×

  جميع المواضيع

   هل تشير الاعتقالات الجماعية ومصادرة الأموال إلى نهاية الفساد؟



صحيفة"الغارديان"البريطانية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

  

تقرير: غياث عبد الأحد - بغداد:بوابات المنطقة الخضراء في بغداد مصنوعة من فولاذ مدرع يبلغ ارتفاعه خمسة أمتار، ومدعمة بعوارض أفقية، ومثبتة بين أعمدة خرسانية وجدران مقاومة للانفجارات. وتتمركز بالقرب منها شاحنات للشرطة مزودة بخراطيم المياه، إلى جانب ناقلات جند مدرعة ومجموعات من الجنود المدججين بالسلاح.

وعند أول مؤشر على اندلاع احتجاجات في الشوارع، بسبب انقطاع الكهرباء، أو البطالة، أو، في الآونة الأخيرة، الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، تغلق البوابات. وتبقى حواجز المركبات على شكل حرف X، المصنوعة من عوارض حديدية ملحومة والمثبتة على عجلات، جاهزة على جانب الطريق، إلى جانب لفائف من الأسلاك الشائكة الحادة. وعند الحاجة، يجري دفع هذه الحواجز والأسلاك إلى عرض الشارع، لعزل الحي المترامي الأطراف الذي يضم القصر الرئاسي، والبرلمان، ومكتب رئيس الوزراء، والسفارة الأمريكية الضخمة التي تشبه حصنا، ومؤسسات أخرى، فضلا عن منازل عشرات السياسيين وأعضاء البرلمان.

وعندما تغلق البوابات، يجري تحويل حركة المرور، ما يؤدي إلى اختناقات مرورية هائلة تستمر لساعات بالنسبة إلى معظم سكان بغداد الذين لا يحملون بطاقات الدخول المرغوبة إلى المنطقة الخضراء.

وفي الساعات الأولى من صباح 28 يونيو، أغلقت البوابات، وجابت دبابات أبرامز أمريكية الصنع الشوارع، وانتشرت وحدات مكافحة الإرهاب المرتدية للزي الأسود في أنحاء المنطقة. لكن هذه المرة فقط، كانت الإجراءات تهدف إلى منع الموجودين في الداخل من المغادرة، وليس منع الموجودين في الخارج من الدخول.

وبحلول الفجر، استيقظ العراقيون على أنباء اعتقال نحو 50 شخصا، بينهم نحو اثني عشر نائبا ومسؤولون كبار، إلى جانب مصادرة مئات الملايين من الدولارات نقدا وكميات من الذهب. وانتشرت على نطاق واسع صور ومقاطع فيديو، قيل إنها تظهر عناصر أمن ملثمين وهم يخرجون خزائن مليئة بالأموال، وأكواما من المجوهرات، وحقائب محشوة بالدولارات.

وقوبلت الاعتقالات بأكبر موجة من الشماتة الشعبية العراقية منذ أن بدأ التاريخ. فإذا كان هناك أمر واحد يتفق عليه العراقيون، على اختلاف توجهاتهم وطوائفهم وأعراقهم وخلفياتهم الاجتماعية، فهو فساد وانحلال الأحزاب السياسية التي احتفظت بالسلطة منذ عام 2003، وجشع مجموعة من رؤساء الأحزاب ورجال الأعمال وقادة الميليشيات.

 

"ليس مجرد أمر يفعله كل رئيس وزراء"

في يوم تنصيبه رئيسا جديدا لوزراء العراق في أوائل مايو، ألقى علي الزيدي، البالغ من العمر 41 عاما، ذو الوجه المستدير واللحية الخفيفة والعينين الحادتين، خطابا بلغة متعثرة مليئة بالأخطاء النحوية، استعرض فيه مجموعة الوعود التقليدية التي أطلقها كل رئيس وزراء سبقه، في النسخة العراقية من شعار "جعل البلاد عظيمة من جديد": دعم الصناعة المحلية والزراعة والشباب، وإصلاح منظومة الكهرباء، وحل أزمة السكن.

لكن القضيتين اللتين أكد رجل الأعمال الثري، قليل الخبرة السياسية، أنهما الأكثر إلحاحا، كانتا نزع سلاح الفصائل الموالية لإيران، ومحاربة الفساد "من دون خطوط حمراء".

ومع اقتراب خزينة العراق من النفاد، بعد التوقف شبه الكامل لصادراته النفطية منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أصبحت القضيتان، المتمثلتان في الميليشيات والفساد، مترابطتين، وفي ظل الحرب، باتتا تهددان الدولة نفسها.

لكن رئيس الوزراء الذي سبقه، وكذلك رئيس الوزراء الذي سبقه هو الآخر، كانا قد بدآ فترتيهما في الحكم بخطوات مماثلة، من خلال الإعلان عن كشف شبكات فساد واسعة النطاق، وانتهى كلاهما من فترة وجوده في المنصب وهو غارق في اتهامات بالفساد تخصه، بينما ظلت الخدمات العامة في البلاد في حالة خراب. فلماذا ينبغي أن يكون الأمر مختلفا هذه المرة؟

وقال مسؤول من داخل الحكومة لصحيفة الغارديان: "لا، هذا ليس مجرد أمر يفعله كل رئيس وزراء. لا، هذا أمر غير مسبوق، إنه زلزال حقيقي داخل الأوساط السياسية، لأنه يبعث برسالة إلى جميع السياسيين بشأن ما يمكن أن يحدث لهم. إلى الجميع، من دون استثناء".

وأضاف أن ما نشهده هو رئيس وزراء يحاول تفكيك الإمبراطوريات المالية للأحزاب السياسية، وهي إمبراطوريات بنيت على فساد مكشوف وواضح أمام الجميع، ويطال جميع السياسيين من دون استثناء.

وقال: "لذلك عندما تختار أربعة أو خمسة منهم وتوجه إليهم الضربة، فإنك تبعث برسالة إلى الجميع: ما حدث لهؤلاء الأشخاص يمكن أن يحدث لكم جميعا، إذا لم تفعلوا هذا أو ذاك".

 

تقسيم الغنائم

وصل الزيدي إلى السلطة بوصفه مرشحا توافقيا، بعد أشهر من المفاوضات بين الإطار التنسيقي، وهو تكتل يضم أبرز الأحزاب والشخصيات الشيعية في البرلمان، وبعد أن استخدمت إدارة ترامب حق النقض ضد المرشحين الأوفر حظا.

وكانت المفاوضات، في حقيقتها، مساومة على تقسيم الغنائم، وهي عملية متقنة تكررت بعد كل انتخابات على مدى العقدين الماضيين، في ظل نظام يعرف باسم "المحاصصة"، أصبح حجر الأساس في السياسة العراقية.

وقد صممت الأحزاب العراقية المعارضة في المنفى هذا النظام خلال تسعينيات القرن الماضي، باعتباره ترتيبا لتقاسم السلطة بهدف منع العراق من الانزلاق مجددا إلى الدكتاتورية.

وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، جرى استيراد هذا الترتيب بالكامل من قبل الأحزاب نفسها والأمريكيين.

وبموجب نظام المحاصصة، يكون رئيس الوزراء شيعيا، فيما يكون رئيس الجمهورية كرديا.

لكن المحاصصة أصبحت تعني أيضا تقسيم المناصب الحكومية بين مختلف الفصائل السياسية: السنة والشيعة والكرد وغيرهم.

ويتنازع رؤساء الأحزاب وقادة الميليشيات، ويهدد بعضهم بعضا ويمارسون الضغوط عليهم، إذ يدعي بعضهم تمثيل الحقوق التاريخية لمجتمعاتهم، فيما يندد آخرون بالظلم التاريخي الذي تعرضت له مجتمعاتهم، وكل ذلك في محاولة لزيادة حصتهم من الوزارات والمؤسسات الحكومية المربحة، وتحويلها إلى إقطاعيات حزبية، وإدارة كل مخطط ممكن لنهب خزينة الدولة.

وقال مصرفي دولي سبق أن استعانت به إحدى الحكومات السابقة للمساعدة في تنظيف النظام: "لقد بنت الأحزاب دولا داخل الدولة. وربما لدينا سبع أو ثماني دول مصغرة من هذا النوع، تستنزف ما بين 5% و10% من قيمة كل عقد حكومي".

 

 الدمية؟

في ظل نظام تقاسم السلطة القائم على المحاصصة، إذا كان وزير النفط شيعيا، فإن واحدا على الأقل من وكلائه، وهو دائما "وكيله" هو، سيكون سنيا.

وهنا تبدأ جولة ثانية من المساومات والمقايضات داخل الكتل والأحزاب السنية حول هذا المنصب المربح. وغالبا ما ينتهي الأمر إلى ما يشبه سعر صرف سياسي: كم مديرا للتربية والصحة والثقافة يعادل منصب وكيل وزير النفط؟

وبمجرد أن يفوز حزب ما بالمنصب، تنتقل المنافسة إلى اختيار المرشح المناسب. وفي بعض الأحيان تستقدم الأحزاب شخصا من داخل صفوفها، يكون ملتزما بها ايديولوجيا، أو أحد أقارب زعيم الحزب. لكن في معظم الحالات، تختار شخصا من داخل الجهاز البيروقراطي، شخصا لديه خبرة في إدارة شؤون الدولة، وعلى دراية بالقواعد واللوائح التي تحكم نظاما عتيقا مختلا وظيفيا.

وهم بيروقراطيون نجحوا في تحويل هذه اللوائح، التي كثيرا ما تتعارض فيما بينها، إلى أدوات لتعطيل الدولة، وهي لوائح تراكمت على مدى أكثر من قرن، بدءا من العثمانيين، مرورا بالبريطانيين الذين استوردوا نظاما لإدارة الهند البريطانية، ثم الدكتاتوريين العسكريين الذين أضافوا إليه نكهة اشتراكية، وصولا إلى الشباب الأمريكيين المتحمسين الذين وصلوا إلى بغداد بعد حرب عام 2003 التي أطاحت بصدام حسين، وكانوا يريدون إنشاء دولة سوق حرة نيوليبرالية، من دون أن تكون لديهم أي معرفة بالعراق أو تاريخه.

وتستخدم هذه اللوائح على كل المستويات لعرقلة كل وظيفة من وظائف الدولة، بدءا من إصدار بطاقة هوية وصولا إلى توقيع عقد بمليارات الدولارات، إلى أن يتم دفع رشوة لضمان إنجاز المهمة بسلاسة.

في كانون الثاني 2025، عين عدنان الجميلي، وهو مهندس شاب ذو وجه مربع لطيف ومبتسم، نحيل البنية، بشارب مرتب وشعر كثيف بدأ يشيب في سن مبكرة، وكيلا لوزير النفط مسؤولا عن المصافي.

وقد احتفي بصعوده السريع في سلم المناصب، أولا مديرا لمصفاة واحدة، ثم مديرا للمؤسسة الحكومية المشرفة على المصافي الشمالية والمسؤولة عن عدد من المنشآت، في بعض وسائل الإعلام المحلية المؤيدة للحكومة، باعتباره تعيينا لكفاءة شابة ونزيهة وفعالة على رأس المؤسسة، قادرة على وضع حد لسنوات من سوء الإدارة والانتكاسات.

ويظهر الجميلي في عدد من مقاطع الفيديو إلى جانب رئيس الوزراء آنذاك، محمد شياع السوداني، الذي اختارته الأحزاب الشيعية نفسها لقيادة حكومة تركز على تقديم الخدمات الأساسية.

وفي مقطع فيديو تلو الآخر، يظهر السوداني منتصب الصدر، مرتديا نظارات شمسية سوداء، وهو يقص أشرطة افتتاح المشاريع ويستعرض إنجازات حكومته، بينما يقف إلى جانبه الجميلي مبتسما، مرتديا سترة عاكسة للضوء وخوذة، ويطلعه على تفاصيل المشاريع. وفي أحد المقاطع، يتسلم الجميلي من السوداني حتى جائزة "الموظف النزيه".

لكن بعد فترة وجيزة من خسارة السوداني مسعاه للحصول على ولاية ثانية، وتولي الزيدي منصب رئيس الوزراء، انهار كل شيء.

كان الجميلي أول من اعتقل، في 30 أيار، ومثل أمام الكاميرات التلفزيونية مرتديا بدلة صفراء، ومحاطا بعشرات الرشاشات وصناديق الذخيرة التي عثر عليها في منزله.

وقال المحققون إنهم عثروا أيضا على 10 ملايين دولار نقدا، و3 مليارات دينار، أي نحو مليوني دولار، و1.5 كيلوغرام من الذهب، إلى جانب نحو 40 عقارا في بغداد ومحافظات أخرى.

وفي الأسابيع التي تلت ذلك، ظهرت المزيد من الثروة: أموال نقدية محشوة داخل قناني مياه بلاستيكية، ومخبأة في مصرف لمياه الأمطار، ومخفية داخل الجدران، فضلا عن 7 مليارات دينار عراقي، بحسب ما قيل، ضبطت بينما كانت زوجته تحاول إحراقها في فرن خارجي.

وبحلول منتصف تموز، بلغ إجمالي الأموال التي تمت مصادرتها في القضية 127 مليار دينار، أي نحو 96 مليون دولار، و24 مليون دولار نقدا، إضافة إلى عقارات ومركبات و375 كيلوغراما من الذهب، و70 عقارا، فضلا عن عدد من السيارات.

وما صدم كثيرا من العراقيين كان الفجاجة المفرطة التي اتسمت بها القضية كلها، والطريقة التي انتهت بها هذه الأموال، التي كانت نتاج مخططات معقدة صممت لشفط ملايين الدولارات، إلى أن تدفن تحت الأرض أو تخبأ في صناديق ومرطبانات بلاستيكية كبيرة مخصصة للمخللات بحجم عائلي.

وفقا للتحقيق القضائي، كان الجميلي يدير مخططا أدر مئات الملايين من الدولارات، وفي اجتماع مع صحفيين عراقيين في اليوم التالي، قال الزيدي إن الجميلي حاول، قبل اعتقاله، رشوه بمبلغ 200 مليون دولار مقابل الإبقاء عليه في منصبه، فيما ذكرت بعض التقارير أن إجمالي العرض وصل إلى 600 مليون دولار.

ولا يزال من غير المعروف ما إذا كان الجميلي هو العقل المدبر لكل عمليات الفساد، أم أن المخطط كان معدا له مسبقا. لكن منذ لحظة وصوله إلى وزارة النفط، بدأ بجمع عمولات ضخمة من العقود والإحالات التي منحت للشركات والمقاولين، ومن شحنات الوقود التي جرى تحويل مسارها.

ومع اقتراب انتخابات العام الماضي، أصبح قناة لتحويل ملايين الدولارات إلى المرشحين، وكان كثير منهم مدرجين على قائمة رئيس الوزراء، وإن لم يكونوا جميعا كذلك.

وقال أحد السياسيين للغارديان: "جاءت أحزاب كثيرة واستفادت من العمل مع الجميلي، وكان هو يعتبر كل ذلك حماية له".

ومع اتساع علاقاته بالأحزاب السياسية، ليس فقط بالكتلة السنية التي رشحته، بل، بحسب ما قيل، برؤسائه في وزارة النفط وفي مكتب رئيس الوزراء أيضا، بدأ يعتقد أنه أصبح بمنأى عن المساءلة.

وقال السياسي إن الغطاء السياسي الذي كان يحظى به ازداد قوة، وبدأ معه ارتكاب أخطاء كارثية.

وأضاف: "لأنه، كما ترى، كان يقول لنفسه إنه أصبح الآن خارج نطاق الوصول إليه، وأنه من المستحيل أن يتمكن أي شخص من المساس به.

"ولذلك بدأ يرتكب الأخطاء، ويتجاوز الحدود، من خلال تزوير عمليات تسليم المخازن، على سبيل المثال، وتحويل الوقود لإنشاء مخزون وهمي في المستودعات لم يكن موجودا أصلا."وبدأنا نسمع عن آلاف العمال بأجر يومي وهميين، كانت أجورهم تدفع رغم أنهم لم يكونوا موجودين أصلا. وسمعنا عن عقود نقل داخل المصافي بقيمة ملايين الدولارات، عقود بأرقام فلكية".

وقال المسؤول الحكومي المطلع: "إن قضية عدنان الجميلي، في اعتقادي، تمثل نموذجا للطريقة التي تدار بها الأمور، وللكيفية التي تجري بها عملية وضع الأشخاص في مناصب معينة."فهذه المناصب مسؤولة عن توليد إيرادات كبيرة بصورة غير قانونية، لصالح حزب أو عدة أحزاب. الأمر يشبه تعدين عملة بيتكوين، كما ترى، فهم يولدون الأموال".

وكانت التحقيقات في التعاملات المالية للجميلي قد بدأت في تشرين الأول من العام السابق، عندما شرعت السلطة القضائية في التحقيق في مخالفات تتعلق بالإنفاق خلال الانتخابات، واكتشفت أنه كان يحول الأموال إلى عدد كبير من المرشحين.

وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى اعتقاله، ثم، بعد اعترافاته، إلى الاعتقالات الجماعية التي جرت في 28 حزيران.

 

 

"يجب أن يغلق ذلك الفصل"

تزامنت التحقيقات والاعتقالات مع عاملين اثنين: ضغوط شديدة على المالية العراقية فرضتها الحرب، ودور أمريكي أكثر نشاطا في تشكيل السياسة العراقية.

ووفقا لمسؤولين حكوميين مطلعين، وأعضاء في مجلس النواب، ومصدر مقرب من السلطة القضائية، فإن الأمريكيين، الذين سئموا من التعامل مع سياسيين عراقيين يفشلون باستمرار في تحقيق أي إصلاحات، أقاموا بدلا من ذلك علاقة وثيقة مع القضاء العراقي.

وقد أدى المبعوث الأمريكي الجديد، توم باراك، دورا نشطا في هذا المسار، مدفوعا أيضا بالتصريحات المتزايدة الحزم التي أصدرتها السلطة القضائية بشأن احتكار الدولة للسلاح.

ولأشهر عدة، بحث المحققون عن قضية فساد يمكن كشفها للرأي العام. وكان التحدي يتمثل في العثور على قضية يؤدي كشفها إلى تصدر عناوين الأخبار محليا ودوليا، مع ضمان ألا تؤدي تداعياتها إلى إسقاط النظام السياسي برمته الذي نشأ بعد عام 2003.

وكانت قضية الجميلي مناسبة تماما لهذا الغرض، إذ تورط فيها عدد من السياسيين البارزين، لكنها توقفت عند حدود عدم تسمية كبار زعماء الأحزاب.

وكما قال أحد المسؤولين: "أنت لا تعرف، في نهاية المطاف، إذا واصلت الضغط على هذه الأحزاب، ماذا يمكن أن تفعل الفصائل المسلحة؟ وماذا يمكن أن تفعل إيران؟"

كما مست القضية وترا حساسا لدى الأمريكيين على وجه الخصوص، هو تهريب النفط العراقي.

وقال المسؤول الحكومي المطلع: "تهدف الحكومة والقضاء إلى تحقيق هدفين.

"الأول هو استرداد أكبر قدر ممكن من الأموال التي قامت الأحزاب والزعماء السياسيون بتحويلها من الدولة على مدى السنوات الماضية".

وقد ألمح رئيس الوزراء في عدة تصريحات إلى أنه إذا تمت إعادة الأموال، فلن تترتب على ذلك تداعيات قانونية إضافية.

وأضاف المسؤول: "أما الهدف الثاني فهو قطع العلاقة، بكل أشكالها وتفاصيلها، بين الأحزاب والدولة، أي قطع العلاقة بين المكاتب الاقتصادية لهذه الأحزاب وكل زاوية من زوايا جهاز الدولة.

"وبعبارة أخرى: لن تعود الأحزاب قادرة على استخراج أي شيء من الدولة.

"إن فكرة أن تعيش الأحزاب على الحصص التي تحصل عليها من الدولة، من خلال المشاريع والعمولات وما إلى ذلك، يجب أن تنتهي. يجب أن يغلق ذلك الفصل.

"وأعتقد أن هذا هو أهم شيء يمكن أن يحدث في تاريخ العراق الحديث".

وقال هو ومسؤولون آخرون إن استقدام الزيدي، أو على الأقل الدعم الذي يحصل عليه من الولايات المتحدة والسلطة القضائية، يبدو أنه كان محسوبا بدقة لهذه اللحظة.

فالأمر يتعلق بشخص يمتلك خبرة ومعرفة كافيتين بالآليات المستخدمة في إخراج الأموال من الدولة، ويعرف كيف يجري تهريب الأموال وتحويل مساراتها واستخراجها من خلال العقود والمشاريع والعمولات وما إلى ذلك.

هل ستؤدي هذه الحملة الأخيرة لمكافحة الفساد إلى تحقيق نتائج جدية؟ أم أنها ستتحول، في أفضل الأحوال، إلى عملية تجميلية أخرى، إن لم تكن مجرد تصفية حسابات سياسية؟ وكيف يمكن للعراق أن يصبح دولة طبيعية قادرة على الإصلاح، وهو يقع على خط صدع إقليمي، وسط حرب متعددة الجبهات تدور على أرضه وفي أجوائه؟ وهل يمكن تحقيق مثل هذا الإصلاح من دون مساءلة زعماء الأحزاب والدول المصغرة التي بنوها؟

وقال المسؤولون الحكوميون المطلعون: "لا توجد ضمانات بأن الفساد سينتهي، وأن الأحزاب ستتوقف عن نهب الدولة. لكن ما نسمعه هو أن هناك بالفعل رغبة حكومية وقضائية حقيقية في إنهاء مرحلة معينة وبدء مرحلة جديدة، مرحلة تصبح فيها الأمور طبيعية، وتتوفر فيها الخدمات الأساسية، وتنتهي فيها هذه الأزمة المستمرة المتعلقة بالوقود والكهرباء والمياه وكل التفاصيل الأخرى.

"حيث يصبح الوضع طبيعيا، بمعنى أن تصبح دولتنا مثل أي دولة أخرى في العالم، لها نجاحاتها وإخفاقاتها".


17/09/2026