×

  قضايا كردستانية

  الكرد هم الضحايا الحقيقيون في الشرق الأوسط، وليس الفلسطينيون



*ديفيد هاريس

صحيفة"ديلي تيلغراف "البريطانية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

لماذا تحظى بعض القضايا باهتمام وولاء يستهلكان كل شيء، في حين تهمش قضايا أخرى أو يجري التقليل من شأنها؟

 

ولماذا يهب الذين يعلنون دفاعهم عن العدالة وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير بكل قوة في بعض الحالات، بينما يلتزمون صمتا مدويا في حالات أخرى؟

تقدم منطقة الشرق الأوسط الحديثة نموذجا بالغ الدلالة للإجابة عن هذا السؤال ويتعلق الأمر بالشعب الكردي، الذي يزيد تعداده على 40 مليون نسمة، والذي حرم من حقه في إقامة دولته المستقلة لأكثر من قرن.

ومع ذلك، فقد جرى تجاهل معاناته إلى حد كبير من قبل وسائل إعلام غابت عن أداء دورها، وناشطين جامعيين اتسموا باللامبالاة، ومحتجين غابوا عن المشهد، وأمم متحدة التزمت الصمت، فضلا عن دعاة الغضب الانتقائي في الدول الغربية الذين يزعمون الدفاع عن ضحايا الاضطهاد.

كان من الممكن أن تقوم دولة كردية عقب هزيمة الدولة العثمانية على يد دول الحلفاء قبل قرن من الزمنـ فقد رسمت معاهدة سيفر لعام 1920 ملامح هذا المسار، إذ تناولت مستقبل الأراضي التي كانت خاضعة للحكم العثماني.

 وقد اعترفت المعاهدة بالهوية الكردية وتطلعات الشعب الكردي، إلا أن ذلك الاعتراف لم يتحول قط إلى واقع.

وبدلا من ذلك، جرى تقسيم الأراضي ذات الغالبية الكردية، أو كردستان كما كانت تعرف، بين ما أصبح لاحقا إيران والعراق وسوريا وتركيا.

 وفي أعقاب الحرب، أعاد الدبلوماسيون ورسامو الخرائط في لندن وباريس رسم الحدود، وأنشأوا دولا جديدة، وحددوا مناطق النفوذ، وكأن المنطقة بأسرها كانت حديقة خلفية خاصة بهم.

إن حقيقة أن الكرد يشكلون شعبا متميزا، يمتلك تاريخه الخاص وهويته ولغته وثقافته، لم تحظ إلا بقدر ضئيل من الاهتمام ضمن ذلك التصميم الجيوسياسي الواسع وهكذا ألقي بهم في مصير مأساوي حرمهم من حقهم في الدولة طوال أكثر من مئة عام.

ومع ذلك، أظهر الكرد قدرة استثنائية على الصمود، ورفضوا التخلي عن تطلعاتهم أو التخلي عن حلمهم بالحرية، رغم ما تعرضوا له على مدى عقود من حملات اضطهاد متكررة، وقمع للغتهم وهويتهم وثقافتهم، فضلا عن تعرضهم في العراق إلى الإبادة الجماعية خلال حملة الأنفال التي نفذها نظام صدام حسين، بل إن شجاعة الكرد وبسالتهم دفعت الولايات المتحدة ودولا غربية أخرى إلى الاعتماد عليهم في لحظات حاسمة، سواء في مواجهة نظام صدام حسين أو لاحقا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لكنها ما لبثت أن تخلت عنهم عندما انتهت الحاجة إلى دعمهم. ومن هنا جاء المثل الكردي الشهير: "ليس لنا أصدقاء سوى الجبال."

ومع ذلك، فإن الاستهداف المتواصل للكرد لم يلفت اهتمام أولئك في الغرب الذين يعلنون أنهم مناصرون للمضطهدين.

فمن يتذكر مسيرة جماهيرية ضخمة للمطالبة بحقوق الكرد وحريتهم في وسط لندن أو وسط تورونتو؟ أو تجمعا حاشدا في ميدان تايمز في نيويورك أو أمام دار أوبرا سيدني؟ إن القضية الكردية تستوفي، من الناحية النظرية، جميع المعايير التي عادة ما تستدعي التضامن الدولي: شعب تعرض لإبادة جماعية موثقة، واستهدف بالأسلحة الكيميائية، ويسعى إلى تقرير مصيره والتحرر.

ومع ذلك، لا توجد حملات واسعة، ولا قوافل تضامن، ولا حملات جماهيرية، ولا مظاهر رمزية للتأييد، ولا أي شيء يذكر. فلماذا؟

ولماذا، على سبيل المثال، تستقطب قضية نحو خمسة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة اهتماما وحماسا واسعا، بينما لا تحظى قضية أكثر من 40 مليون كردي بالاهتمام نفسه؟

ولماذا يواصل الفلسطينيون، رغم أن قادتهم رفضوا عددا من مقترحات إقامة الدولة منذ لجنة بيل عام 1937، التمتع بدعم واسع من المطالبين بإقامة دولة فلسطينية، في حين أن نحو 93% من كرد العراق الذين صوتوا لصالح الاستقلال في الاستفتاء غير الملزم الذي أجري عام 2017، قوبلوا بالرفض من الحكومة المركزية العراقية المدعومة من إيران، كما جرى تجاهل تطلعاتهم إلى حد كبير من قبل الغرب؟

ويجادل البعض بأن الكرد يطرحون مطالب غير واقعية، بحجة أنهم يعيشون في أربع دول قائمة، وأن تغيير الحدود ليس خيارا ممكنا.

حقا؟

هل ينبغي احترام الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية البعيدة قبل قرن من الزمن إلى الأبد، رغم أنها تجاهلت، باستخفاف، الحقائق القائمة على الأرض خدمة لمصالحها الجيوسياسية الخاصة؟

في الواقع، يمكن للحدود أن تتغير، وهناك أمثلة حديثة كثيرة على ذلك.

فقد انهار الاتحاد السوفيتي، وحلت محله 15 دولة مستقلة. كما تفككت يوغوسلافيا، وخرجت منها سبع دول ذات سيادة. وشهدت تشيكوسلوفاكيا، التي كانت هي الأخرى من نتاج مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، ما عرف بـ"الطلاق المخملي" بين جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا.

كما انفصل جنوب السودان عن السودان وأصبح دولة مستقلة، وكذلك نالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا، وتيمور الشرقية عن إندونيسيا.

أما أرض الصومال (صوماليلاند)، فقد ظلت تمارس عملها كدولة مستقلة بحكم الأمر الواقع، منفصلة عن الصومال، لأكثر من ثلاثة عقود، رغم أنها لم تحصل حتى الآن على اعتراف دولي واسع النطاق.

 

اختلال صارخ في المعايير

يمثل إقليم كردستان العراق اليوم النموذج الأكثر إقناعا لفكرة الاستقلال الكردي. فهو، إلى حد كبير، الجزء الأفضل إدارة، والأكثر انفتاحا وتعددية في العراق، كما يشكل نموذجا نادرا نسبيا لتجسيد بعض القيم التقدمية في منطقة الشرق الأوسط الأوسع. وتعد حقوق المرأة، والحرية الدينية، والانفتاح على الغرب، من أبرز السمات التي تميز هذا الإقليم الذي يزيد عدد سكانه على ستة ملايين نسمة.

ولهذا السبب تحديدا، تسعى الحكومة العراقية في بغداد، إلى جانب إيران المجاورة، إلى إبقاء إقليم كردستان تحت السيطرة والنفوذ، مستخدمة العنف والضغوط الاقتصادية كلما اقتضى الأمر. ومع ذلك، فإن أيا من هذه الممارسات لم يثر، مرة أخرى، غضب أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على القيم الأخلاقية في الغرب.

وفي نهاية المطاف، قد يكون التفسير الأكثر ترجيحا لهذا التجاهل لمعاناة الكرد وما يمثلونه بسيطا للغاية.

فهل يعود السبب إلى أن القضية الفلسطينية يمكن إدراجها بسهولة ضمن السردية الثنائية السائدة اليوم، والمبسطة إلى حد بعيد، التي تقسم العالم إلى "ظالم" و"مظلوم"، بحيث تصور إسرائيل، الدولة الوحيدة ذات الأغلبية اليهودية في العالم، بوصفها الطرف المعتدي، في إطار يستحضر صورا نمطية قديمة ويحمل شحنة عاطفية قوية لدى بعض الجماهير؟

أما القضية الكردية، فقد تبدو أكثر تعقيدا من الخارج. فخصوم الكرد هم العرب والإيرانيون والأتراك، وليس اليهود أو الإسرائيليين، الأمر الذي يجعل من الصعب، وربما من غير المريح بالنسبة للبعض، إدراجها ضمن الأطر الأيديولوجية والروايات السائدة.

والنتيجة هي اختلال صارخ في المعايير.

فحركة وطنية واحدة تستقطب اهتماما عالميا هائلا، ومظاهرات لا تنتهي، ودعما من المشاهير، واعتصامات في الجامعات، وحملات دولية واسعة.

أما الحركة الوطنية الأخرى، التي تمثل شعبا يزيد عدده على أربعين مليون نسمة، وتعرض في العراق للإبادة الجماعية، فلا تحظى حتى بقدر قريب من ذلك الاهتمام.

إن السؤال الحقيقي، إذن، هو: لماذا لم يحظ شعب يزيد تعداده على 40 مليون نسمة، حرم من دولته لأكثر من قرن، وتعرض لموجات متكررة من القمع والاضطهاد، إلا بقدر ضئيل للغاية من الحماس الأخلاقي الذي حشد لقضايا أخرى؟

وإلى أن تتم مواجهة هذا السؤال بصدق، فإن الادعاءات المتعلقة بعالمية المبادئ، ودعم حق الشعوب في تقرير المصير وحركات التحرر الوطني، والالتزام بحقوق الإنسان، ستظل تفتقر إلى المصداقية وتبدو مجرد شعارات فارغة.

*ديفيد هاريس:نائب الرئيس التنفيذي لـ معهد دراسة معاداة السامية العالمية والسياسات، ومؤلف كتاب «معاداة السامية: ما الذي ينبغي للجميع معرفته» (منشورات جامعة أكسفورد، 2025).


16/08/2026