"المجلس الأطلسي" الامريكي/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
إنهم في هذا معا. ففي يوم الجمعة، وقع قادة السعودية وباكستان وتركيا اتفاقية دفاعية جديدة، تنص على أن «أي هجوم مسلح ضد أي دولة من الدول الثلاث سيُعد هجوما ضدها جميعا».
وتحمل الاتفاقية اسم المدينة السعودية التي جرى توقيعها فيها، وهي «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، وتأتي في وقت تهدد فيه الحرب مع إيران بالاندلاع مجددا، فيما استؤنفت بالفعل هجمات الحوثيين انطلاقا من اليمن، وفي ظل تساؤلات تطرحها دول الخليج بشأن دور الولايات المتحدة بوصفها مزودا للأمن، بعد الهجمات العديدة التي شنتها إيران بالطائرات المسيرة والصواريخ.
وفيما يلي، يشرح خبراء المجلس الأطلسي ما الذي تعنيه هذه الاتفاقية — وما الذي لا تعنيه — بالنسبة إلى الدول الثلاث.:
السعودية
هذه الاتفاقية ليست تحالفا شبيها بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولا تشير إلى قيام تكتل إقليمي جديد ومحدد. لكن ذلك لا يعني أنها تفتقر إلى الأهمية. بالنسبة إلى الرياض، تعزز هذه الاتفاقية أوراق قوتها ونفوذها، في الوقت الذي تتعامل فيه مع إيران أكثر جرأة، وتواجه فيه حدود قدرة الردع الأمريكية في المنطقة.
وترى الرياض أن نسج شبكة من الشراكات سيجعلها أكثر قدرة على استباق التهديدات الإقليمية المتغيرة، بدلا من الاعتماد على شريك واحد أو كتلة واحدة.
وفي الوقت نفسه، تستفيد الرياض من فترة مضطربة لتأكيد قيادتها الإقليمية؛ فمن خلال استضافة توقيع اتفاق أمني جديد مع قوة إقليمية مؤثرة أخرى، هي تركيا، تؤكد السعودية نفسها بوصفها واجهة للاستقرار الإقليمي، في وقت يُنظر فيه إلى القوتين الإقليميتين الكبريين الأخريين، إيران وإسرائيل، باعتبارهما قوتين مزعزعتين للاستقرار.
ومن الجدير تذكر أن السعودية لديها اتفاق دفاع متبادل مع باكستان منذ أيلول/سبتمبر 2025، ومع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي منذ عام 2000. لكن أيا من هذه الاتفاقيات لم يترجم عمليا إلى نوع الاستجابة المرتبطة بالمادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي.
وقد تعمل باكستان وتركيا على حشد بعض أشكال الدعم الأمني الجديد استجابة للتهديدات الإيرانية أو لهجمات الحوثيين، نتيجة لهذه الاتفاقية. وكانت باكستان قد أرسلت بالفعل بعض القوات ومنظومات الدفاع الجوي إلى السعودية. لكن من غير المرجح أن يكون هذا الدعم عاملا حاسما يغير قواعد اللعبة، كما أنه سيكون مرتبطا بدرجة كبيرة بظروف كل حالة. وعلى وجه الخصوص، أكد مسؤولون باكستانيون أن اتفاق عام 2025 لم يتضمن مظلة نووية.
وقد يكون البعد الدبلوماسي الذي توفره هذه الاتفاقية أكثر تأثيرا من التعاون الأمني الملموس؛ ففي بداية الحرب مع إيران، تمكنت الرياض من توظيف شراكتها المعززة مع إسلام آباد بهدوء للتأثير في المفاوضات وإدارة التصعيد مع طهران.
كما تمثل هذه الاتفاقية دليلا إضافيا على أن الرياض تتخلى عن مساعيها للحصول على ضمان أمني من واشنطن شبيه بالمادة الخامسة. لكن لا ينبغي النظر إليها على أنها رفض للشراكة بين الرياض والولايات المتحدة. بل على العكس، قد تكون هذه الخطوة منسجمة مع الجهود الأمريكية الرامية إلى إعادة ضبط دورها العسكري في المنطقة، والانتقال من دور «الضامن الأمني» إلى دور «الجهة المدمجة» أو «المتكاملة» أمنيا.
*— أليسون ماينور* هي مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط ضمن برامج مركز رفيق الحريري والشرق الأوسط في المجلس الأطلسي. وشغلت سابقا منصب نائبة المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن، كما عملت مديرة لشؤون شبه الجزيرة العربية في مجلس الأمن القومي الأمريكي.
باكستان
تُرسخ هذه الاتفاقية أيضا انخراط باكستان في بنية الأمن الناشئة في الشرق الأوسط. وهي تأتي بعد فترة قصيرة من إتمام إسلام آباد اتفاق دفاع متبادل جديدا مع السعودية، وفي وقت تتخذ فيه خطوات لتعميق التعاون الدفاعي مع حلفاء آخرين في المنطقة، مثل مصر والأردن.
كما تمنح الاتفاقية باكستان، بما تتمتع به من أغلبية سكانية مسلمة وقدرات في مجال الأسلحة النووية، مزيدا من المكانة والنفوذ في المنطقة. وهذا مهم لأسباب تتعلق بصورة البلاد أمام الرأي العام؛ إذ يريد القادة الباكستانيون أن ينظر العالم إلى بلادهم باعتبارها دولة فاعلة ومؤثرة وإيجابية على الساحة الدولية، لا باعتبارها موطنا لمستويات مرتفعة من القمع والإرهاب. لكن هناك أيضا مكاسب استراتيجية لباكستان، بالنظر إلى الأهمية الكبيرة التي يحظى بها الشرق الأوسط بالنسبة إلى مصالحها الاستراتيجية. فالمنطقة تضم عددا كبيرا من أبرز حلفائها، وتستورد منها غالبية كبيرة من احتياجاتها من المحروقات، كما يقيم فيها عدة ملايين من المغتربين الباكستانيين.
إضافة إلى ذلك، يمكن للاتفاقية أن تساعد في تعزيز علاقة إسلام آباد بالولايات المتحدة. ومن المرجح أن تنظر إدارة ترامب، التي تريد من أبرز حلفاء الولايات المتحدة تقاسم قدر أكبر من أعباء الأمن، بإيجابية إلى اتفاق يهدف إلى تعزيز الردع الجماعي في المنطقة، مع التركيز على إيران. وعلاوة على ذلك، يمكن لباكستان، في مرحلة لاحقة، أن تستشهد بهذه الاتفاقية، شأنها شأن اتفاقها مع السعودية، أمام إدارة ترامب، كتذكير بالدور الأوسع الذي يمكن أن تؤديه في الشرق الأوسط، إذا انتهت الحرب في إيران ولم تعد وساطة باكستان مطلوبة، أو إذا اندلعت الحرب مجددا وباتت باكستان عرضة لانتقادات من واشنطن.
— مايكل كوغلمان* زميل أول مقيم لشؤون جنوب آسيا في المجلس الأطلسي، ويكتب النشرة الأسبوعية «موجز جنوب آسيا» لمجلة «فورين بوليسي».
تركيا:
تمثل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي وقعها اليوم قادة تركيا وباكستان والسعودية، نقطة تحول في النظام متعدد الأقطاب الناشئ في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
وبالنسبة إلى أنقرة، فإن الاتفاقية توسع مظلة قائمة أصلا ومفتوحة أمام حلفائها في قطر وسوريا وليبيا، مضيفة إليها مزيدا من التماسك وكميات هائلة من الموارد الجديدة، بما يحولها فعليا إلى آلية للدفاع الجماعي للدول المسلمة. كما أنها تضع موضع التنفيذ مبدأ مفاده أنه لا ينبغي للقوى الخارجية أن تعيد بصورة أحادية الجانب قلب أو تعديل الأنظمة السياسية الإقليمية، وهو مبدأ جيوسياسي يقوم على الحفاظ على الوضع القائم، وتتشارك فيه الدول الثلاث الموقعة.
وترى السعودية في الاتفاقية ثقلا موازنا مهما لإيران، فيما ترى باكستان فيها ثقلا موازنا للهند. أما بالنسبة إلى أنقرة، فإن إضافة قوة اقتصادية كبرى ودولة نووية إلى فريقها تعزز بصورة حادة قدرة الردع في مواجهة إسرائيل، وهي دولة مجاورة يتحدث قادتها بصورة متزايدة عن العداء والصراع المحتمل مع تركيا. وفي أعقاب الغارة الجوية الإسرائيلية على الدوحة العام الماضي، قد ترى دول المنطقة ضرورة إقامة دفاع جوي جماعي واتخاذ تدابير أمنية أخرى لمواجهة كل من إيران وإسرائيل.
وستعود على كل دولة من الدول الثلاث مزايا عسكرية وعملياتية، إلى جانب مكاسب في مجال الصناعات الدفاعية والدبلوماسية. ومن المؤكد أن الصناعات الدفاعية التركية ستستفيد من اتساع الفرص التجارية. ولعل الأهم من ذلك أن «اتفاقية مكة» — وإمكانية توسيعها مستقبلا لتشمل أعضاء آخرين — تؤكد مكانة تركيا في شبكات الطاقة والتجارة التي تربط الهند بأوروبا، لأن الشراكات الدفاعية تدعم العلاقات التجارية وتعززها بصورة متبادلة، كما تدعم طبيعة الشبكات المقصودة هنا.
*— ريتش أوتزن* ، الحاصل على درجة الدكتوراه، هو زميل أول غير مقيم في برنامج تركيا التابع للمجلس الأطلسي. وقد عمل سابقا في وزارة الخارجية الأمريكية مستشارا عسكريا ومدنيا على حد سواء.