معركة أمريكا الأخرى مع إيران
مجلة"ايكونوميست"/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
في الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة وإيران صراعا للسيطرة على مضيق هرمز، تدور بينهما معركة أخرى على اليابسة داخل العراق، حيث يتواصل التنافس على النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني.
وعلى الورق، تبدو الولايات المتحدة صاحبة اليد العليا، فقد اختار رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، أن تكون واشنطن وجهته الخارجية الأولى، متقدما على إيران، في خطوة حملت دلالات سياسية واضحة.
وعلى خلاف رؤساء الحكومات الشيعة السابقين، لا ينتمي الزيدي إلى التيار الإسلامي، بل هو رجل أعمال لا يمتلك خبرة سياسية سابقة، جمع ثروته من عقود حكومية.
ووصل الزيدي إلى العاصمة الأمريكية في 13 تموز حاملا تعهدات بنزع سلاح الفصائل المسلحة المدعومة من إيران داخل العراق، والعمل على الحد من تدفق الأموال العراقية إلى إيران، كما اصطحب معه وفدا اقتصاديا كبيرا عرض مجموعة واسعة من المشاريع والصفقات الاستثمارية المحتملة.
ويبدو أن الزيدي نجح في اختيار الرسائل المناسبة خلال زيارته، فبعد اجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 14 تموز، أشاد الأخير بما وصفه بـ"الانسجام الكبير" بينهما، معربا عن اعتقاده بأن الزيدي سيكون "قائدا عظيما في الشرق الأوسط".
ومع ذلك، يرجح مراقبون أن رئيس الوزراء الجديد لن يتمكن من تقليص النفوذ الإيراني في العراق بالقدر الذي تأمله الولايات المتحدة.
ويملك الزيدي أسبابا قوية للحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن. فقد وصل إلى رئاسة الحكومة بعدما مارست الولايات المتحدة، عمليا، حق النقض (الفيتو) على عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، المعروف بقربه من إيران، من خلال التلويح بفرض عقوبات إذا أعادت القوى السياسية العراقية تكليفه بتشكيل الحكومة.
وكان الرئيس ترامب قد وجه دعوة إلى الزيدي لزيارة واشنطن منذ شهر نيسان، حتى قبل استكمال تشكيل حكومته، معربا عن أمله في أن ينجح في "تشكيل حكومة جديدة خالية من الإرهاب".
ويعتمد الزيدي بشكل كبير على عائدات النفط لتمويل رواتب القطاع العام العراقي المتضخم، إلا أن هذه الإيرادات تراجعت بالفعل نتيجة الاضطرابات المرتبطة بالقتال في محيط مضيق هرمز، وهو ما يزيد من حساسية الوضع الداخلي، إذ إن أي تأخير في دفع الرواتب قد يهدد الاستقرار الشعبي ويقوض دعم الحكومة.
وبموجب الترتيبات التي تشرف عليها الأمم المتحدة، تمر عائدات النفط العراقية عبر نيويورك، الأمر الذي يجعلها عرضة للعقوبات الأمريكية إذا لم يلتزم رئيس الوزراء العراقي بالسياسات التي تطالب بها واشنطن.
ولا تقتصر دوافع الزيدي على الاعتبارات السياسية فحسب، بل تمتد أيضا إلى مصالحه الاقتصادية الشخصية، فمصرفه، مصرف الجنوب الإسلامي، يعد واحدا من عدة مصارف عراقية منعتها الولايات المتحدة من التعامل بالعملات الأجنبية.
ورغم أن إدارة ترامب خففت بعض القيود المفروضة عليه، فإنها لم تسمح له حتى الآن بإجراء معاملات بالدولار الأمريكي.
وبعيدا عن المصالح الشخصية، تبدو المكاسب الاقتصادية التي قد يجنيها العراق من تعزيز شراكته مع الولايات المتحدة واعدة. فإضافة إلى مساعدة العراق على إنشاء خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، تجري شركات أمريكية محادثات لتطوير حقول نفط عراقية، وإنشاء محطة للغاز الطبيعي المسال على الساحل الجنوبي، بما يقلل اعتماد العراق على واردات الطاقة الإيرانية.
وفي المقابل، يستطيع الزيدي دعم الجهود الأمريكية لتعزيز العلاقات مع سوريا عبر منح عقود لإنشاء خطوط أنابيب وكابلات إنترنت تربط البلدين.
ويرى مؤيدو رئيس الوزراء أن حكومته بدأت أخيرا بمواجهة الفساد المستشري الذي استنزف الثروة النفطية العراقية لعقود، فقد أوقفت السلطات نحو خمسين مسؤولا، بينهم نائب وزير النفط الذي تتهمه الولايات المتحدة بالمساعدة في تهريب النفط الإيراني، إضافة إلى اعتقال نحو اثني عشر نائبا في البرلمان، ضمن حملة واسعة لمكافحة الفساد حظيت بتغطية إعلامية كبيرة.
لكن منتقدين يرون أن هذه الحملة تتجنب استهداف الشخصيات السياسية النافذة وزعماء شبكات المصالح الذين أوصلوا الزيدي إلى السلطة.
ويعتقد بعضهم أن رئيس الوزراء ليس سوى واجهة لرئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، الذي يقود السلطة القضائية منذ ما يقرب من عقد، ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره الشخصية الأكثر نفوذا في البلاد.
وكان زيدان يُعد لفترة طويلة من الشخصيات المقربة من إيران، إلا أن مراقبين يرون أنه غيّر موقفه مؤخرا تحت ضغط التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات.
ويقول دبلوماسي عراقي إن زيدان لا يزال يمسك بمفاصل الدولة، لكن "الولايات المتحدة تبدو راضية الآن" عن هذا الواقع.
ويبقى التحدي الأكثر تعقيدا أمام الزيدي وأنصاره هو نزع سلاح الفصائل الشيعية المدعومة من إيران.
وقد تعهد رئيس الوزراء بإتمام هذه المهمة قبل نهاية شهر أيلول، وهو الموعد المقرر لانسحاب آخر القوات الأمريكية التي انتشرت في العراق عام 2014 للمشاركة في الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية".
وبينما أعلنت بعض الفصائل استعدادها لتسليم أسلحتها، فإن الجماعات الأكثر تشددا تبدو الأقل استعدادا للقيام بذلك.
وتقول فيكتوريا تايلور، الباحثة في المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن: "يمكن لإسرائيل والولايات المتحدة أن تؤكدا بحق أنهما أضعفتا أجزاء من المنظومة العسكرية الإيرانية، لكن هذه الحرب لم تُضعف النفوذ الإيراني داخل العراق."
الجنرالات الإيرانيون يتمسكون بشبكة وكلائهم في العراق
ولا يبدي القادة العسكريون الإيرانيون أي نية للتخلي عن شبكة الوكلاء التابعة لهم في العراق، والتي تُعد أهم حلقات ما تسميه طهران "محور المقاومة" في المنطقة.
ويواصل نحو ثلاثة آلاف عنصر مسلح تحدي دعوات رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لتسليم أسلحتهم. وخلال الأشهر الأخيرة، شاركت هذه الجماعات إلى جانب إيران في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه عدد من دول الخليج العربية.
كما استغلت هذه الفصائل مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، أثناء مرور موكب التشييع عبر المدن العراقية المقدسة لدى الشيعة، لإظهار حضورها الميداني واستعراض قوتها من خلال تنظيم مراسم العزاء.
واصطفت العربات المدرعة وعناصر الميليشيات والأعلام الإيرانية على طول مسار الموكب، فيما رفعت لافتات حمراء كُتب عليها: "انهضوا لله"، يتوسطها رسم لقبضة مرفوعة ترمز إلى الثأر.
وقال أحد المشاركين في مراسم العزاء: "سنقف كما وقف الحسين في مواجهة يزيد"، في استحضار للرمزية التاريخية الشيعية المرتبطة بمقاومة الظلم، وهي الرواية التي يرى هذا المشاركون أن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يدخل ضمن خصومها.
مزاج شعبي أكثر تقبلا لإيران
وتشير المؤشرات إلى أن المزاج الشعبي في العراق بات يصب، بدرجات متفاوتة، في مصلحة إيران.
فقد تراجعت المشاهد التي شهدتها السنوات الماضية عندما أقدم محتجون عراقيون على إحراق القنصليات الإيرانية، إذ إن الحرب التي خاضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران دفعت حتى بعض رموز الحركة الاحتجاجية العراقية إلى إبداء تعاطف مع طهران.
ويقول أحد المحللين في بغداد: "الجيل الذي كان يعادي إيران أصبح اليوم يشيد بها لأنها وقفت في مواجهة الولايات المتحدة وأكدت سيادتها."
ويتفق مع هذا التقييم رجل أعمال رافق رئيس الوزراء علي الزيدي في زيارته إلى واشنطن، قائلا: "أمريكا تسيطر على السماء، أما إيران فتحكم الأرض... وبالنسبة لمعظم العراقيين، فإن ما يحدث على الأرض هو الأهم."
كما ينظر كثير من العراقيين بريبة إلى الوعود المتعلقة بالاستثمارات والصفقات المرتبطة بإدارة ترامب.
ويقول أحد القضاة العراقيين في بغداد: "أمريكا تحكم بالدولار، أما إيران فتحكم بالدين... وفي هذه المنطقة من العالم، ينتصر الدين."
واشنطن قد تلجأ إلى العقوبات
ولم تحدد الولايات المتحدة حتى الآن جدولا زمنيا صارما لنزع سلاح الفصائل المسلحة.
ورغم أن إدارة الرئيس ترامب تنظر بإيجابية إلى الخلفية الاقتصادية والتجارية لرئيس الوزراء علي الزيدي، فإنها قد تواجه خيبة أمل إذا أخفق في تنفيذ تعهداته.
فمن بين الجهات التي دعمت وصول الزيدي إلى رئاسة الحكومة قوى سياسية مقربة من إيران، وهو ما قد يحد من قدرته على كبح نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لطهران.
وفي حال عجزه عن تحقيق الأهداف التي تطالب بها واشنطن، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات جديدة على العراق، أو حتى تعليق تحويل عائدات النفط العراقية.
وفي المقابل، يتوقع كثيرون أن تشهد المرحلة المقبلة أعمال عنف، في ظل استعداد إيران لخوض مواجهة تهدف إلى إرغام الولايات المتحدة على سحب نفوذها المالي من العراق، إلى جانب استكمال سحب قواتها العسكرية.
وبذلك، لا تبدو المنافسة الأمريكية الإيرانية في العراق مقتصرة على التوازنات السياسية أو النفوذ الدبلوماسي، بل تمتد إلى صراع معقد تتداخل فيه المصالح الاقتصادية، والولاءات المسلحة، والاعتبارات العقائدية، في وقت يبقى فيه مستقبل العراق رهنا بقدرة حكومته على المناورة بين قوتين تتنافسان على رسم ملامح المرحلة المقبلة.