر اعتماد المنافسة العادلة والإعلان المفتوح والتقييم الموضوعي ونشر نتائج الإحالة».
وأكد عيسى، «أهمية تعزيز استقلالية أجهزة الرقابة والتدقيق ومنحها الصلاحيات اللازمة للوصول إلى المعلومات، فضلا عن اعتماد مؤشرات الأداء التي تركز على النتائج المتحققة بدلا من الاقتصار على حجم الإنفاق، إلى جانب توفير الحماية للمبلغين عن الفساد باعتبارهم مصدرا مهما لكشف المخالفات من داخل المؤسسات».
وفي ما يتعلق بالتحديات التي تواجه تطبيق الحوكمة والإصلاح المؤسسي، أوضح أن «أبرزها يتمثل في مقاومة التغيير من قبل بعض المستفيدين من الأوضاع القائمة»، مبينا أن «تجاوز ذلك يتطلب دعما سياسيا وإداريا واضحا، وبناء ثقافة مؤسسية جديدة، وربط الحوافز ببرامج الإصلاح».
كما لفت عيسى، إلى أن «ضعف البيانات يشكل عائقا أساسيا أمام الإدارة والرقابة الفاعلة، الأمر الذي يستدعي بناء قواعد بيانات موحدة وتحسين جودتها وتبني سياسات واضحة لحوكمتها». وأضاف أن «ضعف القدرات المؤسسية يتطلب الاستثمار في التدريب المستمر وتطوير القيادات وبناء الكفاءات المتخصصة».
وأشار، إلى أن «غياب الاستمرارية يعدُّ من التحديات المهمة، إذ إن كثيرا من برامج الإصلاح تتوقف بتغير المسؤولين، ما يستوجب تحويلها إلى سياسات مؤسسية دائمة مدعومة بتشريعات ملزمة ومؤشرات متابعة دورية».
وختم عيسى حديثه بالتأكيد على «ضرورة التمييز بين الرقابة والحوكمة»، موضحا أن «الرقابة تركز على اكتشاف الفساد، في حين تعمل الحوكمة على تصميم الأنظمة والإجراءات بطريقة تقلل احتمالية حدوثه من الأساس». وأكد أن «الفساد لا يمثل مشكلة أخلاقية فحسب، بل يرتبط في كثير من الأحيان بضعف تصميم المؤسسات، وأن بناء مؤسسات قائمة على الشفافية والمساءلة والرقابة الفاعلة والتحول الرقمي يسهم في منع البيئة الحاضنة للفساد وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، بما يجعل الحوكمة شرطا أساسيا للتنمية المستدامة».
*صحيفة" الصباح"