×

  قضايا كردستانية

  شنكال ... جرحٌ في قلب كوردستان واختبارٌ لضمير الإنسانية



*عماد أحمد

 

*ترجمة: نرمين عثمان محمد /عن صحيفة كوردستاني نوى

 

بعض الأحداث لا تُسجَّل في صفحات التاريخ فحسب، ولا تتحول إلى غبارٍ تذروه السنون، بل تظل جرحًا لا يندمل في الضمير الحي للأمم. وتُعدُّ فاجعة   شنكال واحدةً من تلك الجروح الملتهبة التي لا تزال تؤلم قلب كوردستان، وتضع ضمير الإنسانية أمام اختبارٍ حقيقي.

إن ما ارتكبته عناصر تنظيم داعش بحق الإيزيديين لم يكن مجرد قتلٍ لآلاف الأبرياء، بل كان محاولةً وحشيةً لمحو هويةٍ عريقة، واستئصال معتقداتٍ راسخة، وإلغاء تاريخٍ وذاكرةٍ لشعبٍ ثبتت جذوره في هذه الأرض منذ آلاف السنين.

في تلك الأيام الحالكة، ارتكب تنظيم داعش جريمةً بشعةً باسم الإسلام، بينما يبرأ الإسلام الحقيقي من تلك الجريمة براءةً تامة. فقد انتزع الأطفال من أحضان أمهاتهم، وقتل الشباب والشيوخ، وذبح رجال الدين، واختطف آلاف النساء والفتيات، وتعامل معهن كسلعٍ تُباع وتُشترى في الأسواق المظلمة، كما دمّر قراهم وبيوتهم ومعابدهم. ولم تكن تلك حربًا بين الأديان، بل جريمةً مكتملة الأركان ضد الإنسانية وكرامة الإنسان.

إن فاجعة شنكال  لم تكن سوى امتدادٍ لسلسلة طويلة من حملات الاضطهاد والإبادات الجماعية التي ارتُكبت بحق الإيزيديين على مرِّ القرون. ومع ذلك، كانوا في كل مرة ينهضون من جديد، كطائر العنقاء، من بين رماد آلامهم، محافظين على هويتهم ومعتقداتهم.

ويُعد الإيزيديون إحدى أقدم الجماعات الدينية في هذه المنطقة، ويشكّل وجودهم جزءًا لا يتجزأ من النسيج الحضاري والتعددية الثقافية في كوردستان. ومن ثم، فإن حمايتهم ليست مسؤوليتهم وحدهم، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية تقع على عاتق كل من يؤمن بحق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة.

لقد امتلأ تاريخ كوردستان بجراح الشوفينية والتطرف؛ فالأنفال، والقصف الكيميائي لمدينة حلبجة، وهدم القرى، والتهجير، ومحو الهوية، كلها ذكرياتٌ مريرة في ذاكرة هذا الشعب. ومن ذاق ويلات القتل الجماعي والإبادة الجماعية يدرك أكثر من غيره أنه لا يجوز أن تصبح أية أمة أو جماعة ضحيةً للكراهية والتطرف مرةً أخرى.

واليوم، وعلى الرغم من التعقيدات السياسية والأمنية التي يشهدها العراق والمنطقة، لا تزال شنكال بحاجةٍ إلى الاستقرار، وإعادة الإعمار، وتحقيق العدالة، واستعادة الثقة. فالفراغ الأمني يُبقي الباب مفتوحًا أمام عودة التطرف. ولذلك، فإن حماية شنكال لا تعني حماية أرضٍ فحسب، بل تعني حماية أمن كوردستان والعراق، وصون تعدديتهما ومجدهما. كما أن هناك رسالةً سياسيةً واضحة إلى جميع الأطراف في كوردستان: فعندما تواجه أمةٌ خطر الإبادة، فإن أي انقسامٍ داخلي يُعد خطأً تاريخيًا، لأن الوحدة واستعادة الثقة هما أساس قوة الشعوب.

ويجب ألا تتحول شنكال  إلى ساحةٍ للصراعات السياسية والعسكرية، كما لا ينبغي تحويل آلام أهلها إلى ورقة ضغطٍ أو وسيلةٍ للمساومة. بل يتعين على الجميع التعاون من أجل إعادة النازحين، وإحياء المدن والقرى المدمرة، وتوفير الأمن والاستقرار الدائمين. فالنازحون لا يعودون إلى ديارهم بالشعارات، وإنما يعودون عندما تُعاد إعمار بيوتهم، وتُستأنف أعمالهم، وتُفتح مدارسهم، ويطمئنون إلى مستقبلهم.

كما ينبغي للمجتمع الدولي ألا ينظر إلى فاجعة شنكال  بوصفها مجرد مأساةٍ تاريخية، فمصير عددٍ من المفقودين لا يزال مجهولا، ولا تزال النساء الناجيات وشباب شنكال بحاجةٍ إلى دعمٍ طويل الأمد. فالعدالة ضرورة، لكنها وحدها لا تكفي، إذ إن التئام هذه الجراح لا يتحقق بمجرد معاقبة المجرمين، بل بإعادة بناء الحياة، وإنصاف الضحايا، واستعادة كرامتهم.

إن شنكال ليس اسمًا لمنطقةٍ فحسب، بل هو اسمٌ لاختبارٍ مستمر للضمير الإنساني. فإذا لم يستخلص العالم بأسره الدروس من هذه الفاجعة، فإن خطر تكرار الجريمة سيظل قائمًا.

وأفضل تكريمٍ لضحايا شنكال لا يكون بذرف الدموع وحده، بل ببناء مستقبلٍ لا يُقتل فيه أي طفل بسبب هويته، ولا تُباع فيه أي امرأة، ولا يعيش فيه أي مجتمع تحت تهديد الإبادة الجماعية، ولا يُستغل فيه الدين سلاحًا للنيل من كرامة الإنسان.

ويجب أن تصبح شنكال مصدر إلهامٍ للدفاع عن التعددية الثقافية، ومحاربة التطرف، والتكاتف من أجل صون حقوق الإنسان وكرامته، حتى نقول بصوتٍ واحد: إن هذه الإبادة لن تتكرر أبدًا، في أي مكان، وضد أي إنسان.


06/08/2026