×

  قضايا كردستانية

  المستقلون الجدد… حين تُباع الأصوات باسم الديمقراطية!



د.فيصل علي

 

ما حدث في برلمان كوردستان ليس مجرد انشقاق نواب عن أحزابهم، ولا مجرد خلاف سياسي حول عقد جلسة برلمانية، بل هو مشهد يفتح الباب أمام واحدة من أخطر الظواهر التي يمكن أن تصيب الحياة الديمقراطية: تحويل الإرادة الانتخابية إلى سلعة في سوق المصالح السياسية.

لقد وصل هؤلاء النواب إلى البرلمان عبر أصوات ناخبين منحوهم ثقتهم من خلال قوائم وأحزاب سياسية محددة، ورفعوا شعارات وبرامج انتخابية يعرفها جمهورهم جيدا. لكن ما إن جاءت لحظة الاختبار السياسي حتى أعلن بعضهم استقلاله عن أحزابه، ثم وجدناهم يصطفون في جلسة انتخاب رئاسة البرلمان إلى جانب الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ويساهمون في تأمين الأغلبية التي احتاج إليها لتمرير مرشحته.

والأكثر إثارة للاستغراب أن هذا التحول جرى تسويقه تحت عناوين براقة، مثل الدفاع عن الديمقراطية، وحماية إقليم كوردستان، والحفاظ على مؤسساته!

وهنا يحق لنا أن نسأل: هل أصبحت الديمقراطية تعني أن يتخلى النائب عن الجهة التي أوصلته إلى البرلمان، ثم يمنح صوته لمعسكر سياسي آخر، ويكتفي بتبرير ذلك بأنه يعمل من أجل المصلحة العامة؟

نحن لا نعترض على استقلال النائب عن حزبه إذا كان ذلك نابعا من قناعة حقيقية، ولا ننكر حقه في مخالفة قرار كتلته. لكننا نعترض على تحويل الاستقلال إلى مظلة سياسية لتغطية انتقال الولاءات، وعلى أن تصبح الشعارات الوطنية وسيلة لتجنب الإجابة عن الأسئلة الحقيقية.

أما إذا كانت هناك أموال أو مناصب أو امتيازات قد قُدمت مقابل تغيير المواقف، فالأمر لا يعود مجرد خلاف سياسي أو حرية في اتخاذ القرار، بل يصبح قضية فساد سياسي وأخلاقي تستوجب التحقيق والمحاسبة. وقد أثارت أحزاب وقوى سياسية بالفعل اتهامات من هذا النوع، وهي اتهامات تستحق التحقيق الجاد بدلا من الاكتفاء بتبادلها إعلاميا.

إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس عدد الأصوات التي حصلت عليها مرشحة الحزب الديمقراطي، بل الرسالة التي قد تصل إلى الناخب الكوردستاني: صوّت لمن تشاء في الانتخابات، لكن لا تستغرب إذا وجدت صوتك بعد ذلك في خدمة مشروع سياسي آخر!

فإذا كان هؤلاء النواب مقتنعين فعلا بأن قرارهم يخدم الديمقراطية، فلماذا لا يقدمون تفسيرا سياسيا واضحا لناخبيهم؟ ولماذا لا يعلنون طبيعة تفاهماتهم ومواقفهم المستقبلية؟ وهل سيبقون مستقلين عندما تتعارض مصالح الحزب الديمقراطي مع مصالح ناخبيهم؟

إن الاستقلال النيابي ليس بطاقة خروج من حزب والدخول غير المعلن في تحالف آخر. والاستقلال الحقيقي لا يُقاس بالبيانات والتصريحات، بل بحرية القرار، والشفافية، والقدرة على قول لا عندما تستوجب المصلحة العامة ذلك.

أما الديمقراطية التي تُستخدم لتبرير تبديل الولاءات، والأصوات التي تنتقل من مشروع انتخابي إلى آخر دون مساءلة الناخبين، فليست هذه هي الديمقراطية التي ناضل شعب كوردستان من أجلها.

لقد آن الأوان لكي يفهم الجميع أن المقعد النيابي ليس ملكا شخصيا للنائب، وأن أصوات الناخبين ليست شيكا مفتوحا للتصرف بها وفق مقتضيات الصفقات السياسية.

فليكن كل نائب حرا في اختياراته، ولكن ليكن أيضا شجاعا في مصارحة ناخبيه بحقيقة اختياراته.

فالأخطر من بيع الصوت هو محاولة إقناع الناس بأن ما بيع كان دفاعا عن الديمقراطية.

 

 


08/11/2026