×

  رؤى حول العراق

  مكافحة الفساد... بين استعادة هيبة الدولة وصناعة المستقبل



*غازي فيصل كاكايي

 

منذ سنوات طويلة، يحتل الفساد موقعا متقدما بين أكبر التحديات التي تواجه العراق، حتى أصبح عائقا أمام التنمية، ومصدرا لتراجع الخدمات، وسببا رئيسيا في تآكل ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. وبينما يمتلك العراق إمكانات اقتصادية وبشرية هائلة، فإن جزءا كبيرا من هذه الإمكانات ظل مقيّدا بسبب سوء الإدارة، وهدر المال العام، واستغلال النفوذ، وضعف المساءلة.

اليوم، ومع انطلاق حملة جديدة لمكافحة الفساد، تتجه أنظار العراقيين نحو هذه الخطوة بكثير من الأمل، لكنها أيضا محاطة بقدر كبير من الحذر. فالمواطن لم يعد يبحث عن بيانات إعلامية أو إجراءات مؤقتة، بل يريد نتائج ملموسة تعيد للدولة هيبتها، وتؤكد أن القانون فوق الجميع، وأن المنصب لم يعد وسيلة للإفلات من المحاسبة.

إن مكافحة الفساد ليست معركة ضد أفراد بعينهم، بل هي معركة لحماية الدولة نفسها. فكل دينار يُهدر من المال العام يعني مشروعا لم يُنجز، أو مدرسة لم تُبنَ، أو مستشفى حُرم منه المرضى، أو فرصة عمل ضاعت على الشباب. وعندما يُستغل المنصب لتحقيق مكاسب شخصية، فإن الخسارة لا تقتصر على خزينة الدولة، بل تمتد إلى ثقة المجتمع ومستقبل الأجيال.

ولذلك، فإن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد يتطلب أن تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية: أولها استقلال القضاء وسيادة القانون، وثانيها الشفافية الكاملة في إجراءات التحقيق، وثالثها المساواة في تطبيق العدالة دون استثناء أو انتقائية. فلا ينبغي أن تُقاس المحاسبة بالانتماءات السياسية أو النفوذ أو الموقع الوظيفي، بل بحجم المسؤولية والأدلة المتوفرة.

إن الرسالة التي ينتظرها العراقيون اليوم واضحة: لا أحد فوق القانون. فمن شغل منصبا عاما، سواء كان وزيرا أو نائبا أو محافظا أو مديرا عاما أو مسؤولا في أي مؤسسة، يجب أن يكون مستعدا للمساءلة عن كيفية إدارة المال العام ومصادر تضخم ثروته إن وجدت مؤشرات تستدعي ذلك. فالمحاسبة ليست استهدافا للأشخاص، بل هي حماية للنزاهة وصون لحقوق المواطنين.

وفي الوقت نفسه، ينبغي عدم الخلط بين محاربة الفساد والإساءة إلى سمعة المؤسسات أو الموظفين الشرفاء. فالعراق يضم آلاف الكفاءات والموظفين الذين يؤدون واجبهم بإخلاص، وهؤلاء هم السند الحقيقي لأي مشروع إصلاحي، ويستحقون الدعم والتقدير، لأن نجاح الدولة يعتمد على تعزيز ثقافة النزاهة، لا على نشر اليأس أو التعميم.

كما أن مكافحة الفساد لا تنتهي بإصدار أوامر القبض أو إحالة بعض الملفات إلى القضاء، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر أهمية، وهي إصلاح بيئة العمل الحكومي، وتعزيز الرقابة، وتطوير الأنظمة الإلكترونية، وتقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وسد الثغرات القانونية والإدارية التي تسمح بتكرار الفساد. فالعلاج الحقيقي لا يقتصر على معاقبة المخطئ، بل يشمل أيضا منع تكرار الخطأ.

ومن الضروري أن تكون هذه الحملة مستمرة، لا موسمية، ومؤسسية، لا مرتبطة بظروف سياسية أو إعلامية. فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى إرادة ثابتة، واستراتيجية طويلة الأمد، وتعاون بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، إضافة إلى دور الإعلام الحر والمجتمع المدني في تعزيز ثقافة المساءلة.

لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن مكافحة الفساد ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وعدالة في التنفيذ، وصبرا في تحقيق النتائج. والعراق يمتلك اليوم فرصة مهمة ليؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها القانون هو المرجع الوحيد، ويصبح المنصب العام مسؤولية لخدمة الناس، لا وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.

إن المواطن العراقي لا يطلب المستحيل، بل يطمح إلى دولة عادلة تُدار بمؤسسات قوية، وتُصان فيها الأموال العامة، وتُحترم فيها الكفاءات، ويشعر فيها الجميع بأن العدالة تُطبق على الجميع بلا تمييز. وإذا نجحت حملة مكافحة الفساد في ترسيخ هذه المبادئ، فإنها لن تستعيد الأموال المنهوبة فحسب، بل ستعيد الثقة بين المواطن والدولة، وهي الثروة الأهم التي يحتاجها العراق في هذه المرحلة.

وفي الختام، فإن معركة مكافحة الفساد ليست معركة حكومة أو مؤسسة بعينها، بل هي معركة وطن بأكمله. وكل خطوة تُتخذ في هذا الطريق تمثل استثمارا في مستقبل العراق، شرط أن تبقى العدالة هي البوصلة، وأن يستمر الإصلاح دون تراجع، وأن يكون معيار المحاسبة هو القانون وحده. فحين يشعر المواطن أن الجميع متساوون أمام العدالة، يمكن للعراق أن يفتح صفحة جديدة عنوانها النزاهة، وسيادة القانون، وبناء دولة تستحق تطلعات أبنائها.


06/08/2026