*المستشار القانوني عمر عبدالرحمن علي
دستور إقليم كوردستان ضرورة تاريخية ومصيرية في الوقت الحاضر الذي يمر فيها العراق عموما وإقليم كوردستان خصوصا، تجاه تغييرات سياسية مهمة في المنطقة، بعد مضي أكثر من مائة عام على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بتغييرات خارطة الشرق الأوسط والمتغيرات الجيوسياسية، وكواقع دستوري وقانوني ضمن إطار دستور العراق النافذ لسنة 2005 وإقرارها بدستورية الإقليم وسلطاتها القائمة ضمن المادة (117) من دستور العراق، وكما للإقليم حق في وضع دستور خاص به ضمن أطر دستور العراق، بتجديد هيكلة سلطاتها وتحديد صلاحياتها وبيان آلية ممارسة تلك الصلاحيات، ولمعرفة ماهية تلك القواعد الدستورية بحق مصير شعب ناضل من أجل تنظيم حياته اليومية والعيش بسلام وأمان وتحقيق أهدافه الرئيسية المتمثلة بحق تقرير المصير، وتحقيق حقوقها الدستورية ضمن مواد دستور العراق الخاص بالمناطق المتنازع عليها حسب تعبير دستور العراق، وفي الحقيقة انها مناطق مستقطعة من أراضي كوردستان.
سبق وبالقرار المعدل (116) لسنة 2008 إقرار مشروع دستور إقليم كوردستان المصادق عليه في برلمان كوردستان بقرار رقم (19) المعدل لسنة 2009، وللأسف لم يدخل القرار حيز التنفيذ، رغم أن المشروع نابع من إرادة ورغبة الشعب الكوردي، بهدف تنظيم حياة الفرد بقواعد دستورية وتحديد نظامها السياسي وهيكلة السلطة التنفيذية وسلطاتها ومدى سلطة وصلاحية القابضين على السلطة، ومعرفة الحقوق وواجبات ومسؤولية سلطات الإقليم وهيئاتها تجاه إدارة شعب الإقليم وصيانة حقوقها والمحافظة على نظامها الديمقراطي السمة الرئيسية للنظام الفيدرالي.
الدستور يخلق الدولة ويجعل منها صاحبة السلطة ويحدد من الذي يمارس تلك السلطات، لأن السلطة ليست ملكا للحكام، إنما ملكا واختصاصا للدولة، لذا فإن وجود الدستور الفيصل الوحيد يقرر ويميز حقوق وواجبات أفراد الشعب ويحميهم من هيمنة القابضين على السلطة، وحمايتهم من الخضوع والجشع والرغبات الشخصية للقابضين على السلطة سواء أشخاصا أو الفئات المتنفذة المهيمنة على السلطة.
ولتحقيق تلك الأهداف المرجوة من وجود دستور قائم، سواء كان دستورا مرنا أو جامدا، مكتوبا أو عرفيا، ينبغي الإسراع في تشريع وتفعيل مشروع دستور الإقليم المقرر من برلمان كوردستان، لأنها مجموعة من القواعد الآمرة التي تتربع على هرم القواعد القانونية العادية والقرارات الإدارية لسمو وعلوية قواعدها.
غياب دستور الإقليم وتأثيره على السلطات القائمة التشريعية والقضائية والتنفيذية، والأهم من كل ذلك عند غياب الدستور وعدم تواجد وتشكيل المحكمة الدستورية في الإقليم.
لغياب الدستور تاثير على السلطة التشريعية من حيث ظهور مشاكل عدة من الجانب التنظيمي والإداري للسلطة التشريعية وتأثيراتها السلبية بإجراء تعديلات مستمرة على مشاريع القوانين بحسب أهواء الأحزاب المسيطرة على السلطة الفعلية في الإقليم، بهدف تحقيق مصالحها ورغباتها السياسية، بل إن غياب الدستور والأخص المحكمة الدستورية أدى إلى إطلاق يد المشرع وتوسيع صلاحياته من خلال إصدار التشريعات المتعلقة بالنظام القانوني دون سند من الدستور.
وعلى سبيل المثال هناك قوانين قد تم إصدارها من السلطة التشريعية دون التطبيق والتنفيذ بالشكل المقرر في القانون نفسه ووفقا لأسبابها الموجبة الصادر القانون من أجلها، منها قانون رقم (3) لسنة 2007، قانون النفط والغاز، وقانون صندوق كوردستان للعائدات النفطية رقم (2) لسنة 2015.
رغم أن القانونين المذكورين مرتبطان بالمواد (111) و(112) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
أما بخصوص أثر غياب دستور الإقليم على السلطة القضائية ومدى تأثير غياب الدستور على سير وإدارة هذه السلطة الموصوفة بملجأ الضعفاء والمظلومين وأمل الخائبين، فالثابت فقها وقضاء أنها المرجع الوحيد لتحقيق العدالة وسيادة القانون واستقلالية هذه السلطة لأنها مختصة ومؤمنة بتحقيق العدالة وإحقاق الحق وإعطاء كل ذي حق حقه وهي المرجع الأخير لإعادة وحماية حقوق المستضعفين ورفع الظلم عن المظلومين.
إن تحقيق العدالة والمساواة عند استقلالية السلطة القضائية يخلق إقليما دستوريا ضامنا لحقوق أفراده ويصون حرياتهم واستقلاليتهم ويهيئ لهم العيش بكرامة وسلام وأمان.
هنا ولتحقيق تلك الرغبات فلابد من تواجد دستور ذي سيادة واستقلال، ولتحقيق تلك الأهداف الدستورية لابد من تشكيل محكمة دستورية ضمن دستور الإقليم من القضاة والمحامين ذوي الخبرة التي لا تقل عن عشرين عاما، ومتخصصي الدستور من الأساتذة والأكاديميين.
أما فيما يتعلق بأثر غياب الدستورية بخصوص السلطة التنفيذية، فإن غياب قواعد الدستور وكذلك المحكمة الدستورية يجعل من السلطة التنفيذية السلطة الوحيدة والجهة الآمرة دون رقابة قضائية دستورية متمثلة بالمحكمة الدستورية على غرار المحكمة الاتحادية في جمهورية العراق الاتحادية.
ويجعل هذا الغياب من السلطة التنفيذية تعمل حسب أهواء المتنفذين على السلطة التنفيذية من أعلى الهرم التنفيذي من رئيس السلطة التنفيذية، وذلك لعدم وجود رقيب عليها.
كما ذكرنا بأن الدستور يعمل على تنظيم هيكلة السلطات داخل الدول والحكومات ورسم مضمون إطارها القانوني، وكل ذلك يؤثر سلبا على عدم الاستقرار القانوني للسلطة التنفيذية، لأن غياب الدستور يخلق حالة مساعدة للمشرع القانوني عند اقتضاء حاجة السلطة التنفيذية أو الواقع السياسي غير الموافق لهيمنة السلطة، لإجراء تعديلات بمسار رغبة السلطة من أجل الخروج من الواقع غير الموافق للجهة السياسية القابضة على السلطة.
وعليه نوصي ونؤكد على ضرورة الإسراع في تشريع دستور الإقليم ليساعد الجميع على الخروج من هذه الأزمة الخانقة في هذا التوقيت غير المناسب لشعب كوردستان.
والله ولي التوفيق.
*محامي ومستشار قانوني وعضو برلمان كوردستان للدورتين الثانية والثالثة