×

  رؤى حول العراق

  الدعم الكُردستاني لمحاربة الفساد



*د. عدالت عبد الله

 

لا آفة في التاريخ المعاصر أشد وأسوأ من آفة الفساد على المجتمعات البشرية، لا سيما في الدول التي ليس لها تاريخ مؤسساتي رقابي منظم وقوي، يتمتع بصلاحيات واسعة لمواجهته فالفساد لا يزعزع المجتمعات والأنظمة فحسب، وإنما يدمر الروابط المادية والمعنوية التي تقوم عليها علاقة الدولة بالمجتمع وثقة هذا الأخير بمؤسسات البلاد.

 كما أن هذه الظاهرة تمثل روح التصدع التي عادة ما تزلزل بنية المجتمع بأفراده وجماعاته، ومؤسساته الاجتماعية، وطبقاته وفئاته المختلفة، فضلا عن تسببها في تراجع خطير للقيم والمعايير التي تنظم سلوك الأفراد داخل المجتمع.

والعراق، للأسف، من بين البلدان التي تشهد هذه الظاهرة بقوة، بل إنه مبتلى بها منذ زمن بعيد، وفي ظل أوضاع وظروف سياسية واقتصادية واجتماعية وإدارية مختلفة. 

وإذا تركنا حقبة الاستبداد والدكتاتورية البعثية (1968- 2003) جانبا باعتبارها حقبة فساد سياسي سوداء لا نظير لها في تاريخ البلد، وركزنا مباشرة على العراق الراهن، فيمكن إرجاع هذه الظاهرة إلى بدايات العملية السياسية في العراق، ودخول البلد في مأزق الاحتلال أولا، ثم إلى غياب الخبرة في إدارة الدولة الجديدة بوصفها إدارة قادرة على بسط الأمن والأمان، والحد من تداخل السلطات وتأثير مراكز النفوذ والقوة، علاوة على غياب الرقابة النيابية الفاعلة وضعف الهيئات المستقلة المعنية بالنزاهة وحقوق الإنسان، والتي لم تكن- للأسف- يوما جزءا أصيلا من تراثنا السياسي والإداري، وربما باستثناء مراحل معينة من العهد الملكي (1921- 1958)، ولم تكن موضع الرهان أصلا، ولا سيما مع هيمنة سلطة الأحزاب والجماعات المسلحة في عراق ما بعد الاحتلال، وفي ظل الفراغ الأمني والرقابي وغياب قضاء قادر على المحاسبة والمحاكمة.

وبعبارة أخرى، فإن عراقنا اليوم يتصدر قائمة أبرز الدول التي تعاني من هذه الآفة، وباتت ضرورة مواجهتها والحد منها من أهم المطالب المجتمعية وأكثرها إلحاحا، وهي مطالب لا يمكن المساومة عليها نظرا لنتائجها الكارثية على بنية المجتمع والدولة معا. كما أصبحت مواجهة هذه الظاهرة معيارا لتقويم وتقييم أي كابينة وزارية في البلد وأي رئيس يتولى قيادة العراق والسلطة التنفيذية فيه، إلى جانب المؤسسات الأخرى، كمجلس النواب والقضاء وسائر مرافق الدولة، والمؤسسات المستقلة التي تقع على عاتقها مسؤولية مكافحة الفساد.

وبخصوص الحملة الوطنية الحالية التي نلمسها في قرارات وإجراءات رئيس وزراء العراق تجاه الفساد المستشري في البلد، والدعم المعنوي الذي يتلقاه للمضي قدما فيها وعدم التراجع عنها تحت أي ضغوط أو إملاءات تصدر عن أطراف متضررة من محاربة الفساد، يمكننا القول إنها من أهم القضايا التي أصبحت موضع اهتمام العراقيين في المرحلة الراهنة، ومن أبرز المعطيات السياسية المشجعة التي أعادت الأمل إلى العملية السياسية في البلاد، وأكسبتها دعم مختلف مكونات المجتمع وشرائحه وطبقاته يوما بعد يوم، ولا سيما إذا لاحظنا أن هذه المرة تتخللها إجراءات وملاحقات قانونية مستمرة وعملية، تتزايد معها أعداد الملفات التي تكشف حجم ونسب الفساد الكبيرة التي يجري رصدها والمتورطين فيها، وأسماء بارزة لم يكن من السهل أو المتوقع أن تطالها الإجراءات والاعتقالات بفعل مواقع أصحابها في الدولة ومؤسساتها.

كما أن هذه الحملة أعادت الثقة فعلا إلى الدولة وهيبتها، ووجهت ضربة معنوية قوية إلى الجهات الداعمة للفساد والفاسدين، وأجبرتها على التبرؤ بصورة مباشرة أو ضمنية، من العناصر القريبة منها والمتورطة في سلب المال العام ونهبه، بل وإعلان دعمها للدولة والإجراءات التي تقوم بها في هذا الخصوص.

 ويضاف إلى ذلك الدعم الشعبي الواسع الذي يعبر عن نفسه عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما دعم الشارع الكُردستاني، الذي يطالب هو الآخر الحكومة العراقية بتوسيع إجراءاتها وملاحقاتها، ومواجهة أي فاسد أو ملفات فساد، سواء أكان ذلك في بغداد أم البصرة أم أربيل أم في مناطق أخرى من كُردستان العراق.

ويعبر هذا الدعم، دون أدنى شك، عن وحدة البلاد والعباد، وعن المعاناة التي تمثل قاسما مشتركا بين أبناء الوطن الواحد، كما يظهر للجميع أنه لا مكان للفاسدين حتى وإن تأخرت الدولة والمؤسسات المعنية في أداء واجبها الوطني تجاههم، وفي تطهير المجتمع من بلائهم، وحماية ثروات البلد وخيراته من ظلمهم وفسادهم.

*باحث في المركز الأكاديمي للدراسات الوطنية ACNS


06/08/2026