*عماد أحمد
*ترجمة : نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
لا يبقى التاريخ دائماً على الأسماء التي يطلقها المنتصرون على أحداثه؛ فبعض الوقائع تبدأ تحت اسم "الثورة"، لكن حين يكشف الزمن الستار عن نتائجها، يطرح سؤالاً آخر أمام الأجيال: هل كانت تلك حقاً ثورة، أم انقلاباً عسكرياً جاء متدثراً بشعارات مطالب الشعب، وبدأ أولى صفحاته بإراقة دماء أسرة كاملة في قصر الرحاب؟
يُعدّ الرابع عشر من تموز عام 1958 واحداً من الأيام التي لم يحسم التاريخ العراقي حكمه النهائي بشأنها حتى اليوم. فهو بالنسبة إلى البعض يوم الخلاص من النظام الملكي، والهيمنة البريطانية، والظلم الاجتماعي؛ أما بالنسبة إلى آخرين، فهو نهاية مرحلة الدولة المؤسساتية وبداية حقبة من الانقلابات والثأر والحكم العسكري.
إذا كانت الثورة تعني انتفاضة الشعب من أجل الحرية والعدالة، فكيف يمكن أن تُخطَّط داخل الغرف السرية لكبار الضباط، وتبدأ بالدبابات والبنادق، ويُكتب صباحها الأول بقتل أسرة كاملة في قصر الرحاب؟ فالثورة الحقيقية ينبغي أن تنبع من أعماق المجتمع، وأن يكون الشعب صاحبها، لا مجرد متفرج عليها.
أما الانقلاب، ففي الغالب يبدأ من ثكنة عسكرية؛ حيث يستولي عدد من الضباط والجنود على السلطة، ثم يتحدثون لاحقاً باسم الشعب.
في ذلك الوقت، كانت الرغبة في التغيير والسخط الشعبي موجودين بالفعل. فقد شكّلت الفقر، وعدم المساواة، ومشكلة الأراضي الزراعية، والشعور بالتبعية لبريطانيا، أرضيةً خصبة للتغيير. لكن طريقة الاستيلاء على السلطة كانت عسكرية، ولذلك فإن أدق تعريف لذلك الحدث ربما يكون: انقلاباً عسكرياً حظي بتأييد شريحة من الشعب، فاكتسب بعداً ثورياً.
لم يكن النظام الملكي في العراق خالياً من العيوب؛ فقد كانت الهيمنة البريطانية قوية، وكانت السلطة مركزة في يد طبقة محدودة، بينما انتشر الفقر والتفاوت الاجتماعي. ولم يكن صوت المعارضة يُسمع دائماً بحرية، كما أن الشعور الوطني كان كثيراً ما يجد نفسه تحت ظلال المعاهدات والمصالح الخارجية. ومع ذلك، كان العراق يمتلك دستوراً وبرلماناً وحكومة ومحاكم وتقاليد سياسية، ورغم أن الديمقراطية لم تكن مكتملة، فإن أبواب الإصلاح والتطوير لم تكن موصدة. فقد كانت الجامعات والطرق ومشاريع الري ومؤسسات الدولة تمضي إلى الأمام. وكانت المشكلة أن مسيرة الإصلاح كانت أبطأ من سرعة تفاقم الظلم.
في صباح الرابع عشر من تموز، حين قُتل الملك فيصل الثاني وعدد من أفراد العائلة المالكة وخدم قصر الرحاب، لم تكن نهاية أسرة ملكية فحسب، بل كُسر أيضاً حاجز أخلاقي في التاريخ السياسي العراقي. كان بالإمكان إنهاء النظام الملكي من دون قتل البشر؛ وكان من الممكن عزل الملك عن السلطة، أو محاكمته، أو نفيه خارج البلاد. لكن حين يبدأ التغيير بالدم، فإن سفك الدماء غالباً ما يتحول من حدث عابر إلى تقليد دائم.
ومنذ تلك اللحظة، أصبح قتل الخصوم جزءاً من لغة السلطة. فمنذ عام 1958 حتى انقلاب عام 1963، ثم انقلاب عام 1968، وصولاً إلى عهد صدام حسين، أصبحت السجون، وحملات التطهير، والانتقام السياسي أدواتٍ للحكم، وتحول العراق تدريجياً من دولة مؤسسات إلى دولة حزب واحد وحكم فردي.
وهنا يبرز سؤال آخر: أيهما كان أفضل، عراق العهد الملكي أم جمهورية عهد صدام؟ إن التاريخ لا يصدر أحكامه بكلمات مبسطة مثل "جيد" أو "سيئ". فقد شهد النظام الملكي ظلماً اجتماعياً وفقراً وتدخلاً أجنبياً، لكن عراق صدام حسين، إلى جانب بعض مراحل التنمية الاقتصادية والتقدم في التعليم والصحة، كان أيضاً شاهداً على الحروب والقمع والكوارث الكبرى.
فقد استنزفت الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت ثماني سنوات، أرواح البلاد وثرواتها. وتركت حملة الأنفال والقصف الكيميائي لحلبجة جرحاً غائراً في ضمير كوردستان والإنسانية. ثم جاء غزو الكويت، وما أعقبه من حرب وحصار، وأخيراً انهيار الدولة عام 2003، ليدخل العراق في دائرة جديدة من المآسي. ولذلك، إذا كان الحكم على الأنظمة يُبنى على نتائجها، فإن النظام الملكي، رغم عيوبه وظلمه، كان أقل تدميراً من الجمهورية التي انتهت إلى الاستبداد والحروب والترهيب. لقد كان النظام الملكي بحاجة إلى إصلاح، أما جمهورية صدام فكانت بحاجة إلى الخلاص من الحكم الاستبدادي.
ولا يوجد في العالم قانون يقول إن الملكية شر مطلق، وإن الجمهورية خير مطلق. فبريطانيا، والسويد، والنرويج، والدانمارك، وهولندا، واليابان، كلها ملكيات، لكنها في الوقت نفسه دول ديمقراطية ومستقرة ومزدهرة، لأن الملك فيها لا يحكم، بل يحكم الدستور والقانون والمؤسسات.
وفي المقابل، هناك دول كثيرة تحمل اسم "الجمهورية"، لكن السلطة فيها محتكرة بيد شخص واحد أو حزب واحد. تُجرى فيها انتخابات، لكن السلطة لا تتغير، ويوجد دستور، غير أن القانون يبقى خاضعاً لإرادة الحاكم.
ولذلك، فإن السؤال الجوهري ليس: ملك أم رئيس؟ تاج أم جمهورية؟ بل هو: من الذي يفرض سيادة القانون على السلطة؟ وكيف تنتقل السلطة؟ وهل يكون الإنسان مصون الحقوق أمام الدولة أم لا؟
وفي ذلك التحول التاريخي، لم يكن الكورد وكوردستان مجرد متفرجين، بل استقبل الكورد قيام الجمهورية على أمل الاعتراف بحقوقهم وهويتهم القومية، غير أن ذلك الأمل سرعان ما تراجع تحت وطأة النزعة المركزية وغياب حل عادل للقضية الكوردية. وقد أثبت التاريخ أن استقرار العراق مرتبط باستقرار كوردستان وبالشراكة الحقيقية بينهما.
وبعد ما يقرب من سبعة عقود، ما زال العراق يبحث عن الاستقرار. سقط النظام الملكي، لكن العدالة الكاملة لم تتحقق. وأُعلنت الجمهورية، لكن السلطة الحقيقية للشعب لم ترَ النور. تبدلت الشعارات والرؤساء، إلا أن الخوف من الانقلابات، والانتقام السياسي، وضعف المؤسسات، بقيت حاضرة بأشكال مختلفة.
ولعل أعظم درس يقدمه الرابع عشر من تموز هو أن أي سلطة لا تتجدد بمجرد تغيير اسمها. فالجمهورية، إذا خلت من القانون والحرية والثقة، ليست سوى ملكية بلا تاج. كما أن الملكية، إذا صانت الدستور واحترمت إرادة الشعب، قدتكون أكثر ديمقراطية من كثير من الجمهوريات.
لقد نزع الرابع عشر من تموز التاج عن رأس الملك، لكنه لم يستطع أن يرفع ظل العسكر عن السياسة. وجاء بالجمهورية، لكنه فتح أيضاً الباب أمام الانقلابات اللاحقة. ففي ذلك الصباح قُتلت أسرة، لكن ما فُقد على نحو أشد كان فكرة التداول السلمي والقانوني للسلطة.
وفي الختام، فإن الشعوب لا تعتز بالتاج، ولا تنال حريتها بمجرد حمل اسم الجمهورية، وإنما تقوى بسيادة القانون، والعدالة، والثقة، واحترام حياة الإنسان. فالدولة تبدأ يوم تصمت البنادق ويتكلم القانون، ويهدأ التاريخ حين لا تُكتب التغييرات السياسية بعد ذلك بالدماء.