×

  قضايا كردستانية

  31 آب.. جرح للعبرة، لا ذكرى للانقسام



*عماد أحمد

*الترجمة:محمد شيخ عثمان

هناك أيام في التاريخ لا تكون مجرد أرقام عابرة على صفحات التقويم، بل تتحول إلى جروح غائرة في ذاكرة الأمم ووجدان الشعوب، ويأتي 31 آب 1996 في مقدمة تلك الأيام المريرة في التاريخ السياسي لشعبنا؛ ذلك اليوم الذي ترك جرحا عميقا لم تندمل آثاره بعد. ففي خضم الحرب الداخلية، فُتحت أبواب إقليم كردستان أمام قوات نظام البعث؛ النظام الذي قصف حلبجة بالأسلحة الكيميائية، ونفذ حملات الأنفال بحق الشعب الكردي، وأودى بعشرات الآلاف إلى مصير مجهول.

لكن استذكار هذا اليوم لا ينبغي أن يكون استدعاء للعداء أو مناسبة للثأر، بل يجب أن يكون ذاكرة للعبرة ودرسا للمستقبل، حتى لا تعود تلك الأيام السوداء لتكرر نفسها في تاريخ شعبنا، فالتاريخ لا تكتسب قيمته من مجرد تذكر مآسيه، وإنما من قدرتنا على استخلاص الدروس من جراحه؛ إذ لا معنى لذاكرة نعيد فتح جراحها كل عام ونتركها تنزف من جديد.

عمليات 31 آب، كانت ثمرة لتغليب المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية، ولغياب الرؤية والإرادة القادرتين على إدارة الخلافات السياسية بالحكمة والمسؤولية.

 وحين يتحول الصراع السياسي إلى صراع مسلح، تتراجع الارادة و القرار الوطني، وتجد القوى الخارجية طريقها إلى الداخل.

وقد علّمنا ذلك اليوم، بأقسى صورة ممكنة، أن الخلاف الداخلي لا يبقى محصورا داخل البيت، بل سرعان ما يفتح أبوابه أمام الآخرين، وأن ثمن الاستقواء بالخارج لا يدفعه طرف واحد، بل يدفعه الجميع.

ولم تكن أضرار تلك الكارثة محصورة في أعداد الشهداء والمفقودين، رغم فداحة هذه الخسارة؛ فقد أضعفت مكتسبات الانتفاضة، وجرحت هيبة السلطة الكردية، وأظهرت أمام العالم صورة إقليم ممزق بالانقسام والصراع.

كما دفعت آلاف العائلات إلى النزوح والتشتت، ولا يزال بعضهم، حتى اليوم، يعيش على أمل معرفة مصير أحبائه المفقودين الذين غابوا ولم يعودوا.

وفي ذكرى هذا اليوم، نبعث بالسلام إلى الأرواح الطاهرة لجميع ضحايا 31 آب والحرب الداخلية، من دون تمييز بين حزب ومنطقة، فكل دم كردي أريق بسبب الخلافات الداخلية هو خسارة وطنية وهزيمة في ضميرنا جميعا، والوفاء الحقيقي للشهداء لا يكون بالشعارات، ولا بإعادة إنتاج الخصومات، وإنما بالعمل على اجتثاث الأسباب التي يمكن أن تقود إلى تكرار المأساة.

أما ملف المفقودين، فإنه حق إنساني ووطني لا يجوز أن يبقى رهينة التأجيل أو المساومة، ومن الضروري إجراء تحقيق رسمي مشترك وشفاف، وفحص المقابر المجهولة، وتحديد هويات الضحايا من خلال فحوصات الحمض النووي (DNA)، فالسلام الحقيقي لا يقوم على طمس الحقيقة أو دفنها، وإنما على كشفها، وعلى تحقيق العدالة، واحترام آلام الضحايا وحق عائلاتهم في معرفة مصير أحبائهم.

واليوم، في ظل ما يواجهه إقليم كردستان من ضغوط سياسية واقتصادية وإقليمية، لا شيء أكثر أهمية من وحدة الصف الداخلي. والوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف أو إسكات النقد، وإنما تعني معالجة الخلافات عبر القانون والحوار وتقديم المصلحة العامة على المصالح الحزبية، فالأحزاب يمكن أن تتنافس، ويمكن أن تختلف، ويمكن أن تخوض أشد المعارك السياسية فيما بينها، لكن لا يجوز أن تتحول خلافاتها إلى عامل لإضعاف الإقليم أو إلى مدخل جديد للتدخل الخارجي.

فلنجعل من ذكرى 31 آب مناسبة للانتقال من استحضار الاتهامات إلى البحث عن الحقيقة، ومن إعادة فتح الجراح إلى استخلاص العبر، ومن استعادة الانقسام إلى تجديد العهد بأن "ذلك لن يتكرر أبدا".

فأفضل وفاء للشهداء ليس أن نبقى أسرى لذلك اليوم، وإنما أن نبني كردستان لا تكون فيها التحزب أقوى من الأخوة، ولا السلاح أعلى من القانون، ولا مصلحة اخرى أقدس من المصلحة الوطنية.


01/09/2026