*محمد شيخ عثمان
هناك خيانات تسقط من الذاكرة مع مرور الزمن، وهناك خيانات تصبح جزءا من ذاكرة شعب لا يستطيع الزمن، مهما طال، أن يمحوها. و31 آب 1996 واحدة من تلك الصفحات التي لا يجوز أن تُختزل في يوم واحد، ولا في صورة واحدة، ولا في رواية حزبية واحدة.
لقد دخلت دبابات صدام حسين أربيل في ذلك اليوم، لتقلب ميزان الصراع الكردي الداخلي، ولتُخرج الاتحاد الوطني الكردستاني من عاصمة إقليم كردستان. تلك حقيقة تاريخية لا تحتاج إلى تزويق ولا إلى محاولات غسل سياسي.
لكن الحقيقة التي ينبغي أن تُستعاد اليوم، وبالصوت نفسه، هي أن قصة 31 آب لم تنته بخروج قوات صدام من أربيل.
فحين أعاد الاتحاد الوطني تنظيم صفوفه، وحين تحول الانسحاب إلى عودة، وحين أصبحت قوات البيشمركة على تخوم أربيل استعدادا لاستعادتها، ظهر طرف إقليمي آخر في المشهد: تركيا.
وهنا اكتملت الصورة التي جرى طمسها طويلا.
في 31 آب كانت الدبابات العراقية هي التي فتحت الطريق إلى أربيل، وفي المرحلة التالية كان الطيران التركي هو الذي قصف مواقع الاتحاد الوطني ومنع تقدم قواته نحو المدينة.
وبين الدبابات والطائرات، لم تكن القضية مجرد خلاف عسكري بين حزبين كرديين؛ كانت قضية"الاستقواء بالخارج على الداخل الكردي".
وأقولها صراحة: ما جرى لم يكن مجرد "خطأ سياسي"، ولا "اجتهادا عسكريا"، ولا "ضرورة فرضتها الظروف" حين تُستدعى قوات صدام حسين، صاحب السجل الدموي المعروف بحق الشعب الكردي، إلى أربيل لحسم صراع كردي، فهذه خيانة. وحين يصبح التدخل العسكري التركي لاحقا عاملا في منع القوات الكردية من استعادة عاصمة إقليمها، فإن محاولة فصل الحدثين عن بعضهما ليست سوى بتر للتاريخ.
لقد اعتدنا أن نتحدث عن 31 آب باعتباره يوم استعانة البارتي بصدام لكن علينا أن نكمل الجملة:31 آب كان البداية، وليس النهاية ،وهذا هو الجزء الذي يجب أن يسمعه جيل لم يعش تلك الأيام، فالتاريخ لا يسألنا اليوم عن مشاعرنا تجاه الأحزاب، ولا عن تحالفات الحاضر، ولا عن الحسابات السياسية الراهنة.
التاريخ يسأل سؤالا واحدا:من استدعى الخارج إلى أرض كردستان؟ ومن سمح له بأن يصبح عاملا في حسم الصراع الداخلي؟
وإذا كان بعضهم يريد دفن تلك الحقيقة تحت ركام البيانات والخطب والكتب الحزبية، فإن الوثائق لا تموت.
لقد بقيت الأخبار.وبقيت التسجيلات.وبقيت بيانات بغداد.وبقيت تقارير وسائل الإعلام الدولية.وبقيت شهادات الذين كانوا في قلب الحدث.وأنا واحد منهم.
شهادة من قلب الحدث
كنت يومها اعمل منصتا في يومية "الإنصات المركزي"، أتابع وأفرغ ما تبثه وسائل الإعلام العالمية والعربية، وعندما وصلت قوات الاتحاد الوطني إلى تخوم أربيل، سمعت بنفسي التقارير التي تحدثت عن قصف الطائرات التركية لمواقع وخنادق البيشمركة.
ثم جاء ما هو أكثر دلالة: تقرير من BBC العربية، وبيان من إذاعة بغداد نفسها، كلاهما يوثق القصف التركي، ثم طلب الرئيس مام جلال الاحتفاظ بالتقريرين مكتوبين بخط اليد، وبعد وصولهما إليه صدر أمر الانسحاب.
لم أفهم في تلك اللحظة كل أبعاد ما حدث،لكنني فهمته لاحقا:كان مام جلال يريد أن يترك وراءه "وثيقة"،وثيقة تقول للتاريخ إن قوات الاتحاد الوطني لم تتراجع أمام قوة كردية وحدها، وإن السماء نفسها دخلت المعركة.
كانت السماء تركية،أما الجرح فكان كرديا.
لهذا فإن استذكار 31 آب اليوم ليس نبشا للماضي من أجل الانتقام، بل دفاع عن حق الأجيال في معرفة التاريخ كاملا والتذكير بضرورة استلهام العبر والدرس وليس التبرير الفارغ،فالخيانة لا تسقط بالتقادم ولا تتحول إلى بطولة لأن أصحابها كتبوا عنها عشرات الكتب ولا تصبح عملا وطنيا لأن الزمن غيّر التحالفات.
والدرس الأخطر من تلك المرحلة ليس فقط أن صدام دخل أربيل، بل أن "الاستقواء بالخارج على الشريك الكردي يمكن أن يفتح الباب أمام الخارج لكي يصبح شريكا في تقرير مصير كردستان نفسها".
من بغداد جاءت الدبابات ومن أنقرة جاءت الطائرات وبينهما كانت أربيل، فلهذا إذا كان 31 آب صفحة سوداء، فإن شرف التاريخ يقتضي ألا نقرأ نصف الصفحة فقط .
نرى جازما ان ترك المسالة يحكم عليها التاريخ رؤية صائبة بهدف فتح الباب امام التكاتف ووحدة الصف الكردستاني و ترسيخ الحكم الرشيد وازدهار الاقليم و تحسين الوضع المعيشي والخدمي للشعب واستلهام الدرس كان دوما سمة الشجعان.