*عماد أحمد
*ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
بعض الكتابات تأخذ بأيدينا وتعيدنا إلى طريق قطعناه بالألم،نقرأ الكلمات، فتمثل أمام أعيننا وجوه أصدقائنا، أولئك الذين ضحوا بأعمارهم لكي ينال شعبنا حقوقه وكرامته في وطنه.
في العدد (9771) الصادر يوم الاثنين من جريدة «کوردستانی نوێ »، وفي الصفحة الثالثة، قرأت مقالا لأختنا العزيزة، (سۆزان خاڵە شەهاب) وهي باختصار شديد، وضعت يدها على مخاطر تعديل الدستور العراقي في ظل هذه الظروف التي تمر بها المنطقة، والعراق، وإقليم كوردستان، وقبل كل شيء، أحييها وأقول لها : لتتبارك جهودكم الخيرة في الكتابة، إن اسم «سۆزان » يحيي في نفوسنا ذكرى (خاڵە شەهاب) أحد أبرز قادة نضال شعبنا، إن هذه الشهبانة هي فرخة ذلك الصقر الذي كان يحلق في سماء كوردستان، يسعدني حقا أن أرى الشغف الوطني مستمرا اليوم في قلم ابنته، فعندما يورث نضال جيل إلى جيل آخر، ينبت أمل جديد في القلوب.
وأنا بدوري أتفق مع هذا القلق،فالدستور نص بشري وتعديله يمكن أن يؤدي إلى تطوير الحقوق ومعالجة المشكلات، لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: في أي ظروف، وبأي توازن للقوى، ولأي هدف يتم المساس بالدستور وتعديله؟ هل ستعزز النتيجة الشراكة، أم ستخلق فرصة لتضييق الحقوق؟
لقد كتِب الدستور العراقي وعرض للاستفتاء في مرحلة كان للكورد وقيادته فيها دور ووزن بارزين في إسقاط النظام الديكتاتوري البعثي وتأسيس العراق الجديد، وكان نضال شعبنا الطويل، وتجربة إدارة الإقليم، والعلاقات السياسية والدولية، كانت كلها دعائم مهمة لتثبيت الفيدرالية والاعتراف بإقليم كوردستان، لم تكتسب هذه المنجزات بسهولة، فخلف كل حق كان هناك تاريخ من التضحيات والمفاوضات والصمود، وحين أتحدث عن الدستور، يعود بي التفكير إلى تلك الأيام التي ارتبط فيها النضال من أجل البقاء ارتباطا وثيقا بالاعتراف بكياننا، وما نقرأه اليوم على الورق، كان بالأمس أمنية لأناس كثيرين لم يرى أكثرهم تحقق تلك الأمنية.
وفي هذه المناسبة، لزامٌ علينا أن نستذكر بتقدير واحترام الدور البارز والتاريخي للرئيس مام جلال، والأستاذ مسعود بارزاني، و الأستاذ نوشيروان مصطفى أمين،فكل واحد منهم، من منطلق موقعه ومسؤوليته، كان له تأثيره في صياغة الموقف الكوردي والمباحثات الخاصة بتأسيس العراق الجديد،إن العدالة في كتابة التاريخ تبدأ بالاعتراف بنصيب الجميع،فعند كتابة الدستور العراقي، كان الأستاذ نوشيروان، بوصفه قائدا بارزا ومؤثرا في الاتحاد الوطني الكوردستاني ، يمثل الاتحاد الوطني الكوردستاني -بعد مام جلال- ونيابة عنه، وفي بعض اجتماعات المكتب السياسي، كان يتحدث عن آخر مساعي الفريق الكوردستاني، بدءا من العراقيل التي تواجه مطالب شعب كوردستان، وصولا إلى كيفية تأسيس دولة العراق الحديثة وحماية المدنية والحريات والديمقراطية في إطار عراق فيدرالي.
وكعادته دائما، كان الأستاذ نوشيروان يغادر الاجتماع قبل الجميع، وفي أحد الأيام، وبعد ذهابه، أراد أحد رفاق المكتب السياسي التقليل من شأنه ودوره، فالتفت إلى مام جلال وقال: مام جلال، لماذا لا تشارك بنفسك في اجتماعات كتابة الدستور في بغداد؟
فأجابه مام جلال: نحن على تواصل دائم بشأن الدستور،ولكي تعلموا، ليس منا من هو بدقة وحرص ومعرفة الأستاذ نوشيروان، بحيث يستطيع بتلك الأقوال والتعبيرات تثبيت رؤى ومواقف الاتحاد الوطني الكوردستاني ومطالب الكورد وكوردستان في الدستور.
وللأسف، فإن رئيس إقليم كوردستان، الأستاذ نيجيرفان بارزاني، في ملتقى (ميري)، نسي ذكر اسم الأستاذ نوشيروان عند تعداد أولئك الذين كان لهم دور في إعداد الدستور، ولكَوْني صديقا مطلعا على رؤى ونوايا وشغف الأستاذ نيجيرفان، فإنني أعد هذا سهوا غير مقصود.
إن استذكار دور أولئك الذين شاركوا في كتابة الدستور هو وفاء لحقيقة تاريخية تخصنا جميعا، لكن الأمانة لا تقتصر على ذكر الأسماء فحسب، بل تشمل أيضا حماية الحقوق التي تثبتت بالجهود المشتركة،وفي تقييمنا اليوم، نرى أن توازن القوى وشكل الدعم الدولي قد تغيرا مقارنة بمرحلة كتابة الدستور، فضلا عن تراجع الثقة والتوافق السياسي، وانشغال البيت الكوردي الداخلي بأزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي ظروف كهذه، فإن فتح باب تعديل الدستور دون تحضير وموقف مشترك، قد يلحق ضررا جسيما بحقوق شعب كوردستان.
لذا، ينبغي على القوى السياسية، بالتعاون مع الخبراء الدستوريين، دراسة المخاطر والفرص بعناية، والاتفاق على حماية الحقوق والمكتسبات، والذهاب إلى بغداد بموقف موحد ومفهوم، كما أن التعاون مع القوى العراقية المؤمنة بالفيدرالية والشراكة ودولة القانون يعد أمرا بالغ الأهمية، فحماية الدستور تتطلب تحالفاتا وعملا مستمرين.
إن تعزيز مكانة الكورد يبدأ من الداخل، من ثقة المواطنين، والعدالة، والتوافق السياسي،فحين يكون بيتنا الداخلي قويا، سيكون لكلمتنا وزنها في الخارج.
لقد أعادني مقال الأستاذة( سۆزان)إلى قناعة علمتنا إياها تجارب السنين الا وهو الحق الذي انتزع بالتضحيات، يمكن أن يضيع بسبب الغفلة، إن الوفاء ل(خاڵە شەهاب)، ومام جلال، والأستاذ نوشيروان، ولكل من ناضل في هذا الطريق، يتجسد في حماية ثمرة نضالهم.
الدستور أمانة بين أيدينا، والأجيال القادمة ستسألنا كيف حفظناه، فلنحذر أن ننتهي إلى الاكتفاء بالثناء على الأسماء السابقة بينما نفرط بحقوق الأجيال القادمة عن إهمال.