×

  قضايا كردستانية

  مام جلال.. شخصية استثنائية، والجولات معه محك حقيقي للمعادن



*عماد أحمد

 

*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى

هناك رجال لا يجلسون على كراسي السلطة فحسب، بل يستقرون في ضمائر الناس وذاكرتهم.

وكان الرئيس مام جلال واحدا من هؤلاء الرجال؛ ففي خضم السياسة كان يحمل قلبا دافئا، ولم يفقد ابتسامته أو أمله حتى في أصعب مراحل تاريخ كوردستان.

ولم يكن السفر معه مجرد مرافقة لقائد سياسي، بل كان رحلة لاكتشاف إنسان يتمتع بكاريزما خاصة وروح بسيطة وإنسانية، مفعمة بالحيوية والدفء.

منذ عام 1994، وبصفتي عضوا في المكتب السياسي، رافقته مرارا في رحلاته إلى دول الجوار وأوروبا، حتى فترة مرضه ورحلته الأبدية. كنت ضمن الوفود السياسية وفي لقاءاته مع الرؤساء وكبار المسؤولين في تلك الدول. ولم تكن تلك الرحلات بالنسبة لي مجرد مشاركة في نشاط سياسي، بل كانت مدرسة لفهم الإنسان وفنون القيادة. ومن خلالها تعلمت أن العظمة لا تكمن في السلطة وحدها، بل في سعة القلب التي تمكِن الإنسان من كسب قلوب الآخرين.

يقال: (السفر والمعاملة محكّ الرجال). وهذا صحيح، لأن الإنسان يظهر على حقيقته أثناء السفر، بلا أقنعة ولا تزييف. وكان مام جلال يبدو أكثر تميزا في السفر؛ فعلى الرغم من مكانته السياسية وكاريزمته المعروفة، كان عن قرب إنسانا متواضعا جدا، لطيف الحديث، حاضر النكتة، محبوبا وقريبا من قلوب رفاقه. وكان يسعى إلى أن يشعر الجميع بالراحة والسعادة، حتى في خضم أهم اللقاءات السياسية. وكثيرا ما كان يبدد إرهاق يوم طويل وشاق بنكتة قصيرة، فيشيع جوا من الهدوء والطمأنينة حوله.

وفي كثير من الرحلات كنت ألاحظ أن مام جلال كان يفكر بالإنسان قبل أن يفكر بالبروتوكول الرسمي. ففي المطارات والفنادق وداخل السيارات، ومن أبسط الأسئلة إلى أعقد القضايا السياسية، كان يحرص على أن يشعر الشخص المقابل بقيمته وأهميته. وهذه الخصلة، التي كثيرا ما تضيع في عالم السياسة، كانت واضحة جدا لديه.

كان مام جلال مستمعا جيدا. ففي كثير من الأحيان كان يصغي قبل أن يتحدث، وكان حريصا على الفهم. ولذلك استطاع أن يتحاور مع أكثر الشخصيات والأفكار اختلافا، وأن يبني جسورا من الثقة معها. وحتى في أصعب اللقاءات السياسية، كنت تشعر أن كلامه لم يكن بهدف الإقناع فقط، بل بهدف تقريب القلوب ووجهات النظر.

وفي بعض الرحلات، بعيدا عن الإعلام والرسميات، كانت تظهر جوانب أكثر إنسانية ورقة في شخصيته. كان يتحدث عن التاريخ والأدب والشعر والذكريات. وكنت تشعر أن خلف ذلك السياسي الكبير روح مثقف وقلب إنسان مفعم بالمشاعر. وربما لهذا السبب أحبه كثيرون كإنسان قبل أن ينظروا إليه كرئيس.

وعلى الرغم من كاريزمته وقوته السياسية الخاصة، كان يخلع عنه في السفر عباءة (الشخص الأول)، ويتحول إلى رفيق قريب؛ بشوش، متواضع، منفتح وكريم. ولم يجعل من عمره أو مكانته أو منصبه حاجزا بينه وبين رفاقه. ولم يكن تعامله باحترام وود يقتصر على أعضاء الوفد أو العاملين معه، بل كان يشمل الحراس والسائقين وموظفي الخدمة في البلدان المضيفة، بل وكان أحيانا يساعدهم ويمنحهم من كرمه.

وكان مام جلال شديد الاهتمام بالأناقة والترتيب؛ يرتدي ملابس أنيقة، وربطة عنق حمراء، وقميصا أبيض. كما كان ملتزما بالمواعيد ولا يتأخر عن لقاءاته. وفي الاجتماعات كان سيد المعرفة والخبرة؛ يعرف كيف يبدأ الحديث وكيف ينهيه بطريقة مؤثرة. وعندما يتحدث، كان يدخل إلى صلب الموضوع بهدوء وتدرج، ويبهر محاوريه بسعة اطلاعه ومعرفته بالتاريخ والأدب وسياسات الدول المختلفة. وكثيرا ما كنت أرى على وجوههم علامات الاحترام والإعجاب.

بالنسبة للرئيس مام جلال، لم يكن السفر مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل كان متنفسا خارج الواجبات الرسمية، وتحررا من سجن (الشخص الأول).

كان يحب الطعام، ولا سيما المطبخ الإيراني، مثل الكباب المفروم وطبق الفسنجون. وعلى الموائد العامرة وفي الجلسات الودية، كانت تظهر بوضوح روحه الكريمة وعيناه المليئتان بالمودة تجاه الجميع.

وكان ينزعج من المطبات الهوائية أثناء الطيران، لكن الخوف لم يكن يظهر على وجهه أبدا. كما لم يكن يضايق السائقين داخل السيارات، ولم يكن يفقد صبره في الرحلات الطويلة. وأتذكر أننا عدنا مرة بالسيارة من طهران إلى سنندج، ثم إلى مريوان، ومنها إلى السليمانية. كنت جالسا إلى جانبه، وكان بين الحين والآخر يدندن الأغاني بصوت خافت، ويحفظ ألحان الأغاني الأصيلة، كما كان يحفظ الشعر القديم. وخلال الطريق كان يناقش القضايا السياسية ويقيّم الأحداث وزياراته بدقة. كانت الرحلة طويلة جدا، لكن الملل أو التعب لم يظهرا عليه. بل إنه قبل أن يتوجه إلى منزله في دباشان، زار متنزه آزادي ليتفقد مدى تقدم المشروع.

وفي رحلة أخرى إلى القاهرة، كنا ضمن وفد رفيع المستوى من الاتحاد الوطني الكوردستاني ضم الدكتور فؤاد معصوم، وعدنان المفتي، ومصطفى سيد قادر، وملا ياسين، وكاتب هذه السطور.وكان مام جلال قد أحضر من طهران هدية من (الكافيار) للصحفي الكبير محمد حسنين هيكل.

 وعندما قدمها له قال مازحا: (في أول زيارة لك إلى شاه إيران لم تتناول  الكافيار على مائدة الإفطار، أما الآن وبعد عشرات السنين فقد أحضرته لك هدية، وأظن أنك ستتذوقه هذه المرة). فضحك هيكل وأجاب: (إنها أندر هدية قُدمت لي).

وخلال تلك الرحلات تعلمنا الكثير من مام جلال. فقد كان دائم الإلهام. ومن المظاهر اللافتة أن وسائل الإعلام في البلدان المضيفة كانت تولي لقاءاته اهتماما كبيرا. وكانت معظمها تطلب إجراء مقابلات صحفية أو مؤتمرات إعلامية معه، وكان يلبّي تلك الطلبات بسرور، لأنه كان يدرك أهمية تلك الفرص في إيصال صوت شعب كوردستان والدفاع عن حقوقه المشروعة.

كان مام جلال، بلا شك، بعيد النظر، واسع الخبرة، وصاحب عقل ثاقب. وكانت مصلحة الشعب والوطن عنده فوق جميع المصالح الحزبية. ولذلك لم يكن مجرد الأمين العام للاتحاد الوطني الكوردستاني، بل كان بحق قائد الحركة التحررية في كوردستان.

 واليوم، بعد أن غاب مام جلال من بيننا، ندرك أكثر معنى وجوده. فهناك أناس تنتهي حكايتهم بالموت، وهناك آخرون يتحولون إلى امتداد للذاكرة والعزة والأمل لدى أمة بأكملها. وكان مام جلال من هذه الشخصيات.

قد يسجل التاريخ أسماء كثير من القادة في صفحاته، لكن قلة منهم فقط تبقى في قلوب الناس. وكان مام جلال واحدا ممن لم يفقدوا إنسانيتهم وسط صخب السياسة، وظل قادرا، رغم وجوده في قلب السلطة، على التعامل بصدق وبساطة وابتسامة دافئة مع رفاقه.

ومع مرور السنوات على تلك الرحلات، أزداد يقينا بأن بعض الرجال لا يُعرفون بالسياسة وحدها، بل بالأثر الإنساني والدفء الذي يتركونه في نفوس الآخرين.

كان مام جلال واحدا من هؤلاء؛ رجلا لم يفقد إنسانيته في أوج السلطة، واستطاع وسط كل تلك الأزمات والحروب والتعقيدات أن يبعث الطمأنينة في القلوب بابتسامة جميلة. فالتاريخ يسجل أسماء كثير من القادة، لكن قلة منهم تتحول إلى ذكرى حية لا تموت.

ومام جلال ليس مجرد اسم في صفحات التاريخ، بل هو إحساس؛ وبعض الأحاسيس لا تموت أبدا.

لقد كان مام جلال بحق شخصية نادرة لدى الجميع، ولا سيما لدى رفاقه.


21/06/2026