*برهان شيخ رؤوف
خلال العقدين الماضيين، ظهر الفساد في العراق، بما في ذلك إقليم كردستان، واستمر في التوسع والنمو، من دون رقابة جادة، حتى ترسخت جذوره بعمق وأمسكت بمختلف جوانب المجتمع. ومواجهة الفساد والقضاء عليه تتطلب البحث عن أسبابه وعوامله الأساسية.
إن نظام الحكم في العراق بعد عام 2003، وعلى الرغم من الصراعات الداخلية والطائفية، أصبح الفساد أكبر بلاء يعاني منه البلد، متسترا خلف عناوين الدين والمذهب والقومية والوطنية. وكل من تتاح له الفرصة يستولي على المال العام، ويأخذ منه لنفسه ولأقاربه وذويه، ثم لحزبه أيضا.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في أن الفاسدين ينهبون ثروات البلاد، وإنما في أنهم يشكلون عائقا وحاجزا أمام الاستثمار والتنمية والتقدم الاقتصادي للبلاد.
وعلى الرغم من أن رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، منذ بداية توليه مهامه، يبذل جهودا لمكافحة الفساد، وقد تمت ملاحقة عدد من المسؤولين الحكوميين في بعض المواقع وإحالتهم إلى القضاء، وكُشف عن ملفات فساد كبيرة، فإن الطريق لا يزال طويلا، ولم تمتد يد العدالة بعد إلى كبار الحيتان.
ومن هنا، فإن اعتقال الفاسدين ومحاكمتهم يمثل خطوة أساسية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتهيئة الطريق أمام المستثمرين المحليين والأجانب للمساهمة في إعادة بناء البلاد. وحتى الآن، يبقى الفساد المالي والإداري أحد أكبر العوائق أمام نمو الاقتصاد العراقي.
وفي الوقت الراهن، وعلى الرغم من أن حكومة الزيدي لا تزال غير مكتملة، ولم يتم تعيين جميع وزرائها بشكل كامل، فإنها حددت لنفسها شعارا وهدفا يتمثلان في تنويع مصادر إيرادات الدولة وتقليل الاعتماد على النفط. وهنا يبرز سؤال مهم: هل تمتلك الحكومة القدرة على تحقيق ذلك؟.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه هذه الجهود، تعمل الحكومة على تنفيذ إصلاح اقتصادي واسع، بالتوازي مع حملتها لملاحقة الفاسدين. وفي المقابل، يراقب المستثمرون المحليون والأجانب تطورات الوضع عن كثب. فهل سيكون لهذه الخطوات تأثير وانعكاس على بيئة الاستثمار وعلى قرارات المستثمرين بالعمل في العراق؟.
وهناك عامل آخر يزيد من تعقيد بيئة الاستثمار في العراق، يتمثل في كثرة الموافقات والإجراءات الإدارية والروتينية المرهقة، فضلا عن المحسوبية، وهي أمور تخلق بيئة تدفع المستثمر إلى الانسحاب بدلا من جذبه.
ومن جهة أخرى، يوجه الفساد ضربة أخرى للاقتصاد والدولة، تتمثل في ارتفاع التكاليف، وتأخر إنجاز المشاريع، وانخفاض الجودة، وضعف الخدمات، وهدر إيرادات الدولة.
وتشير التقارير الدولية إلى أن الدول التي تنجح في السيطرة على الفساد تشهد ارتفاعا في مستويات الاستثمار، ولا سيما الاستثمار الأجنبي المباشر.
وفي النهاية، فإن خطر الفساد أكبر من خطر الإرهاب؛ لأن الإرهابيين معروفون ويهاجمونك بشكل علني وواضح، بينما يوجد الفاسدون داخل مختلف مفاصل الدولة والبرلمان والأحزاب، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم وطنيين وحماة للمال العام، بينما الحقيقة عكس ذلك تماما.
*صحيفة "الصباح"+ واع