*محمد شيخ عثمان
زيارة رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل جلال طالباني إلى طهران ليست مجرد زيارة سياسية عابرة، ولا مجرد محطة في جدول اللقاءات الدبلوماسية فالتوقيت، وطبيعة اللقاءات، والرسائل التي حملتها، كلها تضع الزيارة في سياق أوسع عنوانه: إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، ومنع العراق وإقليم كردستان من دفع ثمن صراعات تتجاوز حدودهما ومصالحهما.
من واشنطن إلى طهران، يتحرك بافل طالباني في مساحة سياسية شديدة التعقيد، حيث لا تكفي المواقف المعلنة وحدها لإدارة الأزمات، بل تصبح قنوات الاتصال المباشر، والحوار مع الأطراف المختلفة، والقدرة على فهم حسابات القوى المتصارعة، أدوات أساسية لتقليل المخاطر وحماية الاستقرار.
وإذا كانت عبارة «من واشنطن إلى طهران» تعبر هنا عن مسار الاتصالات والانفتاح على الطرفين، وليس بالضرورة عن زيارتين متتاليتين إلى العاصمتين، فإن دلالتها السياسية تظل واضحة: لا عزل لطرف، ولا تحويل لعلاقة إلى خصومة مع طرف آخر، ولا إغلاق للأبواب في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى مزيد من قنوات الاتصال لا إلى المزيد من القطيعة.
لقد جاءت زيارة طهران بعد مرحلة شهدت اتصالات مع الجانب الأمريكي، وفي مقدمتها التواصل مع المبعوث الأمريكي توم براك ، إلى جانب اتصالات أخرى مرتبطة بالأزمة الإقليمية وفي الوقت نفسه، كان الموقف المعلن للاتحاد الوطني يقوم على ضرورة إبقاء العراق وإقليم كردستان بعيدا عن الحروب، والعمل على خفض التصعيد، والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
وهنا تكتسب زيارة طهران أهميتها،فالرئيس بافل لم يتوجه إلى طهران للحديث في ملف واحد، بل التقى على مستوى رفيع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والمستشار الدولي للمرشد الإيراني علي أكبر ولايتي، ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي. وتناولت اللقاءات العلاقات بين العراق وإيران وإقليم كردستان، والتطورات السياسية والأمنية والعسكرية، وحماية الاستقرار، وأهمية الحوار والحلول السلمية، واحترام سيادة دول الجوار.
وفي جوهر الرسائل التي حملتها اللقاءات، برز موقف واضح: إقليم كردستان والعراق لا ينبغي أن يكونا جزءا من الحروب والصراعات، وأن معالجة الأزمات يجب أن تمر عبر الحوار والوسائل السلمية، وأن الاستقرار في المنطقة ليس مصلحة لطرف واحد، بل ضرورة مشتركة.
طوق نجاة للعراق ايضا
هذه الرسالة لم تولد في طهران، وإنما جاءت امتدادا لمسار سياسي ظهر بوضوح خلال الأزمة الإقليمية الأخيرة، ولعل تقرير صحيفة "The Telegraph" المنشور في نيسان 2026 يقدم دليلا مهما على ذلك، فقد تناول التقرير الدور الذي اضطلع به بافل وقوباد طالباني في منع انجرار القوى الكردية في العراق إلى الحرب، ونقل التقرير نصيا أن قنواتهما الخلفية واتصالاتهما غير الرسمية «منحت العراق طوق نجاة» في وقت كانت فيه الحكومة الاتحادية في بغداد تواجه صعوبة في تهدئة التوترات، في ظل انتقال سياسي معقد ونفوذ إيراني راسخ في المشهد العراقي.
لم يكن ذلك الطوق مجرد توصيف سياسي، بل ارتبط بمواقف وخطوات عملية، فعندما ظهرت مخاوف من استخدام الأراضي العراقية أو القوى الكردية في أي تحرك عسكري باتجاه إيران، اتخذ الرئيس بافل موقفا علنيا رافضا لتحويل الكرد إلى «رأس حربة» في الحرب. ثم تولى قوباد طالباني التواصل مع الجماعات الكردية الإيرانية الموجودة في العراق، داعيا إياها إلى الحذر وعدم التسرع في اتخاذ خطوات يمكن أن تعرضها وتعرض إقليم كردستان للخطر.
وفي واحدة من أكثر العبارات دلالة على فلسفة ذلك الموقف، قال الرئيس بافل إن جعل الكرد «رأس الحربة» سيكون كارثة، فيما نقل التقرير عن قوبادطالباني دعوته إلى أن تكون تلك الجماعات حذرة وذكية واستراتيجية، وأن تفهم طبيعة المشهد وما يوجد خلف الحدود قبل الإقدام على أي خطوة.
بذلك لم يكن الهدف إبعاد الكرد عن المشهد، وإنما منع تحويلهم إلى أداة في صراع إقليمي، وحماية المكاسب التي تحققت للعراق وإقليم كردستان بعد عقود طويلة من الحروب.
وهذه النقطة بالذات تعطي التحرك الحالي نحو طهران معنى أوسع، فالسياسة التي تقول إن كردستان لن تكون جزءا من الحروب لا تكتمل بمجرد إعلانها، وإنما تحتاج إلى مخاطبة جميع الأطراف المعنية بها.
إذا كان التواصل مع واشنطن ضروريا لفهم الموقف الأمريكي والتأثير فيه، فإن الحوار مع طهران يصبح ضروريا أيضا بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة والأمن الحدودي، فضلا عن ثقل إيران في المعادلة العراقية والإقليمية.
من هنا يمكن قراءة لقاءات الرئيس بافل في طهران باعتبارها جزءا من سياسة الأبواب المفتوحة، فاللقاء مع الرئيس بزشكيان وضع العلاقات في إطار حسن الجوار والمصالح المشتركة. واللقاء مع ولايتي استعاد إرث العلاقات التي أسس لها مام جلال، أما لقاء قاليباف فعكس أهمية البعد البرلماني والسياسي في العلاقات، فيما حمل اللقاء مع عراقجي أبعادا مباشرة تتصل بالتطورات السياسية والعسكرية والأمنية والحاجة إلى الحلول السلمية وخفض التوتر.
ولم يكن من اللافت فقط مستوى الشخصيات التي التقاها الرئيس بافل طالباني، بل أيضا طبيعة الرسائل التي صدرت عن الجانب الإيراني خلال هذه اللقاءات، والتي تضمنت إشادة بالدور الذي يقوم به الاتحاد الوطني وبافل طالباني في دعم الاستقرار ومنع اتساع دائرة التوتر.
وهنا تظهر قيمة الإرث السياسي لـ(مام جلال ) ليس باعتباره مجرد ذكرى تاريخية، وإنما بوصفه تجربة في إدارة العلاقات المعقدة بين بغداد وأربيل وطهران وواشنطن، وفي تحويل الاختلافات إلى مساحات للحوار بدلا من تحويلها إلى جبهات مفتوحة.
لقد كان الرئيس مام جلال يتحرك في منطقة شديدة التعقيد، وكان يدرك أن قوة الكرد لا تقاس فقط بقدرتهم على المواجهة، وإنما أيضا بقدرتهم على بناء العلاقات وإدارة التوازنات وحماية مصالحهم في بيئة إقليمية لا ترحم الضعفاء .
يبدو أن هذا الدرس يعود اليوم في ظروف مختلفة ،فالعراق يقف في منطقة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران وتركيا وإسرائيل والقوى المحلية، فيما يمتلك إقليم كردستان خصوصية جغرافية وسياسية تجعله أكثر حساسية تجاه أي تصعيد إقليمي. ولذلك فإن أي قرار غير محسوب قد لا يبقى محصورا في حدود صاحبه، بل يمكن أن يفتح الباب أمام تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية أوسع.
ومن هذه الزاوية، فإن ما جرى خلال الحرب الأخيرة يوفر خلفية مهمة لفهم التحرك الحالي.
لقد كان الاختبار الحقيقي هو: هل يصبح العراق وإقليم كردستان جزءا من الحرب، أم يستطيعان الاحتفاظ بمسافة سياسية وأمنية تمنع انتقال النار إليهما؟
قوة الاعتدال
تقرير The Telegraph قدم قراءة واضحة للدور الذي لعبه الشقيقان طالباني في هذا السياق، مشيرا إلى قدرتهما على التواصل مع أطراف متعددة، وإلى الجهود التي بذلاها لمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
أما اليوم، فإن زيارة طهران تنقل ذلك الاختبار إلى مستوى آخر: من إدارة خطر الانجرار إلى الحرب، إلى محاولة المساهمة في خفض احتمالات اتساعها.
وهنا تتضح ملامح ما يمكن تسميته "قوة الاعتدال" ليس الاعتدال بوصفه شعارا سياسيا، وإنما بوصفه ممارسة تقوم على الحوار، والاتصال، والتوازن، واحترام سيادة الدول، وعدم تحويل العراق أو كردستان إلى منصة لصراع الآخرين.
ومعروف إن قوة أي سياسة في مثل هذه الظروف لا تقاس بعدد الخصوم الذين تستطيع مواجهتهم، وإنما بقدرتها على إبقاء أكبر عدد ممكن من الأبواب مفتوحا، وعلى منع تحول الخلافات إلى صدامات، وعلى حماية مصالح المواطنين قبل مصالح الاصطفافات.
وهذا هو المعنى الأهم في التحرك من واشنطن إلى طهران: أن العراق يحتاج إلى سياسة تتحدث مع الجميع، وأن إقليم كردستان يحتاج إلى علاقات لا تقوم على العداء المتبادل، وأن الاتحاد الوطني، بحكم موقعه وعلاقاته وتجربته التاريخية، يجد نفسه أمام مسؤولية إدارة مساحة دقيقة بين مراكز النفوذ المختلفة.
لقد أثبتت أحداث الأشهر الماضية أن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الجبهات، بل إلى مزيد من الوسطاء وقنوات الحوار.
ومن هنا، فإن زيارة الرئيس بافل وتشكيلة الوفد الرفيع المرافق له إلى طهران لا ينبغي أن تقرأ فقط من زاوية العلاقات الثنائية بين الاتحاد الوطني وإيران، وإنما في إطار السؤال الأكبر: كيف يمكن للعراق وإقليم كردستان أن يحافظا على أمنهما ومصالحهما في منطقة تتغير خرائطها السياسية والأمنية بسرعة؟
الإجابة، كما توحي هذه التحركات، تبدأ من عدم الانخراط في صراعات الآخرين، ومن احترام سيادة الجوار، ومن بناء جسور مع مختلف الأطراف، ومن استخدام الحوار كأداة سياسية في اللحظة التي يصبح فيها الصدام أكثر كلفة من أي وقت مضى.
من واشنطن إلى طهران، إذن، ليست المسألة مجرد انتقال جغرافي بين عاصمتين، بل اختبار لسياسة الأبواب المفتوحة في زمن الاستقطاب.
وإذا كان تقرير دولي قد وصف القنوات الخلفية التي تحرك عبرها الشقيقان طالباني بأنها منحت العراق «طوق نجاة» في واحدة من أخطر مراحل التصعيد، فإن التحدي اليوم هو الحفاظ على هذا الطوق وتوسيعه، بحيث يبقى العراق وإقليم كردستان خارج دائرة النار، لا طرفا فيها، وجسرا للحوار لا ساحة للحرب.
وهنا تكمن أهمية الحراك السياسي للرئيس بافل جلال طالباني.