قوباد طالباني:
لقد أكدت خلال حديثي في منتدى ميري-2026 أن المرحلة الراهنة في كردستان والعراق والمنطقة تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى معالجة أسبابها، ومن التفاهمات المؤقتة إلى بناء مؤسسات راسخة وقواعد واضحة تضمن الاستقرار وتحمي حقوق المواطنين. فالتحدي لا يكمن في وجود الاختلافات السياسية، بل في قدرتنا على إدارتها بمسؤولية، وتحويل الشراكة إلى ممارسة فعلية، والحوار إلى نتائج ملموسة.
لسنا بحاجة إلى التطابق في المواقف، بل إلى الاتفاق على القواعد التي تنظم خلافاتنا، واحترام الالتزامات المتبادلة، وتغليب المصالح الوطنية على الحسابات الحزبية، فنجاح الحوار لا يقاس بعدد الاجتماعات وتوقيتاتها، وإنما بقدرته على معالجة المشكلات وتقديم ضمانات حقيقية وفتح الطريق أمام تفاهمات قابلة للتنفيذ، مع الاستفادة من تجارب الماضي دون البقاء أسرى لها.
وفي العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، يبقى الدستور العراقي أساس الشراكة والحل المستدام حيث إن تنفيذ المواد الدستورية المتعلقة بصلاحيات السلطات، والنفط والغاز، والمناطق المتنازع عليها، وغيرها من الملفات، ضرورة لبناء الثقة ومنع تجدد الأزمات ولا يمكن أن تستقيم الدولة الاتحادية بالانتقائية في تطبيق الدستور، بل بالتزام جميع الأطراف بنصوصه وروحه.
وفي داخل الإقليم، نحتاج إلى إطار دستوري متكامل يحدد صلاحيات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وينظم العلاقة بينها، ويمنع تداخل المسؤوليات وتركيز القرار خارج الأطر القانونية، فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير الأشخاص، بل يتطلب شراكة حقيقية وتطوير النظام المؤسسي، وترسيخ سيادة القانون، وضمان استمرار المؤسسات في أداء مهامها مهما تغيرت القيادات والحكومات ويشمل ذلك إصلاح الإدارة الحكومية وتوسيع صلاحيات المحافظات والأقضية والنواحي، بما يسرع إنجاز معاملات المواطنين، ويقرب القرار من احتياجاتهم، ويربط الصلاحيات بالمسؤولية والرقابة والمحاسبة. كما يتطلب الإصلاح الاقتصادي رؤية واضحة تحدد العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، وتشجع الاستثمار والإنتاج، وتوفر بيئة مستقرة وقواعد موثوقة، بدلا من الاكتفاء بقرارات آنية لا تعالج جذور المشكلات.
وفي المجال الأمني، يمثل توحيد قوات البيشمركة خطوة مهمة، لكن استكمال هذا المسار يستلزم توحيد المعايير والتدريب والحقوق وآليات التعيين وتوزيع القوات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية، وترسيخ خضوعها للقانون والمؤسسات الرسمية.
إقليميا، نحتاج إلى دعم مسارات الحوار والسلام في تركيا وسوريا وإيران، واحترام خصوصية كل مسار، ومساندة الجهود السياسية التي تخدم الاستقرار وحقوق الشعوب، فكردستان ليست معزولة عن محيطها، واستقرارها يرتبط باستقرار العراق وقدرة مؤسساته على العمل، ومن هنا، فإن المشاركة الفاعلة والمسؤولة في بغداد تمثل ضرورة للدفاع عن حقوق الإقليم والتأثير في القرارات التي تمس مستقبله.
إن مسؤوليتنا في هذه المرحلة لا تتمثل في إيجاد تسويات تنهي أزمات اليوم فحسب، بل في بناء مؤسسات تمنع تكرارها، وإدارة تحترم وقت المواطن، واقتصاد يمتلك رؤية واضحة، وشراكة تقوم على الثقة والالتزام المتبادل فالمستقبل لا تصنعه التفاهمات وحدها، بل قدرتنا على تحويلها إلى مؤسسات وقوانين وقرارات تحمي مصالح المواطنين. وهذا هو جوهر الإصلاح، ومعيار الشراكة، ومسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة.
*نائب رئيس مجلس وزراء الاقليم وقامت "المرصد"بتحرير المقال من حواره في"منتدى ميري-2026"