العربي الجديد/تحقيق -حنان سالم:- يستعين الثلاثيني العراقي حسين العميدي، بطرق بدائية لتبريد المياه في صيف البصرة اللاهب، بسبب الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي. إذ يضطر مدرس الاقتصاد في معهد النخلة الأهلي، إلى شراء قوالب الثلج الجاهزة، وأحيانا تستخدم عائلته المكونة من خمسة أفراد، ماء الزير (إناء مصنوع من الفخار) للحصول على شراب بارد نوعا ما، ولا سيما أن أربع ساعات من الإمداد بالتيار يوميا لا تكفي، كما يقول لـ"العربي الجديد"، مضيفا: "الخدمة في تدهور مستمر منذ عام 2003".
معاناة العميدي وأهالي محافظته، باتت معضلة دائمة في وسط العراق وجنوبه، رغم حصول البلاد على قرض من البنك الدولي منتصف عام 2019 بقيمة 200 مليون دولار امريكي، لمشروع تطوير كهرباء البصرة، بهدف تحسين موثوقية الخدمة وكفاءتها التشغيلية والتجارية، بحسب ما جاء في تقرير البنك الدولي عن حالة تنفيذ مشروع تطوير كهرباء البصرة ونتائجه، الذي عملت عليه شركتان حكوميتان، هما: العامة لتوزيع كهرباء الجنوب، والعامة لنقل الطاقة الكهربائية/ المنطقة الجنوبية.
نظريا، كان يفترض بحسب تقرير المؤسسة الدولية الصادر في الخامس من فبراير/ شباط 2025، أن يؤدي المشروع إلى تعزيز شبكة نقل الكهرباء في الجنوب، بتكلفة وصلت إلى 95 مليون دولار، وكذلك إعادة بناء شبكة التوزيع، وزيادة إيرادات مبيعات الكهرباء للشركة، في مقابل أعمال كلفت 100 مليون دولار، إلى جانب بناء القدرات المؤسسية ودعم تنفيذ المشاريع بتكلفة 5 ملايين دولار.
بيد أن "القدرة على التنفيذ لا تزال تُشكِل عائقا"، وفق آخر تقييم للمشروع صدر عن البنك الدولي، مشيرا إلى التراجع في وتيرة التنفيذ، بالإضافة إلى تعقيدات فنية وإدارية، تواجه المشروع الذي كان مقررا الانتهاء منه في عام 2024، إلا أن "التلكؤ في الإنجاز، أدى إلى عدم اكتماله"، وهو ما تكرر مع مشاريع مخصصة لقطاعات أخرى، مثل الصحة والتعليم، فضلا عن وقائع فساد طاولت مخططات تنموية ممولة دوليا، ما يسفر عن تدهور مستمر في الخدمات المقدمة إلى المواطنين، وفق ما يوثقه التحقيق.
دائرة مفرغة من الاقتراض وتردي الخدمات
مع تفشي الفساد المالي والإداري وبروزه ظاهرة مؤسسية نتج منها تحجيم دور الصناعة والزراعة والقطاع الخاص في التنمية، اعتمد العراق على قروض خارجية وداخلية لسد عجز الموازنة الناتج من تجاوز النفقات حد الواردات في البلاد، كما يوضح الخبير الاقتصادي جليل اللامي، قائلا لــ"العربي الجديد": "يؤدي هذا إلى تراكم الديون واستنزاف الاحتياطي النقدي والتضخم الاقتصادي"، إذ ارتفع الدين العام الداخلي للبلاد إلى 95.68 تريليون دينار عراقي (73 مليار دولار) حتى نهاية إبريل/ نيسان 2026، بحسب بيانات البنك المركزي العراقي الصادرة في يونيو/حزيران الماضي، وفيها جاء أن حجم الدين الخارجي بلغ 54.1 مليار دولار في عام 2025، بينما العجز الفعلي في موازنات الأعوام 2023 و2024 و2025 بلغ نحو 35 تريليون دينار (26.72 مليار دولار).
ولمواجهة الفجوة بين النفقات والإيرادات يستعين العراق بمؤسسات دولية، أبرزها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، الذي بلغت قروضه مليارين و242 مليون دولار حتى مارس/ آذار الماضي، وكلها مخصصة لمشاريع البنية التحتية والإعمار وتطوير الخدمات الأساسية في المحافظات العراقية. لكن رغم سنوات من الاقتراض المشروط بتحسين هذه القطاعات، إلا أن الواقع يشير إلى عدم تطبيق التوصيات التي وضعتها المؤسسات الدولية، مثل تعزيز الشفافية والمساءلة في الإنفاق الحكومي، وإصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز الرقابة المالية ومكافحة الفساد وتحسين الحوكمة، ما أدى إلى ترد واسع في قطاع الخدمات الأساسية، يلمسه المواطن في حياته اليومية، كما يقول اللامي.
رشى وممارسات احتيالية
خلال الفترة من 15 يوليو/ تموز 2014 حتى التاسع من مارس 2026، حظرت مجموعة البنك الدولي ثلاث شركات ومديرين تنفيذيين يعملون في العراق، لمدد متفاوتة بين عام و4 أعوام، بسبب تضخيم في الفواتير، وتقديم مستندات مزورة، وممارسات احتيالية في المناقصات وتقديم رشى لموظفين عموميين في مشاريع خاصة بإعادة تأهيل الطوارئ الصحية ورعاية ذوي الإعاقة، وقطاع الطاقة.
عقب التحقيق، قرر مجلس العقوبات التابع للبنك الدولي، إصدار القرار رقم 72 الصادر في قضية العقوبات رقم 211، وقضى بحظر شركة التنمية والإغاثة (المعروفة باسم DRC b.v) 3 سنوات وشركة التنمية والإغاثة الدولية (المعروفة باسم DRC International b.v) 4 سنوات، بسبب ممارسات فاسدة ومُخادعة تتعلق بعمليات الشراء في مشروعين ممولين من البنك الدولي في قطاع الصحة بالعراق.
وفي التاسع من مارس 2026، حظر البنك الدولي، شركة أكتيف إليكتروتكنيك Aktif Elektroteknik التركية ورئيسها التنفيذي لمدة سنة وثلاثة أشهر، بسبب دفع رشى لموظفين عموميين في قطاع الطاقة في سياق عملية شراء لعقد ممول من البنك الدولي، وفق قرار مجلس العقوبات رقم 146 الصادر في قضية العقوبات رقم 779.
يعلق الدكتور آلان ممتاز، أستاذ السياسة والاقتصاد السابق في الجامعة الامريكية في السليمانية، على ما سبق بالقول: "ندور في دائرة مفرغة، إذا أُغلق باب التمويل الدولي بسبب ممارسات المقاولين العاملين في البلاد، فقد يتجه العراق إلى قروض تجارية مرتفعة الفائدة وضعيفة الرقابة على مصادر تمويلها، بما يفتح المجال أكثر أمام شبكات الفساد، وبدورها تزيد الأعباء المالية على الأجيال المقبلة وتتقلص فرص التنمية"، مشيرا إلى أن مناخ الأعمال والمال في العراق يشهد تراجعا ملحوظا في الاهتمام بقيم الشفافية ومكافحة الفساد، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الإضرار بالفقراء ومحدودي الدخل مرتين: الأولى من خلال عدم تقديم الخدمة التي يستحقونها، ما يؤدي إلى تردي أوضاعهم الحياتية، فضلا عن التبعات الثانية المتمثلة بحصول البلاد على المزيد من القروض المشروطة بتخفيض قيمة العملة، وإلغاء الدعم، وتحرير التجارة، بما يفاقم من الفجوة الاجتماعية التي تدمر معيشة الفئات الأكثر هشاشة بالأساس، وفق ما يشرحه أستاذ العلوم السياسة في جامعة بغداد إياد العنبر.
قروض بلا أثر
لا تتوقف إعلانات هيئة النزاهة الاتحادية عن ضبط مليارات الدنانير في منازل وعقارات تابعة لمسؤولين ونواب ضمن حملة مكافحة الفساد الأخيرة، فيما يحصل العراق على قروض من مؤسسات دولية عديدة لتمويل مشاريع كان يمكن العمل عليها عبر الموارد المحلية، في حال تفعيل دور المؤسسات الرقابية، إذ أدى تغيبها إلى فشل وتراجع في كل المنظومة الخدمية، وعلى رأسها النظام الصحي الذي يمكن إصلاحه وتطويره بشكل جوهري من خلال "زيادة الكفاءة ومكافحة الفساد، وهما شرطان فشلت الحكومة العراقية في تحقيقهما منذ عام 2003"، كما جاء في ورقة تحليلية نشرتها منصة منتدى فكرة التابع لمعهد واشنطن بعنوان: "النظام الصحي في العراق: علامة أخرى على دولة متداعية".
وحصل العراق على قروض مقدمة إلى قطاعي التعليم والصحة بقيمة 400 مليون دولار، خلال الفترة بين أعوام 2004 و2025، بحسب قاعدة بيانات البنك الدولي، بيد أن بعض المشاريع شابها الفساد، مثل ما جرى لدى تلاعب شركة AL-Thuhat Company العراقية بوثائق المناقصات الخاصة بعملية بناء 3 مدارس ضمن مشروع البنك الدولي لإعادة إعمار المؤسسات التعليمية، إذ احتوت بيانات الإنجاز على معلومات غير صحيحة حول حجم ما حصل على الأرض، ما يُعد ممارسة احتيالية، على أساسها فرض مجلس العقوبات التابع للبنك الدولي في 29 يناير/ كانون الثاني 2013 عقوبات على الشركة.
ويرد المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية، كريم السيد، قائلا لـ"العربي الجديد": "بشكل عام، استفادت الوزارة من القروض الدولية في بناء المدارس وترميمها". غير أن ما يحدث في هذا القطاع، يشي بخلاف ذلك، إذ شهد 48 مشروعا مدرسيا تلكؤا في التنفيذ ببغداد والمُحافظات الأخرى، بعدما كان من المقرر الانتهاء من الإنجاز في عام 2010، وفق ما أكدته هيئة النزاهة الاتحادية (حكومية) في بيان صادر في مارس 2024، موضحة أن العراق يواجه عجزا في الأبنية المدرسية بقوام 9035 بناية. وحثت الهيئة على الإسراع بهدم المدارس الآيلة إلى السقوط وإعادة بنائها، ففي قطاع التربية بحي الكرخ/ 2 في بغداد، على سبيل المثال، توجد 63 بناية آيلة إلى السقوط.
تتضح خطورة الظاهرة، في ما جرى مع أبناء الأربعيني حسين علي، إذ توقف أولاده الثلاثة عن مواصلة التعليم بسبب بُعد المدارس عن منزلهم في بلدة الرميثة بمحافظة المثنى جنوبي البلاد، حيث يعاني كغيره من سكان المناطق الريفية من واقع المؤسسات التعليمية المتردي، وهو ما يلخصه بالقول: "كان أولادي يحلمون بالوصول إلى الجامعة، لكن ما باليد حيلة، فأقرب مدرسة تحتاج ثلاث ساعات للوصول إليها، ولا أملك سيارة لإيصالهم يوميا، لذا اتجهوا للعمل في الزراعة بدلا من إكمال التعليم الثانوي".
يضيف حسين العميدي إلى ما ذكره سلفه: "من الطبيعي أن نبقى في الظلام تعليميا وكهربائيا، ما دام جزء من القروض يذهب إلى جيوب الفاسدين، وهؤلاء سبب التدهور في الخدمات التعليمية والصحية والكهربائية"، ويضيف ساخرا: "الديون الخارجية وصلت إلى أرقام خيالية، أين ذهبت؟ لا أحد يدري. في النهاية، الواقع يقول إنه لم يستفد منها العراقيون، بل غيرهم".