×

  قضايا كردستانية

  الاتحاد والديمقراطي وضرورة اللجوء الى حلول مبتكرة وخلاقة



*وينثروب م. رودجرز

الانقسام يهدد بتقويض الحكم الذاتي لإقليم كردستان

 

معهد تشاتام هاوس (Chatham House)/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

 

 

""يتفق الحزبان الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى حد كبير بشأن القضايا الكردية في تركيا وإيران وسوريا، لكن خلافهما حول كيفية إدارة شؤون الإقليم داخليا قد يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، ويقوض مكتسبات الحكم الذاتي التي تحققت بشق الأنفس."" -تعليق محلل سياسي-

قبل عامين من الآن، توجه إقليم كردستان العراق إلى صناديق الاقتراع لانتخاب برلمان جديد، تمهيدا لتشكيل حكومة جديدة، إلا أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وهما أكبر حزبين في الإقليم، ما زالا عاجزين عن التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل الحكومة الجديدة.

وفي ظل هذا التعثر، لا تزال حكومة تصريف الأعمال، التي جرى انتخابها في أيلول 2018، تتولى إدارة شؤون الإقليم.

إن هذا الوضع يدفع إقليم كردستان نحو مسار من الانقسام العميق، الذي قد يصبح مستداما وربما دائما، فقد بدأت الشراكات التقليدية للإقليم مع أوروبا والولايات المتحدة تشهد حالة من الإحباط إزاء الخلل الوظيفي الكامن في مؤسساته، ولم تعد تلك الأطراف مستعدة للقيام بدور الوسيط بين الحزبين وهذا ما يجعل الإقليم أكثر عرضة للتدخلات من جانب القوى الإقليمية، التي تمتلك قدرة أكبر على التكيف مع المتغيرات، كما أنها قادرة على تبني استراتيجيات بعيدة المدى.

ولا تكمن العقبة الرئيسية أمام إحراز التقدم في الخلافات الثانوية بين الحزبين بشأن توزيع المناصب الوزارية، كما يطرح أحيانا. بل إن جوهر الأزمة يعود إلى انهيار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني عام 2006، فالحزبان لم يعودا يتقاسمان الرؤية الأساسية ذاتها بشأن الكيفية التي ينبغي أن يدار بها إقليم كردستان.

 كما أن الأطر الرسمية وغير الرسمية التي كانت تجمع الحزبين وتؤطر علاقتهما على مدى العقدين الماضيين، لم تعد تؤدي دورها أو تعمل بالفاعلية التي كانت عليها سابقا، بل إن إقليم كردستان قد انقسم فعليا إلى منطقتين جغرافيتين، تسيطر على كل منهما إحدى القوتين السياسيتين، فالحزب الديمقراطي الكردستاني يتولى زمام السلطة في محافظتي أربيل ودهوك، فيما يهيمن الاتحاد الوطني الكردستاني على محافظتي السليمانية وحلبجة.

ولا تزال المنطقتان غير منفصلتين تماما، كما كان الحال خلال مرحلة الإدارتين المنقسمتين بين عامي 1998 و2005، إلا أن هذا الترتيب ينطوي على تعقيدات كبيرة، فالمؤسسات الحكومية والقوات الأمنية باتت ترجع في توجيهاتها إلى قادة حزبيين غير منتخبين، بدلا من الرجوع إلى وزارات حكومة إقليم كردستان.

 وتشير تقارير إلى فرض إتاوات على سائقي الشاحنات والتجار عند نقاط التفتيش الواقعة على الحدود الفاصلة بين المناطق الخاضعة لنفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني وتلك الخاضعة لنفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني.

وحتى الآن، ظل الحزبان يؤكدان أن إقليم كردستان لا يزال كيانا موحدا ومتماسكا، على الرغم من الانقسام الحزبي القائم، ففي السادس من تشرين الأول، دعا رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، الأحزاب إلى إعادة تفعيل برلمان كردستان، الذي لم يعقد جلسة فعلية لممارسة مهامه منذ أكثر من أربع سنوات، قائلا: «لا أعرف مم يخشون» غير أن تطورات أعمق قد تكون جارية تحت السطح.

 

مقترح أكثر جذرية لتغيير نظام الحكم

لدى قيادات سياسية في الاتحاد الوطني الكردستاني مقترح أكثر جذرية، يتمثل في نقل الصلاحيات الإدارية والمالية إلى المحافظات ورؤساء البلديات ومديري الأقضية على أن يحتفظ كل من حكومة إقليم كردستان وبرلمان كردستان ببعض الصلاحيات، فيما تنقل معظم القرارات الأساسية المتعلقة بالشؤون اليومية إلى مستويات إدارية وحكومية أدنى.

ويستشهد مؤيدو هذه الخطة بالنظام القائم على الكانتونات في سويسرا، وبنظام الإمارات في دولة الإمارات العربية المتحدة، باعتبارهما نموذجين استلهموا منهما مقترحهم.

وتقوم الفكرة، وفق هذا الطرح، على أن يفسح كل طرف المجال للآخر، وأن توزع الصلاحيات التنفيذية بدلا من تركيزها في سلطة واحدة.

ونظرا إلى النفوذ الواسع الذي يمارسه الحزبان، كل على حدة وبصورة منفردة، على مستوى المحافظات والإدارات المحلية، فإن من شأن هذا التغيير أن يضفي طابعا رسميا على السيطرة الحزبية على إدارة الحكم داخل المنطقتين اللتين يتوزع بينهما إقليم كردستان، وهو ما سيمثل أكبر تغيير دستوري تشهده المنطقة منذ جيل كامل.

كما أن هذا التوجه من شأنه أن يشكل تنصلا من الفرضية الأساسية التي قامت عليها جهود بناء السلام في أعقاب الحرب الأهلية الكردية، ومفادها أن وجود مؤسسات قوية وموحدة ومشتركة يشكل ضرورة لتعزيز الحكم الذاتي الكردي وترسيخ استقلالية إدارة شؤون الإقليم.

ومجرد طرح هذا المقترح للنقاش يعكس مدى التدهور الذي وصلت إليه العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

ولا تزال جوانب عديدة من الخطة غامضة وغير محددة، فكيف ستؤثر هذه التغييرات في طبيعة العلاقة بين السلطات المحلية والحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان؟

وكيف ستوزع الإيرادات، إن كان هناك توجه أصلا لتقاسمها؟

وكيف ستتخذ القرارات المتعلقة بالقطاعات الحيوية، مثل النفط والغاز والكهرباء والتجارة؟

في الوقت الراهن، لا يزال هذا المقترح محصورا بالاتحاد الوطني الكردستاني، فيما تبقى فرص تطبيقه غير مؤكدة.

 ويعارض الحزب الديمقراطي الكردستاني هذه الخطة، وهو أحد الأسباب التي تقف وراء محدودية التقدم المحرز في المفاوضات الرامية إلى تشكيل حكومة جديدة.

ومن المتوقع أن يعارض كثير من الناخبين الكرد تعزيز نفوذ الأحزاب الحاكمة من دون إخضاع سلطتها لأي ضوابط أو آليات رقابة حقيقية وفاعلة. ورغم شعورهم بالتأكيد بخيبة الأمل إزاء الأوضاع الراهنة، فإنهم يدركون جيدا المخاطر التي قد تترتب على خطة الاتحاد الوطني الكردستاني، وما يمكن أن تشكله من تهديد للمكانة الدستورية الهشة لإقليم كردستان ضمن العراق.

 

بغداد تستفيد من الانقسام

وخلال السنوات الخمس الماضية، عملت الحكومة الاتحادية العراقية تدريجيا على تقليص قدرة حكومة إقليم كردستان على إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية بنفسها، مستفيدة في ذلك من حالة الانقسام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، التي أسهمت في إتاحة المجال أمام هذا التراجع.

 

توقيت غير مناسب للانقسام

إن احتمالات حدوث انقسام داخل إقليم كردستان تأتي في توقيت جيوسياسي غير ملائم على الإطلاق، فالحرب الأمريكية الإيرانية أفرزت حالة كبيرة من عدم الاستقرار، فيما تنشغل الأطراف الدولية الشريكة بمشكلاتها الداخلية.

 وفي الوقت نفسه، تشهد المنطقة تحولات في موازين القوى، تدفع الدول ذات السيادة إلى إعادة تأكيد نفوذها على الفاعلين من غير الدول.

إن الوجود الأمريكي في إقليم كردستان لم يعد بالقوة والتأثير اللذين كان يتمتع بهما في السنوات الماضية فقد استكملت الولايات المتحدة انسحابها العسكري في نهاية أيلول، بعد اثني عشر عاما من مشاركتها في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

 كما أن النشاط الدبلوماسي في أربيل، حيث مقر حكومة إقليم كردستان، واجه عراقيل خلال معظم أشهر العام الحالي، بسبب المخاوف الأمنية الناجمة عن الحرب الأمريكية الإيرانية.

ويشعر الدبلوماسيون الأمريكيون والأوروبيون بالإحباط إزاء عجزهم عن تقريب وجهات النظر بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، رغم مساعيهم المتواصلة لحث الحزبين على تشكيل حكومة جديدة.

ويعكس هذا العجز مؤشرا على تراجع نفوذ الغرب وقدرته على التأثير في القيادات الكردية العليا ومن شأن هذا النفوذ أن يتراجع بصورة أكبر إذا ما اضطر الدبلوماسيون إلى التعامل مع مسؤولين محليين يمتلكون صلاحيات أوسع، لكنهم يخضعون في المقام الأول لتوجيهات قيادتي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

أما دول الجوار المباشر لإقليم كردستان، مثل تركيا وإيران، فهي أكثر قدرة بكثير على التكيف مع إقليم منقسم ومفكك الصلاحيات إذ تستطيع هذه الدول اعتماد استراتيجيات بعيدة المدى، والتحرك على المستوى المحلي من خلال الروابط الاقتصادية والاجتماعية والدينية، بدلا من النهج العسكري والسياسي القائم على التعامل من أعلى إلى أسفل، الذي تتبعه الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وبالنسبة إلى هذه الدول، فإن وحدة العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لا تحتل الأهمية ذاتها التي تحظى بها في الحسابات الغربية.

ويتمثل الهدف المباشر لتركيا في إقليم كردستان في ضمان استمرار مسارها السياسي الخاص بالقضية الكردية، والذي يشهد حاليا عملية إلقاء حزب العمال الكردستاني (PKK) سلاحه وقد أبدى كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني دعما قويا لهذا المسار، وقدما تدخلات ومساهمات مهمة لتسهيل تقدمه.

كما أيد الحزبان عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يقودها الكرد، في مؤسسات الدولة السورية الجديدة.

في المدى القريب، من غير المرجح أن يبتعد الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني كثيرا عن هذا المسار، غير أن مكمن الخطر يتمثل في أن يؤدي تعمق الانقسام داخل الإقليم إلى تشظي مواقف الحزبين إزاء القضايا التي تتجاوز حدود إقليم كردستان، وإذا حدث ذلك، فقد تنحاز أنقرة إلى أحد الحزبين، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار.

أما الهدف الأول لإيران، فيتمثل في ضمان عدم انخراط الجماعات الكردية في حربها مع الولايات المتحدة. وحتى الآن، يتبنى الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني موقفا متطابقا بشأن أهمية تجنب إعطاء أي انطباع باحتمال تدخلهما ضد إيران.

ويتمثل الهدف الثاني لطهران في الحد من أنشطة الجماعات الكردية المسلحة التابعة لها، حتى إن الأمر وصل إلى حد المطالبة بإخراجها من إقليم كردستان العراق غير أن ضعف المؤسسات الحكومية في إقليم كردستان وانقسامها يجعل تحقيق هذا الهدف أمرا صعبا. وهذا بدوره يزيد من احتمالات أن تبادر إيران إلى التدخل بنفسها واتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة.

وفي ظل غياب الوجود الأمني الأمريكي، فإن تدخلات دول الجوار الإقليمية قد تدفع أيضا القيادات العراقية في بغداد إلى الانخراط بصورة أكثر مباشرة في إدارة الملفات والشؤون المتعلقة بإقليم كردستان وسيكون مثل هذا التطور نتيجة سلبية بالنسبة إلى الحكم الذاتي الكردي، كما أنه من المرجح أن يؤدي إلى تأجيج التوترات السياسية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

إن أجواء الاستياء التي سادت إقليم كردستان خلال الانتخابات التي جرت قبل عامين لم تتراجع، بل ازدادت حدة وعمقا، ويطرح نقل القرارات المتعلقة بإدارة الحكم إلى المستوى المحلي، في محاولة لتجاوز حالة الانسداد الحزبي المستعصية على مستوى القيادة العليا، بوصفه أحد الحلول المقترحة. غير أن هذا التوجه قد تترتب عليه تداعيات واسعة النطاق تمتد آثارها إلى جوانب أخرى.

إن استمرار حالة الانسداد السياسي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يهدد بإطلاق مسار تراجعي لا رجعة فيه، يطال الأطر والمؤسسات التي أتاحت للكرد إدارة شؤونهم بأنفسهم على مدى العقدين الماضيين.

وللخروج من حالة الجمود هذه، يتعين على قيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني أن تدرس حلولا مبتكرة وخلاقة، ولكن ليس من بين تلك الحلول ما من شأنه تعميق الانقسام، أو إضعاف المؤسسات المشتركة، أو تقويض المبادئ الديمقراطية وإلا، فإن إقليم كردستان يخاطر بالتحول إلى ساحة تتنازعها الأطراف الأخرى وتعمل على تفكيكها، على حساب الحكم الذاتي الكردي.

*زميل مشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – تشاتام هاوس

*تشاتام هاوس (Chatham House)، المعروف رسميا باسم المعهد الملكي للشؤون الدولية (The Royal Institute of International Affairs)، هو مركز أبحاث ودراسات مستقل تأسس في لندن عام 1920، ويعد من أبرز المؤسسات البحثية المتخصصة في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية والشؤون الجيوسياسية في العالم.

يكتسب المعهد أهميته من مكانته الفكرية والبحثية، ومن إسهامه في تحليل التحولات الدولية والإقليمية، وإعداد الدراسات والتقارير التي تتناول قضايا الأمن والصراعات والسياسات الدولية، فضلا عن استضافة كبار السياسيين والدبلوماسيين والخبراء وصناع القرار.

ويمثل ما يصدر عنه من دراسات وتعليقات وتحليلات مصدرا مهما للباحثين والصحفيين والمهتمين بفهم توجهات السياسة الدولية وموازين القوى الإقليمية والدولية.


01/11/2026