×

  بحوث و دراسات

  في البُعد الثقافي والتعليمي للهجرة السرية



*الباحث والمفكر سعيد ناشيد

 

الشعور بالانتماء إلى مكان بعينه حاجةٌ روحية للإنسان؛ فهو ما يمنح حياته معنى أن تُعاش هنا الآن. ولذلك لا يُعزَّز هذا الشعور بثقافة التفاهة التي تُفرغ المكان من ممكناته، بل بثقافة تبني القيمة والمعنى وتجعل العيش هنا الآن أمرا ممكنا ومرغوبا فيه.

كتبت الفيلسوفة سيمون فايل ذات يوم أن التجذر «أهم حاجات الروح الإنسانية وأشدها تعرضا للنكران».

وما يجري اليوم على سواحلنا الشمالية يبدو فصلا مأساويا من فصول هذا النكران.

فالأرقام التي تتناقلها الأخبار هذه الأيام مذهلة: أزيد من 1500 مهاجر بلغوا سبتة سباحةً في أقل من أسبوع، وعدد الوافدين على المدينة خلال النصف الأول من هذه السنة بلغ ثلاثة أضعاف نظيره في السنة الماضية، بينهم مئات القاصرين الذين اكتظت بهم مراكز الإيواء، فضلا عن عشرات الغرقى الذين ابتلعهم البحر.

القراءة السائدة لهذا الطوفان قراءة اقتصادية: بطالة، وهشاشة، وانسداد آفاق. وهي قراءة صحيحة لكنها ناقصة: صحيحة لأن الخبز شرط أول للكرامة، وناقصة لأنها لا تفسر لماذا يهاجر أيضا من له عمل ودخل، ولماذا يركب البحرَ تلميذٌ لم يجرّب سوق الشغل بعد، ولماذا يتحول حلم الرحيل إلى بطولة يتباهى بها المراهقون على الشاشات.

حين تصبح الهجرة السرية أفقا وجوديا لجيل بأكمله، فلسنا أمام أزمة تشغيل فحسب، بل أمام ما هو أعمق: أزمة في المعنى، في القيمة، في الحلم، وفي معنى العيش هنا الآن.

 

عن والدي والهجرة والتعليم:

قبل ايام عبَر آلافُ الشباب المغاربة البحرَ سباحةً نحو سبتة، وبينهم أطفال. ولن أزيد على ما قيل في الأسباب المباشرة. فالسؤال الذي يعنيني أعمق: ما الذي يجعل أبا وأما يحملان طفلهما الصغير لمواجهة أمواج البحر؟

أستحضر هنا والدي. كان أستاذا لعلوم التربية، ومناضلا عنيدا من أجل المدرسة العمومية. وسمعته مرارا يقول لأحد وزراء التعليم، وقد كان صديقا لبعضهم: «إضعاف التعليم العمومي سيُضعف الدولة، لأن هنا المصنع الذي يُصنع فيه المستقبل».

لم أفهم عمق العبارة إلا حين ذهبت إلى الولايات المتحدة. هناك رأيت دولةً لا تفرط في التعليم العمومي قيدَ أنملة، اللهم ما بعد البكالوريا. أما قبل ذلك، فثمة إجماعٌ على أن المدرسة العمومية الأمريكية هي مصنع المستقبل، ومصنع الأمل لكل الآباء والأمهات من كل الطبقات.

ذلك أن المدرسة العمومية ليست مرفقا بين المرافق؛ إنها المكان الذي تَعِد فيه الدولةُ مواطنيها بالغد. فإذا فرّطت فيه، بعثت في النفوس الخوف على مستقبل الأبناء. والخائف على مستقبل أبنائه لا ينظر إلى هنا.

والمحزن، والدالُّ أيضا، أن والدي نفسه، وقد رُزق في خريف عمره بابنة صغيرة، انتهى به طولُ التأمل إلى قرار ما كان ليخطر له في سنوات نضاله: أن يهاجر بها إلى إيطاليا، لعلها تجد هناك مدرسةً تنمّي فيها ما يستحق أن يُنمّى، بعيدا عن الإفراط في موادَّ لا تنمّي شيئا. الرجل الذي علّمنا أن الثقة في المدرسة العمومية أساسُ الثقة في المستقبل، لم يعد يجدها حيث علّمنا أن نجدها.


06/08/2026