*غوردون براون
صحيفة"الغارديان"البريطانية /الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
الغالبية الساحقة من شعوب العالم تريد تعاونا دوليا في مجالات حقوق الإنسان والمناخ والذكاء الاصطناعي. وعلى الدول التي تتشارك هذه الرؤية أن تقف معا لتحقيق ذلك.
رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي برنهام، يواجه بالفعل أحد أخطر القرارات التي سيتعين عليه اتخاذها. فعليه أن يصدر التعليمات التي يملك وحده صلاحية إصدارها إلى القوات المسلحة، والتي تحدد موقف المملكة المتحدة في سيناريو كارثي يتمثل في تعرض البلاد لهجوم بالأسلحة النووية.
وسوف يوقع، كما فعلت أنا قبل عقدين من الزمن، على ورقة يحدد فيها للقادة العسكريين ما إذا كان يتعين عليهم الرد على الهجوم أم لا، وإذا كان الرد ضروريا، فهل يكون من خلال استهداف التجمعات السكانية المدنية أم المواقع العسكرية. وتدوّن هذه التعليمات في وثيقة تحمل اسما معبرا هو «رسالة الملاذ الأخير».
واليوم، أكثر من أي وقت مضى منذ أزمة الصواريخ الكوبية في ستينيات القرن الماضي، يخشى الرأي العام الأوروبي اندلاع حرب عالمية ثالثة. ومع اقتراب «ساعة يوم القيامة» النووية، التي طورها علماء الذرة، من منتصف الليل أكثر فأكثر، ومع تفكير اليابان وكوريا الجنوبية والسعودية والإمارات ومصر وبولندا وألمانيا في إما امتلاك أسلحة نووية أو استضافتها على أراضيها، ينحدر عالمنا من نظام قائم على القواعد إلى نظام قائم على القوة، حيث باتت القوة تفرض نفسها باعتبارها حقا، ويهيمن العنف الغاشم.
لقد تخلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أي تظاهر بالالتزام بالقانون الدولي، إذ قال: «لا أحد مستعد للعب وفقا لقواعد يضعها شخص واحد في مكان ما بعيدا». وفي المقابل، حذر الرئيس الصيني شي جين بينغ من أن إعادة توحيد تايوان «لا يمكن إيقافها بأي قوة أو من جانب أي شخص».
ومع تهديد دونالد ترامب مؤخرا بارتكاب إبادة جماعية بحق الشعب الإيراني، حين قال إن «حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبدا»، وتهديده اللاحق حتى بقصف حليف، هو سلطنة عمان، أثبت الرئيس الامريكي مرة أخرى ازدراءه لكل ركيزة من ركائز النظام السابق الذي قادته الولايات المتحدة: حقوق الإنسان، والتعاون متعدد الأطراف، والمساعدات الإنسانية، وسيادة القانون نفسها.
لكن ما ينبغي أن يمنحنا قدرا من الأمل هو أن المخاوف المتزايدة لدى الشعوب من اندلاع الصراعات تقابلها الآن مطالبة واضحة بأن يتحد العالم لمواجهة هذا الانهيار نحو الفوضى.
وقد كشفت عن ذلك دراسة استقصائية شملت أكثر من 36 ألف شخص في 34 دولة، أجرتها مؤسسة Focaldata لصالح مؤسسة روكفلر، في إطار إعداد كتابي الجديد، علما بأنني أحد أمناء مؤسسة روكفلر.
لقد طرحنا سؤالا بالغ الصعوبة: هل يؤيد الناس «التعاون الدولي» حتى لو كان ذلك يعني تقديم بعض التنازلات عن «المصلحة الوطنية لبلدانهم»؟
وقد أجاب 55% منهم بنعم، مقابل 20% فقط قالوا لا. وهذا يمثل إشارة واضحة إلى رفض عقائد «امريكا أولا»، و«روسيا أولا»، و«الصين أولا»، و«بلدي أولا»، وهي العقائد التي تنظر إلى الحياة على أنها ليست أكثر من صراع لا ينتهي بين «نحن» و«هم».
وأظهرت غالبية واضحة في كل قارة معارضتها للزعماء القوميين الشعبويين الذين يريدون إغلاق الأبواب أمام العالم، وينظرون إلى الجغرافيا السياسية باعتبارها لعبة محصلتها صفر، لا يمكن لبلدهم أن يحقق فيها النجاح إلا إذا أخفقت البلدان الأخرى.
والأهم من ذلك أن أكثر من 70% من سكان العالم يريدون من حكوماتهم الالتزام بحقوق الإنسان وسيادة القانون، واتخاذ إجراءات لمواجهة أزمة المناخ، والتعامل مع تحديات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وتمويل المساعدات الإنسانية.
وتظهر أبحاث لاحقة أن مجموعة أكبر من ذلك – 80% من سكان العالم – باتوا يعتقدون بضرورة وجود نظام عالمي يضمن اعتماد سياسات لا تقتصر على إحلال السلام والاستقرار، بل تعمل أيضا على تعزيز كرامة جميع البشر، بما يتطلب اتخاذ إجراءات لمواجهة الفقر والمرض والجوع والأمية.
والأهم على الإطلاق أننا نعرف الآن كيف يمكن زيادة التأييد للتعاون.
ففي كل بلد، فإن الأشخاص الذين ينشطون داخل مجتمعاتهم المحلية، والذين تربطهم علاقات تتجاوز الانقسامات العرقية والدينية، هم أكثر ميلا بنسبة 50% إلى دعم التعاون الدولي، حتى عندما ينطوي ذلك على بعض التنازل عن المصلحة الوطنية.
والرسالة واضحة: إذا أردنا إعادة بناء التأييد للتعاون عبر الحدود، فعلينا أن نبدأ بإعادة بناء مجتمعاتنا في الداخل.
لكن حتى إذا كان هناك توافق ناشئ بشأن ما ينبغي فعله، يبقى السؤال: من يستطيع جمع الناس حول هدف مشترك، الآن ونحن ننتقل من عالم أحادي القطبية، كانت فيه الولايات المتحدة تضع الأجندة وتملك القدرة على فرض إرادتها، إلى عالم أكثر تعددية في الأقطاب، تتنافس فيه مراكز عدة لصنع القرار والنفوذ، وفي مقدمتها الصين الصاعدة؟
وتظهر دراستنا أن القوى النووية الثلاث الكبرى – الولايات المتحدة والصين وروسيا – أصبحت أقل شعبية لدى شعوب العالم من أي وقت مضى.
وبدلا منها، تتطلع شعوب العالم إلى دول أخرى، وفي مقدمتها كندا وأستراليا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة وفرنسا والبرازيل وكوريا الجنوبية، بهذا الترتيب، باعتبارها قوى محتملة لتوحيد العالم.
واتضح أيضا أن هذه الدول هي نفسها التي يبدي مواطنوها أكبر قدر من الحماس للتعاون والاضطلاع بدور قيادي، وهو الدور الذي دعا إليه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب.
لكن هل يمكن لتحالف جديد من الدول أن يتجاوز الولايات المتحدة والصين أو يفرض عليهما قرارات في القضايا الكبرى، مثل نزع السلاح النووي أو تنظيم الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني؟
من غير المرجح ذلك، بالنظر إلى القوة القسرية التي تمتلكها الدولتان من خلال التهديدات العسكرية، والرسوم الجمركية، وحظر التجارة، والعقوبات، فضلا عن القوة الاستثنائية التي تتمتع بها الولايات المتحدة في تسليح الدولار واستخدامه أداة للضغط.
ومع ذلك، فإن الوقت قد حان لمناقشة كيفية انتقالنا من عالم تهيمن فيه التكنولوجيا على الدولة، كما هو الحال في الولايات المتحدة، أو تهيمن فيه الدولة على التكنولوجيا، كما هو الحال في الصين.
وبالفعل، فإن بقية دول العالم تعمل على إنشاء نظام جديد للفصل في النزاعات التجارية، ونظام لتجريم الجرائم ضد الإنسانية.
وقد يشكل الاتحاد الأوروبي واتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP) التي تقودها دول آسيوية، أكبر تحالف تجاري عرفه العالم على الإطلاق.
وقد يتساءل المرء: كم عدد الكتائب التي تمتلكها القوى الأصغر؟ وهو سؤال يعيد إلى الأذهان السؤال المنسوب إلى الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين عندما قيل إنه تساءل عن عدد الفرق العسكرية التي يمتلكها بابا الفاتيكان.
لكن في مواجهة القوة القائمة على الإكراه، يمكننا أن نضع في المقابل الشرعية التي يمنحها معظم أصحاب الرأي المنصف لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدوليين.
وهذه الشرعية، في نهاية المطاف، قد تكون القوة التي يحتاج إليها العالم لمواجهة منطق القوة الغاشمة، وإعادة بناء نظام دولي يقوم على التعاون والقواعد والكرامة الإنسانية، بدلا من الانقسام والصراع وفرض الإرادة بالقوة.
أما الدول الأخرى غير روسيا والصين والولايات المتحدة وحلفائها، فتتحكم في 75% من الأصوات في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتحظى بأغلبية كبيرة في منظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية، فضلا عن امتلاكها 12 صوتا من أصل 15 صوتا – وحقي نقض اثنين من أصل خمسة – في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
لذلك، لا يوجد ما يمنعنا من إحراز تقدم في التوافق على مبادئ التعاون، وإصلاح هذه المؤسسات، بما يمكنها من الوفاء بواجباتها في مواجهة أزمة المناخ، وتقديم المساعدات الإنسانية، وصنع السلام، وخوض الحرب العالمية ضد الفقر.
وعندما يتم تعيين الأمين العام الجديد للأمم المتحدة لبدء مهامه في العام الجديد، فإنني سأحث الدول التي تتشارك هذه الرؤية على الاتفاق معه أو معها على برنامج عمل لعام 2027.
كما أن الرأي العام الامريكي يفضل التعاون عبر الحدود على العمل منفردا. وهم يريدون للولايات المتحدة أن تقود العالم من خلال الإقناع، لا الإكراه. ويمكن إقناع الامريكيين بأن الولايات المتحدة التي كانت تتصرف بصورة متعددة الأطراف في عالم أحادي القطبية، ينبغي لها أن تتوقف عن التصرف بصورة أحادية في عالم يتحول تدريجيا إلى عالم متعدد الأقطاب.
لكن في الوقت الراهن، سيعتمد إحراز التقدم على جهد منسق تقوده المملكة المتحدة والقوى المؤيدة للتعاون.
والرسالة التي تبعث بها نتائج استطلاعنا للرأي العام العالمي واضحة: إن مواطنينا يتطلعون، بأمل، إلى عالم أفضل، في حين أن العالم المضطرب يتطلع إلينا.
وهذه مسؤولية تقع على عاتق رئيس الوزراء البريطاني الجديد – وعلى عاتقنا جميعا.
*غوردون براون هو المبعوث الخاص للأمم المتحدة لشؤون التعليم العالمي، وشغل منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة بين عامي 2007 و2010.