×

  قضايا كردستانية

  كركوك بين منطق العقل وتأثير العاطفة



*لطيف نيرويي

ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوي

تُعد كركوك، بما تضمه من قوميات ومكونات متنوعة، نموذجا للتعددية والتعايش، لكنها في الوقت نفسه تمثل ساحة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الخطابات السياسية والقومية وفي هذه المدينة، غالبا ما يجد الخطاب القومي العاطفي طريقه إلى عقول المواطنين ووجدانهم بوتيرة أسرع من الخطاب العقلاني، لأنه يستند إلى ربط الهوية بالأرض، ويستحضر ذاكرة تاريخية مثقلة بالمآسي ومحطات النضال، مما يمنحه قدرة أكبر على التأثير والتعبئة.

ورغم أن هذا النوع من الخطاب قد يتحول، في مراحل معينة، إلى أداة لتعزيز الوعي والدفاع عن حقوق أحد المكونات وحشد التأييد لقضاياه، فإن تغليب المشاعر القومية في مجتمع متعدد المكونات مثل كركوك قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية، وإزاحة الاهتمام عن القضايا الخدمية والتنموية التي تمس حياة المواطنين جميعا.

وفي المقابل، فإن معالجة التحديات التي تواجه المدينة تتطلب إفساح المجال أمام خطاب وطني جامع، يقوم على الشراكة والاعتراف المتبادل، ويكفل حقوق جميع المكونات على قدم المساواة، بما يسهم في نقل كركوك من ساحةٍ لتنافس الهويات إلى نموذجٍ للتعايش والاستقرار المجتمعي.

ومن هذا المنطلق، يؤكد الاتحاد الوطني الكوردستاني أنه انتهج، على مدى سنوات، سياسة ترتكز على ترسيخ التعايش والشراكة بين مكونات المدينة، مستندا إلى حضوره السياسي والجماهيري وإيمانه بأن استقرار كركوك لا يتحقق إلا من خلال التوافق واحترام التنوع.

وفي ضوء هذه الحقيقة، تتكرر بين الحين والآخر مثل هذه الخطابات، إلا أن ما يُطرح فيها لا يعكس بالضرورة واقع الحال على الأرض. لذلك، فإن التعامل مع هذا الواقع يتطلب مقاربة عقلانية تستند إلى الحقائق، ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

أولا: من الضروري أن تدرك جميع المكونات في كركوك، من الكورد والعرب والتركمان والمسيحيين، وأن تتقبل حقيقة أن الرؤى والمواقف بشأن واقع المدينة ومستقبلها قد تختلف من مكون إلى آخر، كما قد تتباين الرسائل السياسية التي يطرحها قادة هذه المكونات وهذه ليست ظاهرة جديدة أو استثنائية، بل تعكس طبيعة المجتمعات المتعددة، إذ يسعى كل مكون إلى التعبير عن تطلعاته والدفاع عن رؤيته، بما يعزز حضوره السياسي داخل قاعدته الاجتماعية.

وفي هذا السياق، لا يُتوقع أن تحظى الرسالة التي يطرحها مسؤول كوردي بتأييد غالبية المكونين العربي والتركماني، كما أن الرسالة التي يطرحها مسؤول تركماني قد لا تنال قبول غالبية الكورد والعرب، وينطبق الأمر ذاته على الرسائل الصادرة عن القيادات العربية. فاختلاف المواقف في مجتمع متنوع يعد أمرا طبيعيا، ما دام يجري التعبير عنه ضمن الأطر السياسية والدستورية.

غير أن الأهم من اختلاف الرسائل هو الكيفية التي تُطرح بها. فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن تراعي الخطابات السياسية خصوصية كركوك وتنوعها القومي والديني والمذهبي، وأن تُصاغ بلغة مسؤولة تحترم جميع المكونات، وتتجنب إثارة المشاعر أو تأجيج التوترات. كما ينبغي أن تسهم ردود الأفعال إزاء هذه الخطابات في تعزيز الثقة المتبادلة، لا في إضعاف روح التعايش، أو الإضرار بحالة التوافق والإدارة المشتركة التي تشكل أساس الاستقرار في المدينة.

وعند تقييم التصريحات وتحليلها، ولا سيما تلك الصادرة عن الشخصيات السياسية، ينبغي التمييز بوضوح بين الخطاب القومي ذي الطابع العاطفي وبين القرار السياسي الفعلي. فليس كل تصريح أو رسالة سياسية يعبر بالضرورة عن موقف رسمي أو قرار ملزم، وإنما قد يندرج في إطار مخاطبة الجمهور أو التعبير عن رؤية سياسية أو قومية.

ومن ثم، لا ينبغي أن تدفع مثل هذه الرسائل، الصادرة عن مسؤول أو كادر سياسي يمثل أحد المكونات، المكونات الأخرى إلى اتخاذ مواقف متشددة على المستويات السياسية أو الإعلامية أو الجماهيرية، أو التعامل معها باعتبارها قرارات سياسية نهائية. فمثل هذا التفسير قد يفضي إلى توترات غير مبررة، ويخلق أجواء غير طبيعية في المدينة، بما ينعكس سلبا على الاستقرار وروح التعايش بين مكوناتها.

وقد أثبتت التجارب أن انتهاج سياسة ردود الفعل المتسرعة أو المتشددة في كركوك لا يخدم استقرار المدينة، بل ينعكس سلبا على جميع مكوناتها، وفي مقدمتها المكون الكوردي. كما أن تداعيات هذه السياسات تقع بصورة أكبر على الاتحاد الوطني الكوردستاني، بحكم مسؤوليته السياسية ودوره المحوري في إدارة شؤون المدينة وتعزيز استقرارها.

وانطلاقا من هذه المسؤولية، يحرص الاتحاد الوطني الكوردستاني على التعامل مع مختلف القضايا بروح من الحكمة وسعة الصدر، واضعا المصلحة العامة لكركوك فوق أي اعتبارات أخرى. ولذلك، فإن قياداته وكوادره في المدينة تعتمد، عند التعامل مع أي موقف أو قرار يتعلق بمستقبل كركوك، على قراءة متأنية وتقييم موضوعي للوقائع، بعيدا عن ردود الفعل الانفعالية أو التأثر بالخطابات الإعلامية والسياسية التي قد تؤدي إلى تأزيم الأوضاع أو الإضرار بحالة الاستقرار والتعايش التي تحتاجها المدينة.

ثانيا: فيما يتعلق بالمادة (140) من الدستور العراقي الدائم، فقد صدرت في مناسبات مختلفة تصريحات من عدد من المسؤولين السياسيين في بغداد وكركوك تفيد بأن العمل بهذه المادة قد انتهى. ومثل هذه التصريحات تندرج، في كثير من الأحيان، ضمن الخطاب السياسي الموجه إلى الجمهور، وتهدف إلى كسب التأييد أو تعزيز الموقف السياسي، ولا تعني، بحد ذاتها، إلغاء المادة (140) أو فقدانها لقيمتها الدستورية.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في هذه التصريحات، وإنما في المتغيرات الميدانية والديموغرافية التي تشهدها المناطق المشمولة بالمادة، ولا سيما الزيادة المستمرة في أعداد الوافدين مقارنة بالسكان الأصليين. فهذه المتغيرات، إذا استمرت من دون معالجة، قد تؤثر في التوازن السكاني الذي تستند إليه فلسفة المادة (140)، وتضعف فرص تحقيق أهدافها عند تهيئة الظروف اللازمة لتطبيقها.

ومن هنا، فإن معالجة هذا الملف تتطلب موقفا وطنيا مسؤولا، وتوافقا سياسيا حقيقيا، وإجراءات عملية للحفاظ على التوازن الديموغرافي واحترام الحقوق الدستورية لجميع المواطنين. فالمشكلة الأساسية ليست في الخطابات الإعلامية أو التصريحات السياسية، وإنما في الوقائع التي تتشكل على الأرض، لأنها هي التي ستحدد في النهاية مدى قدرة المادة (140) على تحقيق الغاية التي شرعت من أجلها، بما يضمن العدالة والإنصاف للسكان الأصليين للمناطق المشمولة بها.


16/08/2026