×

  بحوث و دراسات

  كينيث م. بولاك: ​حــــــرب غـــيرت العــــالم إلـــى الأبــــــد



بعض التداعيات البعيدة المدى، ذات الأهمية الاستثنائية، بدأت تتكشف للتو

 

مجلة"فورين بوليسي"الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

باتت كثير من التداعيات المباشرة للحرب الإسرائيلية-الامريكية مع إيران واضحة بالفعل. فمن بروز الطائرات المسيرة والصواريخ، على نحو متزايد، بوصفها أسلحة مهيمنة في الحروب، إلى المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي نتيجة التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، وصولا إلى أوجه القصور في منظومة المشتريات العسكرية الامريكية؛ حظيت هذه القضايا، وغيرها، باهتمام واسع تستحقه تماما.

ومع أهمية هذه التطورات، فإن الصراع مع إيران قد تكون له تداعيات أوسع نطاقا وأطول أمدا بكثير؛ تداعيات من شأنها أن تحدث تحولات جذرية في منطقة الشرق الأوسط وفي بقية أنحاء العالم. فبعد عقود من الآن، قد ننظر إلى هذا الصراع باعتباره حدثا مفصليا أعاد تشكيل المبادئ التي كانت تعد، حتى وقت قريب، من الركائز الأساسية للجغرافيا السياسية الحديثة.

ورغم أن استشراف نقاط التحول المحتملة هذه قبل اندلاع الحرب كان سيكون أفضل، فقد لا يزال هناك متسع من الوقت لاتخاذ إجراءات من شأنها توجيه هذه التحولات نحو مسارات أكثر ملاءمة. وكما هو الحال دائما، فإن الخطوة الأولى تتمثل في إدراك حجم التغيرات الزلزالية المحتملة التي ربما تكون قد بدأت بالفعل.

 

 دول الخليج تنتقل إلى الهجوم.. ومزيد من الحروب

لم يكن هناك نقص في التعليقات والتحليلات بشأن تقنيات القتال الجديدة التي سلطت حرب إيران الضوء عليها، في وقت ركزت فيه الولايات المتحدة، في معظم الأحيان، على الأنظمة الدفاعية. فقد أبدى الامريكيون إعجابهم بالأداء الاستثنائي لمنظومات الاعتراض الغربية، وفي الوقت نفسه أبدوا قلقا شديدا إزاء التراجع المستمر في مخزوناتها.

غير أن دول الخليج العربي، وعلى الأرجح العديد من الدول الأخرى المتوسطة والصغيرة التي تواجه تهديدات مماثلة، استخلصت درسا مختلفا من هذا الصراع، مفاده أن أفضل وسيلة للدفاع هي امتلاك قدرة هجومية فعالة.

أدت ذخائر الاعتراض الامريكية والإسرائيلية والأوروبية والكورية الجنوبية أداء متميزا، إذ نجحت في إسقاط الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة الإيرانية. وإلى جانب قدرة الطائرات المقاتلة الغربية على إسقاط الطائرات المسيرة وصواريخ كروز، وتعطيل عمليات إطلاق الصواريخ الباليستية، تمكنت إيران من إلحاق أضرار بأهدافها أقل بكثير مما كان يمكن أن تلحقه بها لولا ذلك. وخلاصة القول، إن منظومات الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي أدت، حتى الآن، أداء ممتازا. وهذا في حد ذاته ليس أمرا هينا.

لكن المشكلة تكمن في أن هذا الأداء، على أهميته، لم يثبت أنه كافٍ بأي حال من الأحوال. فبسبب انخفاض تكلفة الطائرات المسيرة وصواريخ كروز، بل وحتى الصواريخ الباليستية إلى حد كبير، وسهولة إنتاجها وتخزينها وإخفائها وإطلاقها مقارنة بمعظم صواريخ الاعتراض التي تستخدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها للتصدي لها، تمكنت إيران من مواصلة إنتاج المزيد منها وإطلاقها باتجاه أهداف في أنحاء الخليج والأردن وإسرائيل. وعلى الرغم من أن منظومات الدفاع تنجح في اعتراض نحو 90 في المئة منها، فإن نسبة الـ10 في المئة التي تتمكن من اختراق الدفاعات تظل أكثر مما ينبغي بكثير؛ إذ إن مرور أي منها يعد أمرا بالغ الكلفة.

ولا يبدو أن هناك مجتمعا استطاع إظهار قدر مماثل من المناعة في مواجهة الضربات الإيرانية المضادة سوى المجتمع الإسرائيلي، الذي اعتاد التعامل مع هذه التهديدات، فيما جرى تحصين بنيته التحتية بدرجة أكبر. وعلى النقيض تماما، أثبتت مستويات الضرر نفسها أنها كارثية بالنسبة إلى دول الخليج. فقد باتت شركات الطاقة والشحن والتأمين تتردد في مواصلة أنشطتها في ظل التهديد المستمر بهجمات إيرانية، حتى لو جرى اعتراض أكثر من 90 في المئة منها. فالضربات التي نجحت في اختراق الدفاعات، والبالغة نسبتها 10 في المئة، ألحقت أضرارا مادية كبيرة، وأضرارا نفسية أشد بكثير. كما وضعت موضع التساؤل النموذج الاجتماعي والاقتصادي الذي تقوم عليه دول الخليج حاليا، والذي تخطط لمستقبله.

لقد بنيت اقتصادات الخليج الحديثة، في مجملها، على افتراض أن أراضي هذه الدول ستظل ملاذات آمنة للتجارة وإنتاج المحروقات والاستجمام والراحة. غير أن الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ حطمت هذا الافتراض، ووجهت ضربة إلى قطاعات الطاقة والصناعة والتجارة والتمويل والاستثمار والسياحة في المنطقة.

فمن الذي سيرغب في الاستثمار أو التصنيع أو قضاء العطلات في دول تتعرض، بين الحين والآخر، لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، حتى لو جرى اعتراض الغالبية العظمى منها؟ ومن الذي سيرغب في ممارسة الأعمال التجارية، أو استيراد النفط، أو استثمار الأموال، أو تبادل السلع، أو قضاء إجازة في مكان يسمع فيه، عدة مرات في الأسبوع، وربما في اليوم الواحد، دوي انفجارات في السماء، حتى لو كانت تلك الأصوات ناجمة عن نجاح منظومات الدفاع في اعتراض الذخائر المهاجمة؟

 

 النظام الإقليمي الذي أرادت إيران إقامته بدأ يتشكل من دونها

على مستوى ما، كانت حكومات الخليج تدرك هذه الحقيقة. غير أنها كانت تفترض، قبل اندلاع الحرب، أن التهديد برد امريكي واسع النطاق (أو إسرائيلي، بعد توقيع اتفاقيات أبراهام) سيحد من حجم الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة ونطاقها، بما يتيح لمنظوماتها الدفاعية التصدي لأي رد إيراني محدود قد ترى طهران أنه ضروري لحفظ ماء الوجه.

وكانت هذه الحكومات تراهن على ضبط النفس الذي أبدته إيران باستمرار في الماضي، بما في ذلك حرب يونيو/حزيران 2025 القصيرة، إذ كانت طهران تخشى على الدوام أن يؤدي رد أوسع نطاقا إلى إطلاق الولايات المتحدة مسعى لتغيير النظام الإيراني.

لكن الولايات المتحدة، في هذه الحرب، قلبت هذه المعادلة رأسا على عقب؛ إذ حاولت تغيير النظام الإيراني، وفشلت في تحقيق ذلك، ثم استبعدت هذا الخيار تماما من حساباتها. ونتيجة لذلك، باتت إيران قادرة على تهديد اقتصادات الخليج مباشرة عبر هجمات الصواريخ والطائرات المسيرة، وتهديد الاقتصاد العالمي من خلال خنق حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، من دون أن تخشى محاولة امريكية للإطاحة بنظامها.

وبات الامريكيون يدركون أنهم لا يستطيعون تغيير النظام الإيراني بالقوة الجوية وحدها، وأنهم يفتقرون، حتى الآن، إلى الإرادة السياسية اللازمة لاستخدام القوات البرية التي سيكون نشرها ضروريا لضمان تحقيق هذا الهدف. ومع زوال تهديد تغيير النظام، أثبتت إيران قدرتها على ردع الهجمات الامريكية والإسرائيلية بفاعلية لا تقل، على الأقل، عن قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الحد من الهجمات الإيرانية التي تستهدف الخليج.

إن هذا الواقع، الذي باتت معه دول الخليج تتحفظ بشدة على الاعتماد على الولايات المتحدة (أو إسرائيل) لردع الهجمات الإيرانية، أصبح أمرا لا يمكن قبوله. وهذا ما يدفع هذه الدول جميعا إلى شراء أسراب من الطائرات المسيرة والصواريخ الخاصة بها، أو التفكير في اقتنائها.

فالسعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت تشتري جميعها طائرات مسيرة تركية، في حين تعمل السعودية مع شركات امريكية على الشروع في إنتاج آلاف الطائرات المسيرة محليا. وبالمثل، تسعى الإمارات إلى الحصول على طائرات مسيرة وقدرات لتصنيعها من إسرائيل والصين وأوكرانيا. كما تجري قطر والبحرين محادثات لاتخاذ خطوات مماثلة.

رغم أن من الممكن أن يؤدي توازن الرعب إلى فرض سلام حذر بين الخصوم المسلحين بالطائرات المسيرة والصواريخ على جانبي الخليج، على غرار ما حققه توازن القوى خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، فإن احتمال تحقق هذه النتيجة في الحالة الراهنة يبدو أقل بكثير. وكما قال برنارد برودي في مقولته الشهيرة عام 1946، فإن ما جعل التوازن النووي فعالا إلى هذا الحد في الحفاظ على السلام هو القوة التدميرية الهائلة للأسلحة النووية، التي لا يمكن الالتباس بشأن عواقب استخدامها. فلا أحد يستطيع أن يسيء فهم ما سيحدث إذا انفجرت قنبلة نووية واحدة في بلاده، فما بالك بعشرات القنابل. أما عندما يمتلك كل من دول الخليج وإيران آلاف الطائرات المسيرة والصواريخ التقليدية، فإن اليقين بحجم الدمار الهائل الذي لا يمكن احتواؤه، والذي يفرضه السلاح النووي، لن يكون قائما.

وعوضا عن ذلك، يرجح أن تتحول هذه الترسانات إلى عامل يدفع نحو مزيد من الحروب. فإيران ستنظر إلى مساعي دول الخليج لبناء قدراتها الهجومية الخاصة باعتبارها تحديا لها، وستسعى إلى إثبات أن هذه القدرات لن تكون كافية لردع الهجمات الإيرانية. كما أن المتشددين المتطرفين الذين يمسكون بزمام السلطة في طهران حاليا سيرغبون في ضمان اقتناع الملكيات الخليجية المحافظة بأن إيران قادرة على تحمل ضربات وأضرار تفوق بكثير ما تستطيع تلك الدول تحمله؛ ولذلك ستبحث طهران عن فرص لضرب الخليج لإثبات هذه القدرة.

وفي المقابل، ستشعر دول الخليج بأنها مضطرة إلى الرد لإثبات أنها لن تقبل الترهيب، وأنها قادرة على الرد بالمثل. وقد تختار الولايات المتحدة بدورها البقاء خارج المواجهة، خشية أن يؤدي الدفاع عن دول الخليج إلى دفع إيران لإغلاق مضيق هرمز مجددا. وكل هذه العوامل تنذر بتبادل متكرر للهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة، في ظل سعي كل طرف إلى تعزيز قدراته، واكتشاف نقاط الضعف لدى الطرف الآخر واستغلالها، وإثبات عزمه على المواجهة.

ومع أن هذا السيناريو يبدو سيئا بما يكفي، فإن هناك تطورا آخر مؤسفا ينبغي أخذه في الحسبان. فبمجرد أن تكتسب دول الخليج القدرة على إسقاط قوتها العسكرية خارج حدودها، وهي قدرة لم تمتلكها أي منها منذ نحو قرن، فمن المرجح أن تبدأ باستخدامها، وأن توظفها في خطوات قد لا تحظى بالضرورة بقبول الولايات المتحدة.

وهذا أيضا جزء من تاريخ الخليج. ففي سبعينيات القرن الماضي، عندما سلحت الولايات المتحدة شاه إيران، على أمل أن يتولى تخفيف بعض الأعباء الدفاعية عن واشنطن في المنطقة، بدأ الشاه باستخدام قدراته العسكرية الجديدة في تنفيذ تحركات متعددة لم تكن الولايات المتحدة راضية عنها؛ من دعم الأكراد في مواجهة صدام حسين، إلى الاستيلاء على جزر خليجية تابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وبالمثل، طورت الإمارات خلال العقد الماضي، بدفع وتشجيع امريكيين، قدرات محدودة لإسقاط قوتها العسكرية خارج حدودها، واستخدمتها لتعزيز مصالحها في اليمن وليبيا والسودان والقرن الأفريقي، في كثير من الأحيان بما يتعارض مع السياسات الامريكية.

إن منطقة الخليج تشهد اليوم اكتساب دولها قدرات عسكرية هجومية للمرة الأولى في التاريخ الحديث. ويمكننا أن نطلق على ذلك تسمية «تقاسم الأعباء الدفاعية»، وربما يعني هذا أن الولايات المتحدة لن تعود مضطرة إلى الدفاع عن هذه الدول وعن صادراتها الحيوية من الطاقة. لكن يبدو أن الاحتمال الأكبر هو أن يؤدي هذا التطور إلى تأجيج مزيد من الصراعات في المنطقة، وأن يدفع دولا أخرى في مناطق مختلفة من العالم إلى الاقتناع بأنها تستطيع، بل ينبغي لها، أن تسلك المسار نفسه.

على مدى نحو أربعة عقود، كانت الصين المستفيد الأكبر من دون تحمل الأعباء في الشرق الأوسط. فقد اعتمدت بكين على واشنطن في الحفاظ على استقرار المنطقة، من خلال التعامل مع مشكلاتها الأمنية التي لا تنتهي، بدءا من الحروب بين الدول وصولا إلى الحروب داخل الدول، بما يتيح للصين التركيز على تعزيز ثروتها عبر التجارة المواتية والاستثمار وتشييد البنى التحتية.

وللإنصاف، لم يحاول الصينيون إخفاء هذا النهج أو التستر عليه. فقد سبق أن وبخني نائب وزير الخارجية الصيني بسبب إخفاق الولايات المتحدة في الحفاظ على السلام في المنطقة نيابة عن الصين. بل إنه صرخ في وجهي حرفيا قائلا إن الصين لا تفهم الشرق الأوسط، بما فيه من دين و«جنون»، ولذلك تقع على عاتق واشنطن مسؤولية إبقاء الأوضاع هادئة، وهي مسؤولية رأى أن الامريكيين يخفقون في الاضطلاع بها. ولم أكن، حتى في ذلك الوقت، أعمل في الحكومة الامريكية.

وعلاوة على ذلك، لم يكن الصينيون بالتأكيد أول من اتبع هذا النهج، وإن كانوا ربما الأكثر صراحة في التعبير عنه. فعلى مدى نحو قرن، اتبعت الولايات المتحدة تجاه بريطانيا النهج نفسه الذي اتبعته الصين لاحقا تجاه الولايات المتحدة. فمنذ القرن التاسع عشر، جاب التجار الامريكيون مياه الخليج بحثا عن الأرباح، متجاهلين عن عمد السياسة المحلية والصراعات الإقليمية، وتاركين هذه المسؤوليات للبريطانيين، إلى أن سحبت لندن قواتها من المنطقة في أوائل سبعينيات القرن الماضي.

وحتى بعد ذلك، لم تتول الولايات المتحدة دور القوة المهيمنة إقليميا بصورة كاملة إلا في تسعينيات القرن الماضي، بعدما أقنعت الثورة الإيرانية والحرب العراقية-الإيرانية وغزو صدام للكويت واشنطن بأن المنطقة لن تتمكن من الحفاظ على استقرارها من تلقاء نفسها.

وهكذا، سمح للصين، شأنها شأن الولايات المتحدة، بل وبريطانيا قبلها بدرجة أقل، بتجاهل المشكلات المستمرة في الخليج، عبر ترك مسؤولية التعامل معها للآخرين. غير أن أحداث العقد الماضي، ولا سيما السنوات الثلاث الأخيرة، وبدرجة أكبر خلال الأشهر الستة الماضية، أخذت تثير تساؤلات جدية بشأن مدى قابلية هذا الترتيب للاستمرار.

فبعد أن كانت الصين محور الاهتمام والنقاش في منطقة الخليج قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تراجع حضورها من المشهد بصورة شبه كاملة، وذلك بعد وقت قصير من هجوم حماس المروع. وما أدركته دول المنطقة جميعها هو أن الصين لا تمتلك القدرة على إسقاط قوتها العسكرية في الشرق الأوسط. وفي زمن الحرب، لم يكن انخراطها الاقتصادي الواسع في المنطقة ذا أهمية تذكر، إن لم يكن عديم الأهمية تماما.

فالصين لم تستطع الدفاع عن حلفائها الإقليميين في مواجهة الهجمات، كما لم تستطع تهديد خصومهم الإقليميين. أما العمليات العسكرية الامريكية، مثل «راوف رايدر» (Rough Rider)، و«ميدنايت هامر» (Midnight Hammer)، والعملية الحالية «إيبك فيوري» (Epic Fury)، فقد كانت جميعها تتجاوز القدرات الصينية بالكامل.

ولعل أقصى ما استطاع الصينيون القيام به هو تشجيع حلفائهم الباكستانيين على أداء دور الوسيط بين طهران وواشنطن. لكن حتى بعد مرور أشهر، لم تنجح هذه الجهود في إنهاء الصراع، ولا توجد مؤشرات على أن المصالح الصينية تؤخذ في الحسبان ضمن المفاوضات الجارية.

 

الحرب على إيران هدية للصين

من دون إطلاق رصاصة واحدة، كسبت بكين حرية أكبر في التحرك داخل الخليج، وتعزيزا لصناعاتها، ومصداقية جديدة.

وهنا تكمن المفارقة. فللصين مصالح كبيرة للغاية في الشرق الأوسط؛ إذ إنها أكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد على منطقة الخليج في تأمين ما يصل إلى 50 في المئة من وارداتها النفطية. كما تشهد تجارتها مع دول الخليج نموا متسارعا، إذ تجاوزت قيمتها حاليا 500 مليار دولار سنويا، ومن المتوقع أن تبلغ 800 مليار دولار بحلول عام 2030. كذلك تمثل منطقة الخليج سوقا حيوية ونقطة عبور رئيسية للبضائع الصينية المتجهة إلى أوروبا وغرب آسيا وأفريقيا.

وعليه، يتمثل السؤال الجوهري هنا في ما إذا كانت المذابح والدمار الناجمان عن ثلاث سنوات من الحروب في أنحاء المنطقة، والتي بلغت ذروتها بالهجوم الامريكي-الإسرائيلي على إيران هذا العام، ستدفع بكين إلى إعادة النظر في عجزها عن التحرك، وفي استعدادها للاعتماد على الآخرين من أجل حماية مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط، رغم أن هذه التطورات تهدد تلك المصالح. فهل ستختار بكين بذل جهود حازمة لبناء قدرات تمكنها من إسقاط قوتها في منطقة الخليج، بما يتيح لها فرض الاستجابة لمتطلباتها على الأطراف المحلية، وكذلك على القوى من خارج المنطقة، مثل الولايات المتحدة؟

إذا اختارت بكين هذا المسار، فإن حاملات الطائرات التي بدأت بنشرها حاليا، والتي بدا دائما أن فائدتها ستكون أكبر في المحيط الهندي وبحر العرب الشمالي منها في بحر الصين الجنوبي، فإن ذلك سيمثل تحولا كبيرا في ميزان القوى العسكرية والعلاقات الأمنية في الشرق الأوسط.

قبل اندلاع الحرب على إيران، وتحديدا في أواخر عام 2024، سافرت إلى إسرائيل برفقة مجموعة صغيرة من الخبراء العسكريين الامريكيين، لإجراء مباحثات موسعة مع عدد من كبار الضباط العسكريين الإسرائيليين، العاملين حاليا والسابقين.

وفي إطار تلك المناقشات، عرض الإسرائيليون عقيدة الدفاع الجديدة التي كانوا يعملون على تطويرها استجابة للصدمة والرعب اللذين خلفتهما هجمات حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وكانوا يعتزمون السيطرة على مناطق عازلة على طول حدود إسرائيل مع لبنان وسوريا وغزة، ثم تنفيذ عمليات عسكرية متواصلة ضد حماس وحزب الله وتنظيم الدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات العربية المتطرفة، أو الدول التي تدعمها، خارج تلك المناطق العازلة، لضمان عدم تمكن أي منها مجددا من تطوير البنية التحتية أو حشد القوات الميدانية اللازمة لشن هجوم واسع النطاق على إسرائيل. وهذا هو النهج الذي دأبت إسرائيل على اتباعه منذ ذلك الحين.

في ذلك الوقت، لاحظت أن ما يقترحه الإسرائيليون يشبه إلى حد ما العقيدة الدفاعية للإمبراطورية الرومانية. فقد اعتاد الرومان أيضا إقامة مناطق عازلة، غالبا بالتفاهم مع قبائل صديقة أو عبر إنشاء مناطق خالية من السكان، مباشرة وراء حدودهم، ثم شن عمليات عسكرية متواصلة ضد القبائل التي كانوا يعدونها بربرية خارج تلك المناطق، بهدف معاقبتها وإضعافها ومنعها من شن عمليات عسكرية كبرى ضد الأراضي الرومانية نفسها. لقد كانت عقيدة تقوم على الحرب المستمرة خارج حدود الإمبراطورية، لضمان السلام داخلها.

وأشرت إلى أن تطبيق هذه العقيدة سيتطلب قيام إسرائيل مختلفة تماما عن تلك التي كانت قائمة قبل السابع من أكتوبر. وكان آرون ماكلين، المحلل العسكري المتميز ومقدم البودكاست «مدرسة الحرب» (School of War)، عضوا أيضا في الفريق الامريكي. وقد صاغ المسألة بوضوح عندما تساءل بصوت مسموع عما إذا كانت ثقافة «أمة الشركات الناشئة» الإسرائيلية قادرة على الانسجام مع عقيدة عسكرية تقوم على إقامة جبهات حدودية على غرار الحدود الرومانية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن تبني نهج الحدود الرومانية سيتطلب العودة إلى ما يشبه عقيدتها الدفاعية الأصلية، وإلى الثقافة الوطنية التي أسهمت في دعمها. فمنذ تأسيسها عام 1948، وربما قبل ذلك، وحتى حرب أكتوبر/تشرين الأول العربية-الإسرائيلية عام 1973، كانت العقيدة الدفاعية الإسرائيلية تؤكد على العمليات الهجومية الاستباقية، بل والوقائية أحيانا، للقضاء على التهديدات العسكرية المحتملة قبل أن تصبح قابلة للاستخدام، وخوض المعارك في أراضي العدو، بعيدا عن المراكز السكانية الإسرائيلية المعرضة للخطر.

لقد تطلب ذلك وجود مجتمع يتلقى أفراده التدريب العسكري ويلتزمون بالخدمة العسكرية الاحتياطية طويلة الأمد، بما يمكن دولة صغيرة من الحفاظ على قوة ميدانية كبيرة بما يكفي لهزيمة خصومها الأكثر عددا. كما تطلب وجود شعب مستعد لتقديم تضحيات فردية مستمرة، بما فيها التضحية القصوى بالنفس، من أجل مصلحة الوطن. وعقيدة الدفاع القائمة على نهج الحدود الرومانية ستتطلب الأمر نفسه.

لكن الثقافة الإسرائيلية أخذت تتغير تدريجيا بعد عام 1973، مع اتضاح أن الجيوش العربية والجماعات المسلحة المناهضة لإسرائيل لم تعد تشكل تهديدا وجوديا للدولة. وكما خلصت إحدى أكثر الدراسات عمقا في تناول التحول الذي طرأ على علاقة الإسرائيليين بقواتهم المسلحة، فقد انتقل المجتمع من ثقافة التضحية بالنفس إلى ثقافة تحقيق الذات. واكتسب هذا التحول زخما إضافيا مع بداية الطفرة الاقتصادية الإسرائيلية في مطلع الألفية الثالثة، إلى أن أخذت أعداد متزايدة من الشباب الإسرائيليين تنظر باستخفاف إلى الخدمة في القوات المسلحة، فضلا عن اتخاذ العمل العسكري مهنة لهم، فيما بات من الصعب على نحو متزايد إقناع الأجيال الأكبر سنا بالتعامل بجدية مع واجباتها في قوات الاحتياط.

وبحسب ما يقوله الإسرائيليون، فإن أحداث السابع من أكتوبر غيرت كل ذلك. فهم يؤكدون أنهم مستعدون مجددا للعودة إلى التضحية الكاملة بالنفس من أجل الأمن القومي، وهي الروح التي جعلت عقيدة الدفاع الإسرائيلية الأصلية ممكنة. ويمثل نهج الحدود الرومانية النسخة التي تناسب القرن الحادي والعشرين من تلك الاستراتيجية. لكن يبقى السؤال مفتوحا بشأن قدرة هذه الروح على الاستمرار لعقود، وإذا استمرت، فما إذا كانت ستستنزف الطاقة والإبداع من القطاع الخاص الإسرائيلي، وهما العاملان اللذان جعلا من إسرائيل «أمة الشركات الناشئة» نموذجا استثنائيا.

وإلى جانب المتطلبات التي قد يفرضها هذا النهج على المجتمع والثقافة الإسرائيليين، يطرح التحول نحو نهج الحدود الرومانية معضلات أخرى أمام إسرائيل. فمن المهم الإشارة إلى أن الطفرة الاقتصادية التي حققتها البلاد بفضل ريادة الأعمال في مجال الإنترنت تطلبت مستوى عاليا من الترابط والانفتاح على بقية العالم المتقدم. غير أن السياسات الأمنية المرتبطة بتطبيق نهج الحدود الرومانية في غزة ولبنان وسوريا وغيرها أخذت تقوض بصورة مطردة التعاطف مع إسرائيل وحسن النية تجاهها في كثير من تلك الدول نفسها. وقد درست عدة دول فرض عقوبات على إسرائيل، بل إن بعضها فرض بالفعل عقوبات محدودة النطاق ردا على سياساتها. وكلما تمسكت إسرائيل بهذه العقيدة الدفاعية بصورة أشد، ازدادت احتمالات تعرض علاقاتها وروابطها الدولية لضغوط متزايدة.

لا يتجلى هذا التوتر بأهميةٍ أكبر بالنسبة إلى إسرائيل مما يتجلى في الولايات المتحدة، حيث انقلبت أعداد مثيرة للصدمة من الأمريكيين، على كلا طرفي اليمين المتطرف واليسار المتطرف، ضد العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وهنا أيضا، أدت العمليات العسكرية الهجومية التي يتطلبها نهج «الحدود الرومانية» إلى نفرة كثيرٍ من الأمريكيين الذين كانوا، لولا ذلك، متعاطفين مع إسرائيل، كما وفرت ذريعة مثالية للمناهضين للصهيونية (ومعادي السامية) على كلا طرفي الطيف السياسي، للمطالبة بإلغاء التحالف إلغاء كاملا. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد يجد الإسرائيليون أنفسهم قريبا أمام خيارٍ جوهري بين علاقتهم التي يعتزون بها مع الولايات المتحدة، ونهجهم الجديد في التعامل مع أمنهم.

 

 إيران تدرك إمكاناتها لفرض هيمنتها

هناك سؤال كبير آخر لا يمكن أن يجيب عنه سوى المستقبل: هل أدت الحرب التي كان الهدف منها إعاقة الهيمنة الإيرانية في الشرق الأوسط، إلى تمكين إيران من تحقيقها، بدلا من ذلك؟ لقد هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران آملتين في إسقاط نظامها البغيض، وإن أخفقتا في ذلك، فتقليص قدراته وإضعافه من خلال تدمير الوسائل التي يستخدمها لمد نفوذه في أنحاء المنطقة.

وبالطبع، فقد أودت الضربات الأولى بحياة جزءٍ كبيرٍ من القيادة العليا في إيران، بمن فيه المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه، غير أن ذلك لم يؤد إلى سقوط النظام، على الأقل حتى الآن، بل ترك واشنطن، على المدى القصير، في مواجهة نسخةٍ أشد سوءا منه.

باغتيال خامنئي، أزالت إسرائيل والولايات المتحدة قائدا مروعا، لكنه كان محافظا وحذرا، وشديد التوجس من القوة العسكرية الأمريكية. وقد خلفته قيادة أكثر تشددا وعدوانية ونزعة إلى المواجهة، وأكثر استعدادا لتحمل المخاطر.

وفي الواقع، وحسب ما نستطيع فهمه، فقد دأب خامنئي على كبح العمليات العسكرية الإيرانية التقليدية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنه كان يخشى أن يؤدي التصعيد إلى مزيدٍ من التصعيد، وأن ينتهي في النهاية إلى دفع الولايات المتحدة لشن حملةٍ حازمةٍ لاغتياله وإسقاط نظامه. وقد منع مرارا المتشددين في إيران من الاندفاع وراء ميلهم إلى شن هجماتٍ أكثر عنفا على إسرائيل والمصالح الأمريكية. أما هؤلاء المتشددون أنفسهم، فهم اليوم من يمسك بزمام السلطة في طهران، ومن غير المستغرب أن يخوضوا حملة أكثر عدوانية ضد الولايات المتحدة، من دون القيود التي فرضتها مخاوف خامنئي.

أما فيما يتعلق بالقوة العسكرية الإيرانية، فمن المؤكد تقريبا أن الحرب قد أخرت برنامج إنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في البلاد لأشهرٍ، وربما لمدةٍ أطول، وإن كان الإيرانيون لا يقتصرون على إعادة بناء قدراتهم، بل يعملون أيضا على تحسين جودة أنظمتهم بمساعدةٍ من روسيا والصين. وربما أدت الحرب أيضا إلى مزيدٍ من التأخير في البرنامج النووي الإيراني، غير أن تقدير ذلك أصعب حتى. كما أنها قضت على بعض قدرات إيران في مد نفوذها وإسقاط قوتها إلى الخارج، وخاصة قدراتها البحرية والجوية، على الرغم من أن هاتين القدرتين لم تكونا عنصرين بالغي الأهمية، سواء في تهديد إيران أو في دفاعها عن نفسها. ومع ذلك، فبدلا من أن تضعف الحرب قدرة البلاد على استخدام القوة للتأثير في الشؤون الإقليمية والعالمية، فقد تنتهي إلى تعزيز هذه القدرة.

يبدو أن طهران قد تبنت سياستين كانتا، قبل هذه الحرب، لا تتجاوزان حيز النظرية. أولاهما أن إيران أدركت الآن أنها قادرة على تقليص حركة الملاحة في مضيق هرمز، أو حتى خنقها، من دون أن يؤدي ذلك إلى إطلاق حملةٍ عسكريةٍ أمريكيةٍ هائلةٍ، تحظى بدعمٍ عالمي واسعٍ، لإعادة فتح المضيق وإسقاط النظام الإيراني. وهذا هو الخوف الذي منع إيران من الإقدام على ذلك منذ عام 1979.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن إيران، خلافا لما يعتقده كثيرون على نحوٍ خاطئٍ، لم تحاول فعليا إغلاق المضيق أثناء الحرب الإيرانية-العراقية. فقد كانت تملك قدراتٍ أكبر بكثيرٍ للمحاولة، لكنها لم تستخدم سوى جزءٍ ضئيلٍ منها لمضايقة حركة الملاحة البحرية، ولا سيما في الخليج الفارسي، بهدف رفع أسعار النفط، ومن ثم زيادة قيمة صادراتها، ودفع الولايات المتحدة ودول الخليج إلى وقف دعمها للعراق.

أما السياسة الثانية، فتتمثل في أن إيران تعلمت أنها تستطيع إطلاق آلاف الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز والطائرات المسيرة نحو حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج، محققة تأثيرا يتجاوز بكثيرٍ ما يمكن أن يتوقع بالنظر إلى حجم الأضرار المادية الفعلية التي تسببها.

علاوة على ذلك، ينبغي أن نتذكر أن كثيرا ممن يمسكون بزمام السلطة في طهران حاليا، كانوا يعارضون الاتفاق النووي المبرم عام 2015، لأنهم كانوا يريدون الحرب، لا المفاوضات، مع الولايات المتحدة، ولأنهم أرادوا امتلاك ترسانةٍ نوويةٍ تمنع الولايات المتحدة، سواء من مهاجمتهم أو من منعهم من مهاجمة دولٍ أخرى. وبترسيخ سلطتهم، على الأقل في المرحلة الراهنة، ربما جعلت الحرب التوصل إلى اتفاقٍ نووي جديدٍ مع إيران أكثر صعوبة مما كان عليه الأمر قبل اندلاعها. ومن المحتمل جدا أن تكون قد أقنعت مجموعة كانت ترغب أصلا في امتلاك أسلحةٍ نوويةٍ، بأن هذه الترسانة هي الوسيلة الوحيدة لمنع المزيد من الهجمات الأمريكية و/أو الإسرائيلية.

وأخيرا، أدت الحرب، حتى الآن، إلى تعزيز التعاون بين إيران وروسيا والصين. فقد شهد ذلك التحالف الشكلي تراجعا ملحوظا خلال مواجهة يونيو/حزيران 2025، لأن موسكو وبكين لم تقدما مساعداتٍ تذكر لطهران، مما دفع كثيرا من المتشددين الإيرانيين إلى التشكيك في مدى متانة هذا «التحالف».

أما هذه المرة، فقد قدمت كل من روسيا والصين لإيران مساعداتٍ مادية ومعلوماتية معتبرة، شملت توفير أنظمة دفاعٍ جوي، ومكوناتٍ للصواريخ والطائرات المسيرة، وبياناتٍ لتحديد الأهداف، إلى جانب أشكالٍ أخرى من الدعم الذي يساعد إيران على إعادة بناء ترسانتها وتطويرها. وبناء على ذلك، قد تخرج إيران من الحرب بشراكةٍ أكثر متانة وفاعلية مع روسيا والصين، مما كانت عليه عند بدء الحرب.

ولهذه الأسباب جميعها، يجب أن تنتهي الحرب بإثبات الولايات المتحدة للإيرانيين أنهم لا يستطيعون تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أو شن هجماتٍ متفرقةٍ على دول الخليج، من دون أن يدفعوا ثمنا لذلك. فإذا انتهت الحرب على نحوٍ يسمح للإيرانيين باستئناف أي من هذين الأمرين، فضلا عن استئنافهما معا، فإن الحرب ستكون قد جعلت إيران أكثر نفوذا وتأثيرا مما كانت عليه قبلها، بغض النظر عما ألحقته من أضرارٍ بقواتها الصاروخية والمسيرة والجوية والبحرية.

إن أكبر التحولات في التاريخ لا تتضح بأكبر قدرٍ من الجلاء إلا عندما ننظر إليها من الماضي. أما التحدي الحقيقي في صنع السياسات، فيكمن في التعرف إلى هذه التحولات وهي تجري في الحاضر، أو في استباقها وتوقعها قبل وقوعها. وهذا أيضا هو الأمر الأصعب على الإطلاق.

فلا شيء يكون واضحا وضوحا تاما في لحظة حدوثه، وإن الإنكار يعد أحد أقوى العوامل تأثيرا في علم النفس البشرية، على المستويين الفردي والجماعي. ودائما ما توجد اتجاهات مضادة تعاكس مسار التحولات. فأولئك الذين لا يريدون التصديق بأن اتجاهاتٍ معينة ستستمر، يصرون على أنها لن تستمر، ويتشبثون بما لا بد من أن يجدوه من أدلةٍ تؤيد موقفهم. ويكون التمييز بين الإشارات المهمة وضجيج المعلومات المتضاربة أشد صعوبة دائما، في الوقت الذي يكون فيه التجاوب مع تلك الإشارات أيسر ما يكون.

لا يستطيع أي منا الجزم بأن أيا من التحولات المحتملة التي عرضتها أعلاه سيتحقق فعلا. ولكن بذور هذه التحولات موجودة بالفعل في مسار الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة وإيران. وليس من المبكر أن ندرك هذه المؤشرات، وأن نبدأ في دراسة كيفية تصرف واشنطن لتجنب أسوإ السيناريوهات، وللاستعداد لمواجهة كل ما لا تستطيع منع حدوثه.

*كينيث م. بولاك:نائب رئيس معهد الشرق الأوسط لشؤون السياسات.


22/10/2026