*نوزاد المهندس
لحسن الحظ، وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب والدمار، وبوساطة من دول باكستان وقطر وتركيا، تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين كل من أمريكا وإيران في ليلة 18/6/2026، لتضع حدا للحرب التي استمرت لعدة أشهر بينهما. سيشكل هذا الاتفاق تحولا عميقا واستراتيجيا على كافة المستويات.ومن الواضح أن هذا الاتفاق يأتي بعد مقتل مرشد الجمهورية علي خامنئي — الذي لم يُدفن جثمانه حتى الآن — وقادة إيرانيين آخرين في هجمات بداية العام، فضلا عن تشديد الحصار البحري.
ويمكن تلخيص آثار هذا الاتفاق على المستويين الأمني والاقتصادي للمنطقة والعالم في عدة نقاط رئيسية:
1. المستوى الأمني والجيوسياسي للمنطقة
• تراجع التوترات المباشرة: إن الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية في كافة جبهات القتال (بما في ذلك لبنان)، يُبعد المنطقة عن حافة حرب شاملة ومدمرة.
• الملف النووي والتسلح: وفقا للخطوط العريضة للاتفاق، ستشهد المرحلة المقبلة مفاوضات مكثفة حول تفكيك السلاح النووي الإيراني ونقل مخزونات اليورانيوم المخصب إلى الخارج (على الرغم من أن التنفيذ لا يزال قيد الاختبار). وهذا من شأنه أن يغير ميزان القوى لصالح أمريكا وحلفائها.
• مستقبل الفصائل الوكيلة: إن تراجع القدرة المالية واللوجستية لإيران في دعم الفصائل المسلحة مثل حزب الله في لبنان والجماعات الأخرى، سينتقل بالخارطة الأمنية في سوريا، العراق، واليمن إلى مرحلة جديدة، رغم أن المعارضين المحليين لإيران قد ينظرون إلى الوضع بعين الشك والريبة حتى الآن.
2. المستوى الاقتصادي للمنطقة والعالم
• فتح مضيق هرمز: إن أهم إنجاز فوري لهذا الاتفاق هو الفتح غير المشروط لمضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي. ويُعد هذا المضيق الشريان الرئيسي للطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز المسال العالمي.
• استقرار سوق الطاقة وانخفاض الأسعار: بعد عدة أشهر من الاضطراب والارتفاع القياسي في أسعار الوقود، فإن فتح المضيق والاحتمال القائم بالسماح لإيران ببيع المزيد من النفط، سيؤديان إلى انخفاض أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية وتهدئة تكاليف الشحن البحري.
• الحد من التضخم العالمي: لقد ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على قطاع الطاقة والسلع الأساسية. ويحول هذا الاتفاق دون حدوث صدمة اقتصادية كبرى Systemic Shock) ) كان العالم سيعاني منها في ظل الاضطرابات المناخية والغلاء.
• الانتعاش الاقتصادي المحدود لإيران: إن الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة والتخفيف المشروط والتدرجي للعقوبات، سيمنح الاقتصاد الإيراني المنهار متنفسا مؤقتا.
ومما يثير الاهتمام، أنه على الرغم من الترحيب بهذا الاتفاق كـ "خطوة مهمة" من قِبل الأمم المتحدة والوسطاء مثل باكستان وقطر وتركيا، إلا أن مستوى الثقة بين الأطراف لا يزال في أدنى مستوياته. فلا تزال إسرائيل وبعض الأجنحة المتشددة في واشنطن وطهران قادرة على وضع العراقيل أثناء المفاوضات الفنية المقبلة، لذلك فإن هذا الاستقرار لا يزال على حافة اختبار قاسي.
دور قطر وتركيا وباكستان كوسطاء في إنجاح وصياغة الاتفاق
إن دور باكستان وقطر وتركيا كوسطاء في هذه المرحلة الحساسة لم يقتصر على مجرد نقل الرسائل، بل كان لمنع الانهيار الكامل للمنطقة. فبعد الهجمات العنيفة في بداية العام وحدوث فراغ عميق في القيادة في طهران، عملت هذه الدول كـ "جسر للثقة". ويمكن تلخيص الدور الرئيسي لكل طرف على النحو التالي:
1. قطر: المنبر الدبلوماسي الخفي
أصبحت الدوحة، كما هو الحال في ملفات سابقة، المقر الرئيسي للمفاوضات السرية وغير المباشرة.
• التسهيلات المالية: اقترحت قطر الآلية اللازمة لكيفية التعامل مع الأموال الإيرانية المجمدة وضمان توفير الاحتياجات الإنسانية.
• نقل الرسائل الحساسة: بفضل علاقاتها الوثيقة مع واشنطن وطهران، تمكنت من بناء تفاهمات حول "الخطوط الحمراء"، لا سيما خلال فترة الحصار البحري.
2. باكستان: الجار الاستراتيجي والموازن
لعبت إسلام آباد دورا محايدا للغاية في هذه الأزمة، لأن عدم الاستقرار في إيران يؤثر بشكل مباشر على أمنها الداخلي.
• الطمأنة الأمنية: كان لباكستان دور في إقناع وتطمئن القادة العسكريين الجدد في إيران لقبول وقف إطلاق النار، خاصة في وقت واجهوا فيه خطر الانهيار الكامل.
• حفظ أمن الحدود: منعت انتقال الاضطرابات وانفجارها نحو بلوشستان والمناطق الحدودية المشتركة.
3. تركيا: حامي التوازن الاقتصادي والإقليمي
بالنسبة لأنقرة، كان الانهيار الاقتصادي لإيران أو حدوث فوضى عسكرية يعني تدفق موجة جديدة من المهاجرين واضطراب سوق الطاقة.
• الضغط على الأطراف: استخدمت تركيا الضغط الدبلوماسي لتهدئة التوترات داخل سوريا والعراق، والتي كانت قد تنشطت بسبب الحرب.
• الضمانات التجارية: ساعدت في صياغة البنود المتعلقة بتسهيل تصدير الغاز والسلع الأساسية في مرحلة ما بعد الحرب.
والملموس في الأمر أن نجاح هذه الوساطة يكمن في قدرة هذه الدول الثلاث على إقناع واشنطن بأن "استقرارا مشروطا" في طهران أفضل من "فراغ أمني كبير"، كما أوصلت الإيرانيين إلى قناعة بأن الاستمرار في الحرب في ظل الحصار البحري سيلحق ضررا لا رجعة فيه بكيان الدولة.
الحقيقة التي ظهرت نتيجة هذه الحرب هي تفوق القدرات الصاروخية ومسيرات إيران، لا سيما ضد دول المنطقة، مما جعل أمنها واستقرارها واقتصادها تحت رحمة إيران، بل وظهر مصطلح سياسي وهو ((الأمن مقابل المال))، فإلى أي مدى يمكن تطبيق هذه الفكرة على أرض الواقع في المنطقة؟
إن فكرة أن "تحمي إيران أمن دول الخليج مقابل المال" (على غرار نموذج الشركات الأمنية أو نظام الحماية الكلاسيكي)، تُعد بعيدة بعض الشيء عن الواقع وصعبة التطبيق من منظور ميزان القوى والواقع السياسي في المنطقة.
• بدلا من أن تصبح إيران "حارسا للخليج" مقابل المال، يُتوقع أن تتجه العلاقة نحو مسار آخر يُستخدم فيه ((المال والاستثمار كأداة لشراء الصمت والسلوك الهادئ لإيران))، كما نوضحه في النقاط التالية:
1. رؤية دول الخليج للأمن
إن دول الخليج الغنية (لا سيما السعودية والإمارات) لن تسلم أمنها القومي والاستراتيجي لطهران أبدا، وذلك لعدة أسباب:
• الثقة التاريخية: إن الأزمات السابقة والهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ على المنشآت النفطية (مثل أرامكو في السنوات الماضية)، لا تزال حية في الذاكرة السياسية لهذه الدول.
• التحالف مع الغرب: تمتلك دول الخليج اتفاقيات دفاع استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، حيث تتواجد فيها قواعد عسكرية كبرى، لذا هي ليست بحاجة إلى القوة العسكرية الإيرانية لحمايتها.
2. استراتيجية "السلام الاقتصادي" Economic Peace))
ما يحدث في الواقع هو نموذج مختلف؛ إذ تريد دول الخليج تطوير استراتيجية يمكن تسميتها بـ "شراء الاستقرار عبر الاقتصاد"، وذلك من خلال:
• الاستثمار كرهينة: قد تكون دول مثل السعودية والإمارات مستعدة لاستثمار مليارات الدولارات في قطاعات البنية التحتية، الغاز، والصناعة الإيرانية. وعندما يرتبط الاقتصاد الإيراني بأموال الخليج، فإن طهران ستفكر مرتين قبل أن تزعزع أمن المنطقة، لأن أي اضطراب سيعود بالضرر على مصالحها المالية الذاتية.
• تقليل الدوافع الهجومية: عندما تتخلص إيران من أزمتها المالية عبر هذا الاتفاق وأموال الاستثمارات الإقليمية، ستتقلص دوافعها لاستخدام الفصائل المسلحة ضد جيرانها.
3. تحجيم النفوذ الإيراني الخارجي بموجب الاتفاق
إن هذا الاتفاق الجديد بين أمريكا وإيران يقع تحت رقابة دولية صارمة. لن تسمح واشنطن وحلفاؤها لإيران بفرض مكانتها كـ "قوة أمنية مهيمنة" في الخليج. فالإطار العام للاتفاق صيغ على أساس "التحجيم والتراجع"، وليس على أساس "منح صك على بياض" لطهران للتدخل في شؤون الخليج.
بناء على ذلك، لا يمكن لإيران أن "تبيع" أمن الخليج لدول المنطقة، لأن هذه الدول ليست بموقع المشتري لهذا النوع من الحراسة. ومع ذلك، فإن إيران ستحقق مكاسب من نوع آخر؛ تتمثل في تصدير نفطها وغازها في أجواء آمنة، وجذب الاستثمارات الخليجية إلى داخل البلاد، مقابل التزامها بالحفاظ على الهدوء البحري وخطوط نقل الطاقة.
وفي الختام، بعد توقيع الاتفاقية والبدء في تنفيذ كافة بنودها على أرض الواقع والخوض في نقاش تفاصيلها وحيث ((يكمن الشيطان في التفاصيل)) حينها فقط ستتضح لنا جدية كلا الطرفين ومدى التزامهما بالتواقيع والوعود والبنود، وسيرى الجميع الآثار الإيجابية والسلبية على أمن واستقرار واقتصاد المنطقة، وعودة الحياة الطبيعية والتجارة وحرية الملاحة للجميع عبر مضيق هرمز.