×

  کل الاخبار

  حيتان الغلول.. ثروات السلطة وفقر الشعوب



*محمد شيخ عثمان

 

لم يعد الغلول في زماننا مجرد مصطلح فقهي ارتبط بغنائم الحروب أو الاستيلاء على الأموال المشتركة خفية، بل تحول إلى ظاهرة سياسية واقتصادية تنخر الدول والمجتمعات، وتعيد إنتاج الفقر والظلم وانهيار الثقة بين المواطن والسلطة، فالغلول مصطلح حذر القرآن الكريم منه بوصفه خيانة للأمانة وانتهاكا لحقوق الجماعة، حيث قال تعالى:﴿وَمَا كَانَ لِنَبِي أَنْ يَغُل  وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَل يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وفي جوهره، لا يعني الغلول سرقة المال فحسب، بل يعني خيانة الثقة العامة وتحويل ما يملكه الجميع إلى ملكية خاصة لفئة محدودة تستغل النفوذ والسلطة والمنصب.

في العراق واقليم كردستان، لم يعد الفساد مجرد ملفات متفرقة أو تجاوزات إدارية، بل أصبح في كثير من الأحيان نظاما موازيا للدولة، ينتج طبقة من الأثرياء الجدد الذين لم تصنعهم الصناعة أو الزراعة أو التجارة أو الابتكار، بل صنعتهم العقود والعمولات والاحتكارات واستغلال المال العام.

ثروات هائلة تراكمت خلال سنوات قليلة، وقصور واستثمارات وأرصدة وشركات وعقارات، في الوقت الذي يواجه فيه الموظف تأخر الرواتب، ويعاني الشباب من البطالة، وتفتقر الخدمات الأساسية إلى التمويل والاستقرار.

أخطر ما في الغلول المعاصر أنه لا يسرق الأموال فقط، بل يسرق المستقبل أيضا فهو يحرم الأجيال من المدارس والمستشفيات وفرص العمل والبنية التحتية، ويحول الدولة من مؤسسة لخدمة المواطنين إلى وسيلة للإثراء الشخصي والحزبي.

والأشد خطورة أن بعض الغالين يحاولون إضفاء الشرعية على ثرواتهم عبر النفوذ السياسي أو الخطاب القومي أو الديني أو الحزبي، وكأن الانتماء أو التاريخ النضالي أو الموقع الوظيفي يمنح حصانة أخلاقية أو قانونية، لكن المال العام لا يملك طائفة ولا حزبا ولا قومية، والاعتداء عليه يبقى اعتداء على حقوق الملايين.

لقد عرف التاريخ نماذج صارمة في محاسبة المسؤولين ومنع استغلال السلطة، لأن المنصب كان تكليفا لا امتيازا، ومسؤولية لا فرصة للثراء أما حين يتحول المنصب إلى باب للغنيمة، فإن الدولة نفسها تصبح غنيمة، ويصبح المواطن آخر من يحصل على حقوقه.

لا تتحقق مواجهة الغلول المعاصر بالشعارات وحدها، بل تتطلب قضاء مستقلا، ومؤسسات رقابية فاعلة، وشفافية في إدارة الثروات العامة، وإعلان الذمم المالية، واسترداد الأموال المنهوبة، وتجريم الإثراء غير المشروع، وحماية الصحافة الحرة والمبلغين عن الفساد.

فالغلول ليس مجرد جريمة مالية، بل هو خيانة وطنية وأخلاقية وسياسية، والأمم لا تسقط فقط بفعل الحروب والغزوات، بل قد تنهار أيضا عندما تتحول الأمانة إلى غنيمة، والوظيفة إلى تجارة، والسلطة إلى وسيلة للثراء.

ويبقى السؤال الذي يواجه كل مجتمع: كم من الثروات التي تراكمت باسم النفوذ والسلطة كان يمكن أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات وطرق وفرص عمل؟ وكم من الفقراء دفعوا ثمن غلول الأغنياء؟

قد ينجو الغال من المساءلة زمنا، وقد يختبئ خلف السلطة أو المال أو النفوذ، لكن الحقائق اثبتت أن ما يؤخذ بغير حق لا يصبح حقا، وأن المال العام، مهما طال الزمن، يبقى أمانة في أعناق من تولوا أمره.

وهنا من المهم التذكير بأن تمسك الاتحاد الوطني بمشروع الحكم الرشيد، القائم على استقلال القضاء، وفاعلية المؤسسة التشريعية، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وصون المال العام، شكل إحدى العقد الأساسية التي تعيق التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل الكابينة الحكومية الجديدة.


25/06/2026