صحيفة "الصباح"- هدى العزاوي و سرور العلي :تتجه الأنظار إلى نتائج الزيارة التي يجريها رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلى العاصمة الامريكية واشنطن، في ظل توقعات بأن تشهد مباحثاته مع المسؤولين الامريكيين نقاشات موسعة حول الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، إلى جانب تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات. ويرى خبراء في الشؤون الأمنية والاقتصادية والسياسية، أن الزيارة تمثل محطة مفصلية في رسم طبيعة العلاقات العراقية الامريكية خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب إنهاء مهمة قوات التحالف الدولي في العراق، وما يفرضه ذلك من متطلبات تتعلق باستكمال جاهزية القوات العراقية، بالتوازي مع توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري.
الناطق الرسمي
وقال الناطق الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، في حديث خاص لـ"الصباح": إنه "تأكيدا على ثوابت السيادة الوطنية وترسيخا لركائز الأمن المستدام، حققنا في الدولة العراقية تقدما نوعيا في ملف إنهاء المظاهر المسلحة وحصر السلاح بيد المؤسسات الأمنية الرسمية".
وأضاف، أن "هذا المسار يُمثل قرارا سياديا عراقيا خالصا ينبثق من صميم إرادة وطننا العليا والموجّهات الحكومية، وهو بمنأى تام عن أي إملاءات أو تفاهمات خارجية".
وأكد، أن "بغداد عازمة اليوم على صياغة أفق أمني جديد يرتكز على مأسسة الشراكة العسكرية الثنائية مع الولايات المتحدة الامريكية صونا للمصالح المتبادلة، وذلك بالتزامن مع طي صفحة التحالف الدولي في الثلاثين من أيلول المقبل".
وفي هذا السياق، كشف النعمان عن أن "لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي مع الرئيس الامريكي دونالد ترامب، يأتي إلى جانب المباحثات الرفيعة في مقر وزارة الحرب الامريكية (البنتاغون)، لتركز بشكل أساسي على بلورة مذكرات تفاهم حيوية تُعنى بتسليح قواتنا المسلحة، والارتقاء بقدراتها التدريبية، وتعزيز قنوات التدفق الاستخباراتي المشترك بما يحفظ تفوقنا الدفاعي".
وبيّن، أن "حالة التماسك الأمني والمنعة الاستراتيجية التي تتمتع بها ساحتنا الداخلية اليوم تُقدّم برهانا ساطعا لشركاء التنمية والشركات العالمية الكبرى على نضوج البيئة الاستثمارية في العراق وتحوّلها إلى بيئة مستقرة وجاذبة لتدفق الرساميل الدولية". وفي الوقت نفسه، شدد النعمان على أن "آليات ضبط السلاح ودمج التشكيلات الأمنية تسير بدقة عالية تحت إشراف لجنة مركزية عليا برئاسة نائب قائد العمليات المشتركة، كفالة لإنفاذ القانون وتحصينا للسيادة الوطنية الشاملة."
الملف الأمني
بدوره، قال المستشار العسكري السابق صفاء الأعسم: إن "الملف الأمني سيكون المحور الأبرز في الزيارة، نظرا لتزامنها مع اقتراب إنهاء وجود قوات التحالف الدولي في شهر أيلول المقبل، وهو ما يفرض على العراق استكمال جاهزية قواته المسلحة وتمكينها من الاضطلاع بمهام حماية البلاد بصورة مستقلة."
وأوضح الأعسم، في حديثه لـ"الصباح"، أن "العراق تعرض منذ عام 2003 إلى تراجع في القدرات العسكرية، قبل أن يلجأ إلى طلب دعم قوات التحالف الدولي، لاسيما بعد اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لعدد من المحافظات، حيث أسهمت تلك القوات في دعم العراق من خلال حماية الأجواء وتعزيز الأمن الداخلي حتى استعادة الاستقرار".
وأشار، إلى أن "المرحلة المقبلة تتطلب انتقال العراق إلى الاعتماد على قدراته الذاتية، عبر استكمال منظومة التسليح"، لاسيما "المدفعية، وقوات المشاة، ومنظومات الدفاع الجوي، والقوة الجوية، وطيران الجيش، فضلا عن الأجهزة الاستخبارية ووسائل المراقبة الحديثة، مثل المناظير الليلية وتقنيات الاستطلاع والاستكشاف."وأضاف الأعسم، أن "العراق ما زال يواصل ملاحقة فلول تنظيم داعش، في وقت تفرض فيه حدوده البرية الطويلة مع ست دول تحديات أمنية كبيرة، الأمر الذي يستوجب امتلاك وسائل مراقبة متطورة وتقنيات حديثة لتأمين الحدود، بدلا من الاعتماد الكامل على الانتشار البشري للقوات".وأكد، أن "استكمال تجهيز القوات المسلحة سيكون من أبرز الملفات المطروحة خلال الزيارة، بما يعزز قدرة العراق على حماية أجوائه وأراضيه ومياهه الإقليمية"، مشيرا إلى "أهمية استمرار التعاون مع الولايات المتحدة في هذا المجال، وفي حال عدم تلبية الاحتياجات العسكرية العراقية فإن بغداد ستتجه إلى تنويع مصادر التسليح والتعاون مع دول أخرى لسد احتياجاتها الدفاعية."
وبيّن، أن "الزيارة لا تقتصر على الجوانب الأمنية، بل تشمل أيضا ملفات اقتصادية واستثمارية، من بينها استقطاب الشركات العالمية، وتعزيز التعاون في قطاعي الطاقة والنفط، بما يتلاءم مع المتغيرات التي تشهدها المنطقة."
ورأى الأعسم، احتمالية إعادة رسم لمسارات التجارة والنقل والشراكات الإقليمية، وهو ما يدفع العراق إلى إعادة ترتيب أولوياته الاستراتيجية، وأكد أن "العراق يمتلك موقعا محوريا يؤهله لأن يكون (صمام أمان) في المنطقة، الأمر الذي يتطلب الحفاظ على استقراره وتعزيز شراكاته الإقليمية والدولية."
رؤية اقتصادية
وبحسب ما جرى تداوله بشأن الزيارة الحالية وأكده رئيس الوزراء علي الزيدي بنفسه من خلال التصريحات، فإن الملف الاقتصادي بكل تفاصيله ومجالاته سيكون حاضرا بقوة وسيهيمن على مشهد الزيارة.
ويرى الخبير الاقتصادي، جعفر باقر علوش، في حديث لـ"الصباح"، أن "الزيارة تكتسب أهمية بالغة، كونها تأتي بدعوة مرحّب بها من قبل الإدارة الامريكية، إضافة إلى أنها تدعم النهج الاقتصادي الذي يتبعه رئيس مجلس الوزراء الجديد، والمتمثل بمكافحة الفساد الاقتصادي".
وأضاف، أنه "من جانب آخر، يمكن تلمس أهمية الزيارة أيضا من خلال طبيعة الوفد المرافق، الذي يضم مجموعة من الوزراء المعنيين بالشأن الاقتصادي، من وزراء المالية والصناعة والنفط، وكذلك محافظ البنك المركزي العراقي."
وتابع علوش، "من المؤكد أن الأطر المطروحة للنقاش خلال هذه الزيارة ستتعلق بالشراكات والعلاقات الاقتصادية، ولا سيما في مجالي الطاقة والاستثمار، وأبرزها التعاون في إنشاء صناديق السيادة والتنمية، وفق توجهات رئيس مجلس الوزراء، فضلا عن الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا والاتصالات، وتوجيه النشاط الاقتصادي وفق معايير كفوءة".
وتابع، "المتوقع أن تكون نتائج هذه الزيارة داعمة أيضا لجهود مكافحة الفساد القائمة، ومعززة للنهج التنموي الجديد الذي بدأت ملامحه تبرز من خلال الإجراءات المرتبطة بالسياسات المالية والنقدية التي تفرضها متطلبات الاستقرار الاقتصادي في ظل التحديات الجيوسياسية المحيطة بالعراق".وتوقع علوش، نجاح الزيارة "لأنها تركز على وقائع فعلية للاقتصاد العراقي، وتهيئة ممكنات الانطلاق، مع التركيز على الشراكات الاقتصادية المطلوبة في هذا الوقت."
من جانبه، قال رئيس المركز الإقليمي للدراسات، علي الصاحب، في حديث لـ"الصباح": إنه "يمكن وصف زيارة الزيدي إلى واشنطن بأنها زيارة اقتصادية بالدرجة الأولى، لا سيما أن الوفد المرافق يضم عددا من الوزراء والشخصيات الاقتصادية ورجال الأعمال وممثلي المصارف".
وأضاف، "ستناقش الزيارة ملفات اقتصادية واستثمارية، أبرزها تأسيس صندوق مالي عراقي يُموَّل من إيرادات النفط لدعم مشاريع التنمية وقطاع الطاقة، فضلا عن وجود نية لتوقيع مذكرات تفاهم في مجالي النفط والغاز".
وتابع، "كما ستتناول مباحثات الزيارة عددا من الملفات الأخرى، من بينها دعم القوات العسكرية العراقية في مجالات التدريب والتسليح وتبادل المعلومات، إضافة إلى ملف حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح الفصائل الخارجة عن إطارها". وتكتسب الزيارة أهمية خاصة، بحسب الصاحب، "لكونها تأتي في ظل التحديات والمخاطر التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز علاقتها بالعراق بوصفه حليفا استراتيجيا، فيما يحرص العراق على الابتعاد عن المخاطر وسياسة المحاور، وينأى بنفسه عن التدخلات الإقليمية والدولية".
مجال الاستثمار
من جانبه، اعتبر الخبير في الشأن الاقتصادي دريد العنزي، في حديث لـ"الصباح"، أن "الزيارة تحتاج إلى رؤية اقتصادية واستثمارية شاملة، وأن الزيارة يمكن أن تتضمن لقاءات مع رجال الأعمال العراقيين المقيمين في الولايات المتحدة، من صناعيين وزراعيين ومستثمرين في قطاعات الإنشاء والسياحة، بهدف استقطاب رؤوس أموالهم للاستثمار داخل العراق، بما يسهم في تنفيذ مشاريع إنتاجية وخدمية والحد من خروج الأموال إلى الخارج." وأشار، إلى أن "العراق بحاجة إلى آلاف المدارس والمراكز الصحية ومشاريع الطرق والجسور والبنى التحتية"، مؤكدا أن "تنفيذ هذه المشاريع يمكن أن يتم عبر استثمارات العراقيين في الخارج، بما ينعكس إيجابا على حركة الإعمار والتنمية ويعزز ثقة المواطنين." وأضاف، أن "تخصيص إيرادات نحو 500 ألف برميل نفط يوميا، وبسعر 65 دولارا للبرميل، يوفر نحو 32.5 مليون دولار يوميا، وهو مبلغ يمكن توجيهه بصورة مستمرة لبناء المدارس والمراكز الصحية والمشاريع الخدمية".
ودعا العنزي إلى "إشراك القطاع الخاص العراقي المقيم في الولايات المتحدة عبر تنظيم معرض خاص لهم ضمن فعاليات معرض بغداد الدولي، مع توفير قروض ميسرة للصناعيين، بما يسهم في نقل التكنولوجيا والخبرات الصناعية الحديثة إلى العراق". وفي ملف الطاقة، أكد العنزي، "ضرورة بحث مشروع استراتيجي لإنشاء خط لنقل النفط الخام من البصرة إلى ميناء بانياس السوري، بدلا من الاعتماد الكامل على المسار التركي"، مشيرا إلى أن "الطريق عبر بانياس أقصر وأقل كلفة، وأن تنفيذ المشروع يمكن أن تتولاه شركات امريكية متخصصة من خلال توزيع العمل على عدة شركات لإنجازه خلال فترة زمنية قصيرة".
كما شدد على "أهمية استقطاب شركات متخصصة للاستثمار في قطاع الغاز ومعالجة حرق الغاز المصاحب، بدلا من التركيز على التوسع في استخراج النفط الخام فقط"، مبينا أن "تطوير قطاع الغاز سيمكن العراق مستقبلا من تصدير الغاز إلى أوروبا عبر خطوط أنابيب استراتيجية".وأكد العنزي، أن "العراق يمتلك إمكانات كبيرة لإعادة رسم خريطة صادراته النفطية والغازية نحو أوروبا وشمال أفريقيا والأسواق العالمية، وهو ما يتطلب تخطيطا اقتصاديا بعيد المدى، وإعداد دراسات متكاملة تتناول آليات التمويل، والفوائد، والضمانات المصرفية، ومدد تنفيذ المشاريع، وإدارة الصناديق المالية، وطبيعة العقود، وآليات تسويق النفط".وبشأن طبيعة الاتفاقات النفطية المرتقبة، تساءل العنزي ما إذا كانت ستتم وفق الأسعار العالمية أو تتضمن امتيازات خاصة، داعيا إلى مراجعة سياسة تسويق النفط التي تتبعها شركة "سومو" بما يحقق أفضل العائدات للعراق، فضلا عن إشراك الخبراء الاقتصاديين العراقيين داخل البلاد وخارجها في إعداد الملفات الاقتصادية قبل الزيارات الرسمية.
ملفات مهمة
بدوره، أكد أستاذ العلوم السياسية الدكتور عامر حسن فياض، في حديث لـ"الصباح"، أن "الوفد العراقي يحمل مجموعة من الملفات المهمة، إلا أن المباحثات مع الجانب الامريكي ستركز بصورة رئيسية على ملفين أساسيين، يتمثل الأول في حصر السلاح بيد الدولة، والثاني في الانتقال من التعاون العسكري والأمني إلى تعاون أشمل يشمل المجالات الاقتصادية، لاسيما الطاقة والتجارة والسياحة، إلى جانب تعزيز التعاون في القطاع التعليمي".
وبين فياض، أن "المصالح المشتركة بين العراق والولايات المتحدة يجب ألا تتعارض مع سياسة العراق القائمة على إقامة علاقات متوازنة مع جميع دول الجوار، وتعزيز التعاون مع القوى الدولية، وفي مقدمتها الصين وروسيا والدول الأوروبية، بما ينسجم مع المصالح الوطنية العراقية".وأشار، إلى أن "تعزيز مكانة العراق الدولية يبدأ من الداخل، عبر مواصلة مكافحة الفساد، والعمل على حصر السلاح بيد الدولة بأسلوب هادئ وعقلاني يعزز سلطة القانون وهيبة الدولة"، مؤكدا أن "المرحلة المقبلة تتطلب أيضا تنمية القدرات العسكرية والأمنية للقوات العراقية، بما يضمن جاهزيتها للدفاع عن البلاد وحماية المواطنين وصون سيادة العراق واستقلاله."