×

  قضايا كردستانية

  لماذا إحياء ذكرى 31 آب؟



*لطيف نيرويي

*الترجمة:محمد شيخ عثمان

إن إحياء ذكرى 31 آب 1996 لا ينبغي أن يكون مناسبة لاستدعاء خطاب الكراهية والاتهامات المتبادلة، ولا منصة لإعادة إنتاج الانقسامات التي كانت سببا في واحدة من أكثر الصفحات إيلاما في التاريخ السياسي الكردستاني الحديث.

فإحياء هذه الذكرى ليس من أجل أن تعود وسائل إعلام الاتحاد الوطني الكردستاني إلى لغة تلك الأيام، فتفتح الجرح من جديد عبر حملات الاتهام والتشهير ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني، وكأن الزمن لم يمض وكأن المأساة لم تكن درسا قاسيا لجميع الأطراف.

كما أنه ليس مناسبة لكي تعيد وسائل إعلام الحزب الديمقراطي الكردستاني تقديم التبريرات السياسية لما حدث في ذلك اليوم، أو تحويل الذكرى إلى مناسبة لتوجيه التهديدات والاتهامات، كما حدث عقب دخول قوات النظام العراقي السابق إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان، في واحدة من أكثر اللحظات خطورة وإيلاما في تاريخ الإقليم.

وليس من حق القوى والأحزاب السياسية الأخرى التي كانت موجودة في أربيل آنذاك، والتي طالتها هجمات قوات النظام العراقي السابق، أن تجعل من الذكرى مناسبة لقرع طبول الانتقام، أو الاكتفاء بترديد مقولة: لقد تعرضنا للخيانة في ذلك اليوم.

لقد كانت أربيل يومها ساحة لصراع سياسي وعسكري معقد، وكانت فيها قوى المعارضة العراقية، وحزب العمال الكردستاني، والحزب الاشتراكي الكردستاني، وحزب كادحي كردستان، والحزب الشيوعي، وحركة الديمقراطيين الكردستانيين، وحزب حماة كردستان، وغيرها من القوى والشخصيات التي وجدت نفسها في قلب تلك الأحداث المأساوية.

لكن 31 آب لا ينبغي أن يبقى أسيرا للخلاف بين الروايات السياسية.

فالغاية الحقيقية من إحياء هذه الذكرى هي أن نتذكر الشهداء الذين سقطوا في ذلك اليوم، والمفقودين الذين انقطعت أخبارهم، وكل من دفع ثمنا باهظا لصراعات لم يكن هو من صنعها.

كما أن إحياء هذه الذكرى يهدف إلى أن تتعرف الأجيال الحالية والقادمة، بوصفها درسا تاريخيا، على أحد أكثر الأيام مرارة في التاريخ السياسي لشعبنا، وأن تدرك أبعاده ونتائجه وما خلفه من آثار لا تزال ماثلة في الذاكرة.

والهدف أيضا أن يدرك شعب كردستان عموما، والأحزاب والقوى السياسية في كردستان خصوصا، حقيقة راسخة، وهي أن اللجوء إلى قوة احتلال لحسم الخلافات الداخلية لا يقود إلى حل المشكلة، بل يزيدها تعقيدا وتشابكا، ويفتح أبوابا لتداعيات قد يصعب احتواؤها.

لذلك، ينبغي أن يكون واضحا أن الحل لا يكون إلا بالحوار والتفاهم والتوافق، وأن استخدام أي ورقة أخرى خارج هذا الإطار، ولا سيما الورقة الخارجية، لا ينهي الخلاف، بل يترك وراءه نتائج وآثارا لا تزول، ويظل أثر استخدامها جرحا مفتوحا يطاول جميع الأطراف.

إن إحياء هذه الذكرى يهدف كذلك إلى أن يدرك الجميع أن هناك دائما أطرافا خارجية مستعدة لاستغلال الانقسامات الداخلية وتوجيه ضربة قاصمة إلى إقليم كردستان، وهي لا تنتظر سوى توفر الظروف والضوء الأخضر للتدخل.

إن استذكار الأحداث الدامية والكوارث المفجعة التي مرت بها تجارب معظم الشعوب ليس من أجل الانتقام، ولا لبذر الحقد والكراهية، وإنما بوصفه درسا تاريخيا ينبغي استخلاص العبر منه.

ومن هنا تبرز مسؤولية الأكاديميين ومراكز البحوث والدراسات في تحليل تلك الأحداث، والكشف عن أسبابها ومخاطرها ونتائجها، وصولا إلى دروس ومعايير تساعد على منع تكرار مثل هذه الكوارث والأيام السوداء.

فالأمم التي تتعلم من مآسيها تصبح أقوى، أما الأمم التي تستخدم مآسيها لتجديد خصوماتها، فإنها تبقى أسيرة الماضي.

إن أفضل وفاء لضحايا 31 آب ليس أن نعيد إنتاج خلافات ذلك اليوم، بل أن نضمن ألا يأتي يوم آخر تدفع فيه كردستان ثمن خلافاتها الداخلية بالطريقة نفسها.

فالذكرى الحقيقية ليست أن نتذكر كيف انقسمنا، وإنما أن نتعلم كيف لا ننقسم مرة أخرى.


01/09/2026