*المرصد/فريق الرصد والمتابعة
تكثفت التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية لاحتواء التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع تجدد المواجهة العسكرية التي تهدد بتوسيع دائرة الحرب في الشرق الأوسط، بينما تتبادل كل من واشنطن وطهران التصريحات وسط صرع لفرض الشروط وحسابات القوة.
في وقت تتزامن فيه المساعي السياسية مع تطورات ميدانية في مضيق هرمز، حيث تحدثت تقارير عن اندلاع حرائق في ناقلتي نفط، ووقوع انفجار قرب سفينة تجارية، وإعلان «الحرس الثوري» الإيراني إسقاط طائرة مسيرة امريكية.
وتتحدث واشنطن عن تقدم محتمل في المفاوضات، بينما تتحدث طهران استعداداً للنظر في الحل الدبلوماسي؛ إذ قال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن رسالة نائب الرئيس الامريكي جي دي فانس تعبر عن «تغيير في اللهجة»، ووصفها بأنها «مؤشر جيد»، لكن طهران تتمسك في الوقت نفسه بضرورة استجابة الولايات المتحدة لمطالبها قبل العودة إلى طاولة الحوار؛ ما يعكس استمرار الهوة بين الطرفين رغم تكثيف جهود الوساطة.
وفي هذا السياق، شدد علي باقري كني، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على أن بلاده لن تكتفي بما وصفه بـ«الالتزامات النظرية»، مؤكداً ضرورة أن تقدم الولايات المتحدة خطوات عملية قبل الشروع في أي جهود دبلوماسية جديدة.
ويعكس هذا الموقف تمسك إيران بالحصول على ضمانات وإجراءات ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بتعهدات سياسية قد لا تترجم إلى خطوات تنفيذية على الأرض.
اتصال بين تميم وترمب
وفي أحدث التحركات الدبلوماسية، بحث أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خلال اتصال هاتفي تلقاه، يوم الجمعة، من الرئيس الامريكي دونالد ترمب، مستجدات الجهود الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة.
وأفاد الديوان الأميري القطري بأن الاتصال تناول الجهود الدولية، لا سيما المساعي التي تبذلها الدوحة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، ودعم المسار التفاوضي، بما يمهد للتوصل إلى اتفاق شامل ينهي الأزمة، ويحقق الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأكد أمير قطر أهمية مواصلة الحوار، واعتماد الوسائل الدبلوماسية لتسوية الخلافات، وتجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد، مشدداً كذلك على ضرورة ضمان حرية الملاحة البحرية وأمن إمدادات الطاقة، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وما يشهده من اضطرابات متزايدة.
الوسيط الرئيسي
وتبرز قطر في هذه المرحلة بوصفها الوسيط الرئيسي في الاتصالات بين واشنطن وطهران؛ إذ زار وفد من الوسطاء القطريين العاصمة الإيرانية طهران، مساء الاثنين الماضي، لاستئناف المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إمكان التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع المستمر منذ أشهر.
وتكتسب هذه الوساطة أهمية خاصة في ظل صعوبة استئناف الاتصالات المباشرة بين الطرفين، واشتراط كل منهما تقديم تنازلات ملموسة قبل الدخول في مفاوضات جديدة.
طهران تطلب ضمانات عملية
وفي موازاة التحرك القطري، كثفت إيران اتصالاتها مع دول المنطقة في محاولة لتفادي عودة العمليات العسكرية. وأجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم الجمعة، اتصالاً هاتفياً بنظيره الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، تناول آخر التطورات الإقليمية والجهود الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار.
وجاء الاتصال بعد سلسلة مباحثات أجراها عراقجي، يوم الخميس، مع وزراء خارجية السعودية وقطر وعُمان والكويت وتركيا والأردن، في مؤشر على اتساع نطاق التحرك الإيراني باتجاه العواصم الإقليمية المعنية بالأزمة.
وتعكس هذه الاتصالات إدراك طهران حساسية المرحلة الحالية، خصوصاً مع تصاعد التهديدات الامريكية باستئناف الضربات العسكرية، واحتمال أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
مقترح نووي إيراني عبر الدوحة
وفي تطور قد يفتح نافذة جديدة أمام المسار التفاوضي، أفاد مسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز» بأن طهران أرسلت إلى الولايات المتحدة مقترحاً يتعلق ببرنامجها النووي عبر قطر، مشيراً إلى أن واشنطن تدرس المقترح حالياً.
لكن المسؤول أوضح أن مناقشة المقترح لن تبدأ قبل استجابة الولايات المتحدة لسبعة مطالب إيرانية؛ ما يعكس تمسك طهران بربط استئناف المفاوضات النووية بتسوية مجموعة من الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وكان محسن رضائي قد أعلن خلال زيارته إلى روسيا أن بلاده أبلغت الولايات المتحدة بسبعة شروط تتعلق بالمسار الدبلوماسي، محذراً من أن عدم تنفيذها سيحول دون الدخول في مفاوضات، ومؤكداً أن إيران لن تسمح بفتح مضيق هرمز في ظل عدم الاستجابة لمطالبها.
وتشمل المطالب الإيرانية، وفق المعلومات المتاحة، رفع العقوبات الامريكية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، ورفع القيود المفروضة على الموانئ، ووقف الحرب على مختلف الجبهات، إلى جانب الحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران، وسحب التعزيزات العسكرية الامريكية من محيطها.
وفي المقابل، تتمسك إدارة ترمب بإدراج الملف النووي ضمن أي تسوية أولية، مع مطالبة طهران بتقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي، وضمان فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
وكشف مسؤولون مطلعون أن إيران تدرس مقترحات قدمها الوسطاء بشأن برنامجها النووي، ورأوا أن استعداد طهران للنظر في هذه المقترحات يشير إلى إحراز تقدم في الوساطة التي تقودها قطر، وإن لم يصدر حتى الآن قرار إيراني نهائي بشأنها، حسبما أفادت صحيفة «نيويورك تايمز».
كما أفادت معلومات متداولة بأن المقترح الامريكي يتضمن طلباً بالتخلص من كميات اليورانيوم عالي التخصيب الموجودة داخل إيران، وهو مطلب سبق أن رفض مسؤولون إيرانيون الاستجابة له، خصوصاً فيما يتعلق بنقل هذه الكميات إلى دولة ثالثة.
ترمب يلوح بالقوة وسط تقدم المفاوضات
من جهته، قال ترمب، الخميس، إن إيران لا تستطيع اتخاذ أي خطوات تتعلق ببرنامجها النووي من دون موافقة الولايات المتحدة، مضيفاً، رداً على سؤال بشأن المقترحات المطروحة: «إنهم لا يفعلون شيئاً دون موافقتنا». ويعكس هذا التصريح تشدداً امريكياً في التعامل مع الملف النووي، وعدم استعداد واشنطن لمنح طهران حرية التصرف في برنامجها بمعزل عن أي اتفاق سياسي.
وعلى الرغم من الإشارات الامريكية إلى إحراز تقدم في الاتصالات، فلا تزال واشنطن تلوح بالخيار العسكري في حال تعثر المفاوضات. وأكد ترمب أن خسائر حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس لن تؤثر في خططه المتعلقة بإيران، مشدداً على أن القوات الامريكية في حالة استعداد كامل.
وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي إن الولايات المتحدة تنتج حالياً أسلحة للقوات المسلحة بمعدلات غير مسبوقة، مضيفاً: «إذا اضطُررنا إلى متابعة التعامل مع إيران، فنحن مستعدون تماماً».
وكان الرئيس الامريكي قد هدد خلال الأسابيع الماضية بالعودة إلى تنفيذ ضربات واسعة النطاق ضد إيران بعد انتهاء الانتخابات، إذا لم تتوصل طهران إلى تسوية بالشروط التي تقبلها واشنطن.
وتشير هذه التصريحات إلى أن الإدارة الامريكية تحاول الجمع بين الضغط العسكري والتحرك الدبلوماسي، بما يتيح لها دفع إيران نحو تقديم تنازلات من دون استبعاد خيار القوة، كما أن استمرار التهديدات العسكرية يضع جهود الوساطة أمام اختبار صعب، خصوصاً في ظل غياب اتفاق واضح بشأن ترتيب الأولويات وشروط بدء المفاوضات.
بين فرص التسوية ومخاطر الانفجار
وتكشف التطورات المتزامنة عن مشهد إقليمي يتسم بتناقض واضح بين مسارين؛ أولهما دبلوماسي تقوده قطر بدعم من اتصالات إقليمية ودولية، في محاولة للتوصل إلى تفاهم بشأن البرنامج النووي وإنهاء الحرب، وثانيهما ميداني يتسم باستمرار التهديدات العسكرية والحوادث البحرية والتصعيد حول مضيق هرمز.
ورغم أن تبادل المقترحات عبر الوساطة القطرية قد يشكل مدخلاً لاستئناف المفاوضات، فإن اشتراط طهران تنفيذ مطالبها السبعة، مقابل إصرار واشنطن على تقديم تنازلات نووية وضمان حرية الملاحة، يضع الطرفين أمام مفاوضات معقدة.
وفي ظل استمرار التهديد الامريكي بالعودة إلى الضربات العسكرية، وتمسُّك إيران بأوراق الضغط التي تمتلكها، وفي مقدمتها مضيق هرمز، تبقى فرص التوصل إلى اتفاق مرتبطة بمدى استعداد الطرفين للانتقال من تبادل الشروط والتهديدات إلى تقديم تنازلات متبادلة.
وبينما تتحرك الدوحة وموسكو والعواصم الإقليمية لاحتواء الأزمة، تظل التطورات في المضيق الاختبار الأكثر حساسية لجهود التهدئة؛ إذ إن أي حادث بحري كبير أو مواجهة عسكرية جديدة قد يبدد فرص التفاوض، ويدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.
مهلة أخيرة لضربة كبرى وأهداف استراتيجية في مرمى التصعيد
الى ذلك ، لم تعد خيارات التصعيد العسكري ضد إيران مفتوحة زمنياً أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ فمع انتقال الأغلبية في مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين، بدأ سباق مع الزمن لحسم قرار الحرب، وسط تحذيرات من أن الأسابيع المقبلة قد تمثل الفرصة الأخيرة لأي ضربة محتملة.
هذا ما أكده مسؤولان أمريكيان، لشبكة «إن بي سي نيوز»، مشيرين إلى أن بعض مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغوه بأن النافذة الزمنية المتاحة لاستئناف العمليات القتالية الكبرى ضد إيران توشك على الانغلاق، وأن عليه التحرك قبل تولي الكونغرس الجديد مهامه في يناير/كانون الثاني، ما يفرض عليه اتخاذ قرار خلال أسابيع.
وأوضح مسؤولون في الإدارة الأمريكية ووزارة الدفاع لترامب هذا الإطار الزمني قبل خمسة أيام من انتخابات الثلاثاء، التي أسفرت نتائجها عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما عزز الشعور بضرورة التحرك العاجل، بحسب المسؤولين الأمريكيين الذين تحدثوا إلى شبكة «إن بي سي نيوز».
ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية للوجود العسكري الأمريكي الضخم في المنطقة في الاستعداد لاحتمال اتخاذ الرئيس قراراً باستئناف حملة قصف واسعة النطاق ضد إيران.
لكنّ مسؤولي الدفاع أبلغوا ترامب بأن استمرار تمديد انتشار هذا العدد الكبير من السفن والطائرات والقوات يضر بالجاهزية العسكرية، وأن بإمكان البنتاغون مواصلة الحصار البحري المفروض على إيران بقوات أقل بكثير، وفقاً للمسؤولين الأمريكيين.
خيارات على الطاولة
وقدّم فريق الأمن القومي للرئيس ترامب، الخميس، إحاطة بشأن التهديد الإيراني وآخر الخيارات العسكرية المتاحة لاستئناف العمليات القتالية الكبرى، وفقاً لأحد المسؤولين الأمريكيين ومسؤول ثالث.
وأوضحوا أن الاجتماع، الذي عُقد في البيت الأبيض، تضمن الإحاطة الاستخباراتية الدورية للرئيس، بحضور وزير الدفاع بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين.
وقال المسؤولون إن الرئيس لم يتخذ قراراً بعد بشأن استئناف العمليات القتالية، لكنهم أشاروا إلى أنه وافق على استئناف حملة عسكرية كبرى جديدة ضد إيران عدة مرات خلال الأشهر الماضية، قبل أن يلغي العمليات قبل ساعات من موعد انطلاقها.
وأظهرت استطلاعات آراء الناخبين عقب انتخابات الثلاثاء، التي أجرتها شبكة «إن بي سي نيوز»، أن غالبية الأمريكيين، بنسبة 62%، اعتبروا أن قرار اللجوء إلى العمل العسكري ضد إيران كان خاطئاً. كما أسهم استمرار الحرب في ارتفاع أسعار الوقود بصورة مطردة، ما زاد من تراجع شعبيتها.
من جانبه، قال مسؤول في البيت الأبيض إن الرئيس «يملك جميع الخيارات المتاحة في أي وقت»، وإن الولايات المتحدة «تتمتع بموقع قوي للغاية، مع سيطرتها على مضيق هرمز وانهيار الاقتصاد الإيراني».
وأضاف المسؤول: «لقد دُمّرت إيران، والأمور ستسير في أحد اتجاهين؛ إما الطريق السهل أو الطريق الصعب. الرئيس ترامب يملك جميع أوراق القوة، وسيتخذ ما يراه الأفضل للولايات المتحدة. وحده الرئيس ترامب يعرف ما الذي سيفعله ومتى». ورفض متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية التعليق.
فماذا سيكون شكل الهجوم المحتمل؟
قال المسؤولان الأمريكيان إن أي حملة عسكرية كبرى جديدة قد يأمر ترامب بشنها يمكن أن تكون أقصر زمناً، لكنها أكثر كثافة، مع استخدام قنابل ضخمة. وأضافا أن الأهداف التي نوقشت مع الرئيس تشمل منشآت النفط والغاز الإيرانية، والمواقع النووية، ومن بينها موقع «جبل الفأس».
من جانبه، قال مارك كانسيان، العقيد المتقاعد في مشاة البحرية الأمريكية والمستشار البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث في واشنطن، إن القيادة المركزية الأمريكية قد توسع قائمة الأهداف داخل إيران لتشمل شبكات الكهرباء أو المنشآت النفطية.
وأوضح كانسيان أن استهداف هذه المنشآت قد يدفع النظام في طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.
وأضاف: «سيكون ذلك تصعيداً قد يؤدي إلى تغيير في الموقف. أما استهداف المجموعة نفسها من الأهداف فلن يغير الموقف التفاوضي الإيراني».
واقترح كانسيان أن يستخدم ترامب ما يُعرف باسم «أم القنابل» وهي قنبلة تقليدية تزن 22 ألف رطل، لاستهداف موقع مثل «جبل الفأس»، حيث تُدفن مواد نووية على أعماق كبيرة.
وأشار إلى أن استخدام هذه القنبلة، التي سبق لترامب أن أمر بإلقائها مرة واحدة في أفغانستان، قد يمنحه أيضاً فرصة لتنفيذ خطوة عسكرية ضخمة ذات تأثير بصري وإعلامي، تساعده على إظهار الحرب في إيران وكأنها وصلت إلى خاتمتها.
لكنه حذر من أن القيمة الاستراتيجية لهذا السلاح قد تكون محدودة، قائلاً: «قد يكون لقنبلة أم القنابل تأثير، وقد لا يكون».