*"اندبندنت عربية"
ملخص:
قوات البيشمركة الكردية، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، أصبحت أحدث ضحايا سياسة يقودها مسؤولون امريكيون ذوو توجهات انعزالية يسعون إلى تقليص الوجود العسكري في الشرق الأوسط بأية وسيلة ممكنة، تحت غطاء الوفاء بشعار ترمب الانتخابي القاضي بـ"إنهاء الحروب التي لا تنتهي".
باتت المساعدات العسكرية الامريكية لحكومة إقليم كردستان العراق مهددة على نحو غير مسبوق، إذ أفاد تقرير أعده موقع "بي بي سي" بأن مسؤولين امريكيين أبلغوا السلطات الكردية أخيرا بأن المساعدات ستتوقف في الـ30 من سبتمبر (أيلول) الجاري، بالتزامن مع انسحاب جميع القوات الامريكية من العراق. وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن احتمال إنهاء المساعدات الأمنية، إلا أن تحديد موعد نهائي واضح يجعل هذا الاحتمال أقرب من أي وقت مضى إلى التنفيذ.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تعمل واشنطن على بلورة استراتيجية لمرحلة ما بعد الحرب مع إيران، يبدو أن غياب الأهداف الواضحة لدى الرئيس الامريكي دونالد ترمب خلال الحرب، يعرقل أي جهد جاد في هذا الاتجاه. وبدلا من إعداد رؤية متماسكة للمنطقة، يسعى مسؤولون ذوو توجهات انعزالية داخل الإدارة إلى تقليص الوجود العسكري الامريكي في الشرق الأوسط بأية وسيلة ممكنة، تحت غطاء الوفاء بشعار ترمب الانتخابي القاضي بـ"إنهاء الحروب التي لا تنتهي". ويبدو أن قوات البيشمركة الكردية، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، أصبحت أحدث ضحايا هذه السياسة.
يحذر مراقبون من أن الانسحاب الامريكي التدريجي ينطوي على أخطار كبيرة، ليس فقط بسبب استمرار التهديدات الإيرانية، بل أيضا نتيجة طموحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الإقليمية بإحياء أمجاد الدولة العثمانية. وفي ظل الصراعات والمناورات الجارية في المنطقة، لا تبدو القوى الإقليمية أو الدولية مستعدة لإعادة النظر في قرن كامل من المعاناة الكردية. لكن في الوقت نفسه، لا تستطيع الأطراف المؤثرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تجاهل تبعات اتخاذ قرارات تصب في مصلحة طهران، في وقت يمر فيه النظام الإيراني بأضعف مراحله منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
وعلى رغم أن الحملات الانتخابية النصفية في الولايات المتحدة تستحوذ حاليا على اهتمام البيت الأبيض، فإنها ستنتهي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، ولن يكون أمام ترمب أي خيار سوى مواجهة الاضطرابات التي يشهدها الشرق الأوسط.
إن استراتيجية "حلقة النار" التي اتبعتها إيران ضد إسرائيل ودول الخليج العربية، باتت أطلالا، كما أصيب جزء كبير من مجمعها الصناعي العسكري بالشلل أو التدمير. مع ذلك، فإن تحركات واشنطن نفسها، وما اتسمت به من ارتباك وتناقض، أفضت إلى نتيجة أبعد ما تكون من المرضية. فقد كانت أهداف الولايات المتحدة غير واضحة، والاستعدادات السابقة للهجوم، كما التخطيط وجهود حشد الدعم السياسي، كانت جميعها غير كافية على الإطلاق. أما الإجراءات العسكرية نفسها فبقيت غير مكتملة، فيما أدى العجز عن تحريك المعارضة الواسعة داخل إيران إلى حرمان الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق انتصار حاسم، على رغم امتلاكهما تفوقا سياسيا وعسكريا واضحا. ومع أن الحرب ضد طهران أديرت على هذه الصورة السيئة، فإن تحقيق النجاح لا يزال ممكنا، بما في ذلك احتمال تغيير النظام في إيران.
ويعد إشراك الكرد الإيرانيين في أي جهد يستهدف تعبئة المعارضة الداخلية ضد النظام عنصرا حاسما في نظر مؤيدي هذا التوجه، فالكرد يشكلون ما بين 8 و10 في المئة من سكان إيران، ويتمركزون بصورة رئيسة في شمال غربي البلاد.
وقد أفادت تقارير بأن إسرائيل كانت تعتزم مساعدة الكرد في القيام بذلك، بما في ذلك تزويدهم بأسلحة، وكذلك توفير أسلحة لتوزيعها على عناصر معارضة أخرى. إلا أن الرئيس أردوغان، بحسب تلك الروايات، أحبط الخطة عندما اتصل بترمب الذي وافق على وقف العملية.
وبذلك لم تفعل الورقة الكردية، كما لم تطلق واشنطن أو تل أبيب أي برنامج بديل لتعبئة المعارضة الداخلية. وعلى رغم هذه الإخفاقات التي كان من الممكن تجنبها، فإن الضربات الجوية الامريكية والإسرائيلية أدت إلى إحداث تصدع عميق في النظام، الذي لم يستعد توازنه بعد.
في هذا السياق، سينظر إلى وقف المساعدات المقدمة لقوات البيشمركة على أنه مؤشر إلى أن الولايات المتحدة بصدد فك ارتباطها بالكرد في عموم المنطقة. كما أن قادة آخرين يتبنون سياسات عدائية ومزعزعة للاستقرار، كأردوغان، سينظرون إلى الأمر بالطريقة نفسها، إذ إن التخلي عن الحلفاء في أوقات محنتهم ليس قرارا حكيما على الإطلاق.
ومن شأن إضعاف القدرات العسكرية الكردية، سواء داخل إيران أم خارجها، أن يصب مباشرة في مصلحة الحرس الثوري الإيراني والتيار المتشدد داخل النظام، الذي يرى أن تراجع عزيمة الإرادة الامريكية، مقرونا بنفوذ الأصوات الانعزالية داخل واشنطن، يقلص قدرة الولايات المتحدة على مواجهته.
ومن شأن ذلك أن يزيد من عزم المتشددين على التمسك بالسلطة، ومن ثم تحقيق أهدافهم بعيدة المدى المتمثلة في الهيمنة على مضيق هرمز، وفي مناطق أوسع في الشرق الأوسط، فضلا عن تعزيز حضورهم داخل العالم الإسلامي. وعلى المدى القصير، قد يؤدي ذلك أيضا إلى زيادة الهجمات الإيرانية ضد أهداف في إقليم كردستان العراق.
أما داخل العراق، فسيشكل ضعف "البيشمركة" حافزا لـ"فيلق القدس" الإيراني كي يواصل تعزيز "قوات الحشد الشعبي" العراقية، وهي الميليشيات المدعومة من إيران التي تعد الأقل تضررا بين جميع أذرع طهران الإرهابية.
ويمثل الحشد الشعبي تهديدا حقيقيا لمختلف مكونات المجتمع العراقي التي تسعى إلى الحفاظ على سيادة بلادها واستقلالها، خصوصا مع قرب مغادرة ما تبقى من أفراد القوات الامريكية لمغادرة البلاد بحلول الـ30 من سبتمبر (أيلول). وعلى رغم دعوات بعض الجمهوريين في الكونغرس إلى نزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران خلال الفترة نفسها، فإن تحقيق هذا الهدف يبدو بعيد المنال.
وإذا تمكنت طهران من إعادة بناء قدراتها داخل إيران، وفي الوقت ذاته تعزيز الحشد الشعبي ليغدو نسخة أكثر قوة وتأثيرا من "حزب الله"، فإنها ستكون قد قطعت شوطا كبيرا نحو إعادة بناء تشكيل "الطوق الناري" بقوة أكبر.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على النفوذ الإيراني، فإضعاف القوى الكردية قد يهيئ أيضا ظروفا تساعد تنظيم "داعش" في إعادة تنظيم صفوفه في العراق وسوريا.
ومن هذا المنظور، يثير دمج "قوات سوريا الديمقراطية" ذات الغالبية الكردية ضمن الجيش السوري الجديد قلقا إضافيا، فما زال من غير الواضح ما إذا كانت المصالح الكردية ستحظى بحماية كافية في المرحلة المقبلة، وما إذا كان القائد الكردي مظلوم عبدي سيؤدي فعلا دورا مؤثرا بصفته مستشارا للرئيس السوري أحمد الشرع.
وفي المحصلة، فإن الإجراءات الامريكية التي تقوض موقف الكرد ستكون لها عواقب وخيمة بعيدة المدى. فقد ظل إقليم كردستان العراق على مدى عقود من الزمن واحة استقرار في منطقة مضطربة، وهو ما يجعل استمرار الدعم العسكري الامريكي له خيارا استراتيجيا ينبغي الحفاظ عليه، لا التخلي عنه.
*جون بولتون مستشار الأمن القومي الامريكي السابق @AmbJohnBolton