×

  الاتحاد الوطني الکردستاني

  موقف وطني بين الواجب القومي والدبلوماسية الجديدة للمرحلة



*نوزاد المهندس

 

 

  في أعقاب الهجمات بالمسيرات والصواريخ التي شنتها إيران في الأيام الماضية دون أية ذريعة مقنعة، مستهدفة إقليم كردستان في السليمانية والعاصمة أربيل، أعلن رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، بافل طالباني، موقفا قوميا شجاعا للغاية؛ إذ أدان واستنكر هذه الهجمات الإيرانية، مؤكدا أن حقوقنا القومية خط أحمر، ولن نقبل تحت أية ذريعة أو مسمي عدم احترامها. كما أوضح أن صمتنا وعدم ردنا لا ينبعان من ضعف الموقف أو الجبن، بل إن أواصر الصداقة وحسن الجوار والتاريخ المشترك هي التي تدفعنا لضبط النفس. ونحن حريصون في هذه المرحلة على تبني الحياد الإيجابي منعا لتأجيج نيران الحرب، ولتجنيب إقليمنا وشعبنا الويلات والدمار، فضلا عن الحفاظ على أمن إيران نفسها لذا، لا ينبغي لإيران بعد الآن شن هجمات ، بقصد أو بغير قصد، على إقليمنا، في وقت لم يكن فيه إقليم كردستان يوما طرفا ضد إيران، ولم يتخذ أى موقف عدائي تجاهها. ومن ثم، فإن واجب إيران هو أن تأخذ هذا الموقف الودي للإقليم بنظر الاعتبار، وألا تكرر تهديداتها وهجماتها.

   صحيح أن إيران دولة كبري وقوية في المنطقة، وصراعها الأساسي يدور مع الدول العظمي، ومن حقها الدفاع عن سيادتها وحدودها ومصالحها، ولكن لا يمكن لإيران في كل جولة صراع أن توجه ضرباتها مباشرة إلي إقليم كردستان، وتختزل ساحة الحرب الشاسعة وتحصرها في الإقليم وحده، لتهاجمه مدفوعة بآلام الضربات التي تتلقاها في مضيق هرمز أو جنوب إيران.

  من الواضح أن إقليم كردستان، طوال الأعوام الـ 34 الماضية، كان دائما ضحية وتكبد خسائر فادحة جراء ممارسات دول الجوار، في حين أنه لم يشكل يوما مصدرا للتهديد أو القلق أو المواجهة لتلك الدول، بل اختار دائما جانب الأخوة والصداقة وحسن الجوار، حتى وإن كان ذلك على حساب أخوانه. ورغم أنه كان قادرا علىإثارة الفوضى وفتح بوابات لدخول قوات دول أخرى إلي العمق الإيراني، وإذكاء نيران الحرب الداخلية، إلا أن الموقف الأخوي الأقرب للإقليم تجاه إيران تمثل في منع تهريب الأسلحة إلىالداخل الإيراني.

  وهنا يبرز هذا السؤال الحساس: هل موقف الرئيس بافل غريب ومثير للدهشة في هذا التوقيت، أم أنه أمر طبيعي جدا وواجب قومي يمليه عليه منصبه؟

   بكل تأكيد، هو واجب قومي ووطني أساسي يفرضه عليه التاريخ وواقع المرحلة الراهنة؛ ليظهر هذا الموقف الشجاع ويذكر الصديق والعدو بالوجود الكردي وقيادته والكيان الدستوري للإقليم.

 لم يعد هناك داعٍ للخوف والقلق، بل يجب في هذه المرحلة وضع حد لهذه التهديدات والوعيد، والقول لهم: كما أن لكم الحق في حماية شعوبكم وبلدانكم، فإن لنا هذا الحق أيضا. ربما لا نمتلك القدرة من حيث القوة والتكنولوجيا العسكرية والاقتصادية للرد بالمثل، إلا أن المنطقة والعالم المعاصر لا يسمحان بالاعتداء والتدخل العسكري، وإذا ما أقحم الجانب الإيراني في مثل هذه المغامرة، فستجد إيران نفسها في مواجهة مع العالم بأسره، وتضيق عليها الحلقات من كل جانب.

  أما بالنسبة لغرابة الموقف كما يراه البعض، فإن ذلك يعود إلى أن الاتحاد الوطني يمتلك تاريخا سياسيا وعسكريا واقتصاديا طويلا ومشتركا مع إيران. وقد قدم كلا الطرفين يد العون والخدمات الصديقة للآخر، ولا يمكن تذرية هذا التاريخ في مهب الريح بسهولة؛ فمن واجب الطرفين الحفاظ على هذا الإرث وعدم مقايضته بمكاسب تكتيكية عابرة.

  ومن هذا المنطلق، اتخذ الرئيس بافل، من واقع مكانته الشخصية والتاريخية وحساسية المرحلة وحجم المخاطر والتحديات التي تواجه كيان إقليمنا، هذا الموقف القومي الذي يستوجب من جميع القادة والأحزاب والجماهير مساندته ودعمه، وعدم تركه وحيدا أو التنصل منه.

   من جهة أخرى، فإن الدبلوماسية المرنة والبعيدة عن الصخب الإعلامي مع الجميع، والتي ينتهجها رئيس الاتحاد الوطني فيهذه المرحلة، لها تأثير كبير على حاضر ومستقبل إقليمنا. فالسياسي الحكيم، البعيد النظر والشجاع، هو من يستشعر المخاطر قبل الجميع، ويبادر باتخاذ مواقف شجاعة تقطع الطريق أمام التطورات الخطيرة، ساعيا للحفاظ على المصالح الوطنية والقومية لشعبه وإنقاذه وتجنيبه نيران الحرب المستعرة والدمار.

وبهذه الطريقة، يسجل موقف الرئيس بافل كإنجاز ومبادرة تاريخية كبري تحيي الروح والحس القومي في نفوس الجميع، وتجعل الصديق والعدو يحسبون للكرد وقضيتهم ألف حساب.

  في الوقت الحالي، بقدر ما تمتلكه الدبلوماسية المرنة من قدرة على حل الأزمات، فإن الحروب والنزاعات الحادة لا تحقق نصف ذلك. لذا فإن الدبلوماسية الناجحة تتمثل في الاحترام المتبادل، التوازن، حسن الجوار، حماية مصالح الجميع، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، احترام القوانين الدولية وسيادة الدول، وتطوير كافة العلاقات السياسية، الاقتصادية، الأمنية، الاجتماعية، والثقافية، والتي تشكل جميعها ركائز أساسية للبقاء، القوة، وحفظ السلم والأمن للجميع وللإنسانية جمعاء. والاتحاد الوطني ورئيسه يدركان هذه الحقائق جيدا، ولهذا فتحا الأبواب والنوافذ علىمصراعيها لبناء وتأسيس علاقات دبلوماسية مع الجميع في المنطقة ومع الدول العظمى، بما يخدم حاضر ومستقبل شعوب منطقتنا.

  على أمل أن تعيد إيران وقيادتها في هذه المرحلة الحساسة – التي لا تصب فيها الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية في مصلحتها – النظر في مواقفها وقراراتها ودبلوماسيتها تجاه دول وشعوب المنطقة عامة، وتجاه إقليم كردستان خاصة.


30/07/2026