×


  المرصد الامریکي

  الارتدادات الاستراتيجية لحرب ترامب على إيران



*فيليب غوردون و ريبيكا ليسنر

مجلة"فورين افيرز"الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

حتى مع استمرار وقف إطلاق نار هش إلى حد كبير، واستئناف المحادثات المقررة بين الأطراف، فإن الكلفة الفورية للحرب في إيران أصبحت واضحة بالفعل. فقد ارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل حاد، ويحذر صندوق النقد الدولي من احتمال حدوث ركود عالمي. كما تعرضت القدرات العسكرية الإيرانية لضرر بالغ، إلى جانب خسائر مادية واسعة وسقوط ضحايا مدنيين. وفي المقابل، اكتشفت طهران طرقا جديدة لتهديد تدفقات الطاقة الحيوية.

تكبدت الولايات المتحدة 13 قتيلا من أفراد الخدمة العسكرية، إضافة إلى أكثر من 380 مصابا، مع استنزاف في مخزونها العسكري. كما تراجعت شعبية الرئيس ترامب.

هذه النتائج قصيرة المدى مهمة بلا شك، لكنها قد تبدو محدودة مقارنة بالارتدادات الاستراتيجية طويلة الأمد التي ستنجم عن هذا الصراع. فالحروب غالبا ما تمثل لحظات مفصلية في التاريخ—زلازل جيوسياسية تُسرّع التحولات العالمية، وتخلق واقعا جديدا، وتترك آثارا مستمرة بعد توقف القتال. وحرب إيران تمثل مثالا واضحا على ذلك، إذ سيعيش العالم، بما فيه الولايات المتحدة، مع تداعياتها الاستراتيجية لسنوات قادمة.

لقد وجهت هذه الحرب ضربة قد تكون قاتلة للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهو نظام كان يعاني أصلا من حالة ضعف. فقد أصبحت الولايات المتحدة نفسها تهديدا لهذا النظام الذي أسسته، والقائم على التحالفات الدولية ومبادئ الاستقرار مثل عدم الاعتداء، واحترام السيادة، وحرية الملاحة. ومن خلال خوض حرب وقائية دون أساس قانوني مقنع—سواء في القانون الداخلي أو الدولي—ساهمت هذه الحرب في إضفاء طابع طبيعي على استخدام القوة كوسيلة لحل النزاعات بين الدول.

وهذا ليس سوى البداية. فمجرد التهديد بتدمير محطات الطاقة والبنية التحتية المدنية، بل وحتى حضارة كاملة، ساهم في تطبيع جرائم الحرب كأداة عسكرية ووسيلة ضغط دبلوماسية، حتى دون تنفيذ هذه التهديدات. كما ساهمت هذه السياسات في ترسيخ استخدام الممرات الجغرافية الحيوية كسلاح، عبر فرض حصار على مضيق هرمز، الذي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي.

قد يسعى رئيس أمريكي مستقبلي إلى إعادة إحياء المبادئ التي تم التخلي عنها—مثل حشد العالم لمواجهة أي عدوان صيني محتمل على تايوان، أو دعم أوكرانيا وإدانة الانتهاكات الروسية هناك، أو الدفاع عن حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي. لكن الضرر قد وقع بالفعل. وحتى بعد انحسار الصراع مع إيران، سيصبح من الأصعب بكثير على الولايات المتحدة أن تتصرف بمصداقية في الدفاع عن النظام الدولي الذي طالما قادته.

كما لن تتمكن الولايات المتحدة من الاعتماد على حلفائها كما في السابق، بعد حرب وجهت ضربة قاسية للأسس المتآكلة لتحالفات واشنطن العالمية. فقد كان حلف شمال الأطلسي يعاني بالفعل من تداعيات أزمة تهديد ترامب بالسيطرة على غرينلاند في وقت سابق من هذا العام، إضافة إلى توترات أخرى. لكن حرب إيران قد تُعد تتويجا لحالة الانفصال بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، الذين لم يُستشاروا بشأن صراع عارضه معظمهم بشدة.

وقد وصف ترامب القادة الأوروبيين بـ"الجبناء"، وهدد بسحب الولايات المتحدة من الناتو بعد رفض بعض الدول الأعضاء إرسال قوات بحرية لفتح مضيق هرمز بالقوة، وفرض دول أخرى قيودا محدودة على استخدام الولايات المتحدة لقواعدها في أوروبا لقصف إيران.

وسواء نفذ ترامب هذا التهديد أم لا، فإن مجرد إطلاقه يقوّض التزام الدفاع المشترك داخل الحلف، ومن المرجح أن يسرّع توجه أوروبا نحو الاستقلال الدفاعي، وربما حتى النووي.

كما سيكون للحرب تداعيات كبيرة على تحالفات الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فعلى الرغم من الحديث المتكرر عن إعطاء الأولوية لهذه المنطقة—وخاصة مواجهة الصين—فإن حرب إيران سارت في الاتجاه المعاكس. إذ تطلبت الحملة العسكرية المستمرة ضد إيران، والدفاع عن الحلفاء الإقليميين من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، والتعامل مع إغلاق مضيق هرمز، والاستعداد لعمليات برية محتملة، تحويل كميات ضخمة من القدرات العسكرية المحدودة من منطقة المحيطين إلى الشرق الأوسط.

هذا الانخراط الأمريكي المتجدد في الشرق الأوسط استنزف الانتباه والموارد التي كان من المفترض توجيهها إلى منطقة المحيطين، كما أن كلفة الحرب على الجيش الأمريكي أثرت سلبا على جاهزيته لمواجهة محتملة مع الصين. وقد أدت الحرب إلى استنزاف مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ وأنظمة الدفاع الصاروخي اللازمة لحماية تايوان وكوريا الجنوبية واليابان، كما تسببت في تأخير تسليم الأسلحة إلى شركائها الآسيويين.

وبالتزامن مع أزمة طاقة حادة نتجت عن هذه الحرب، بدأ حلفاء الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يشككون في مدى استعداد واشنطن للدفاع عن مصالحهم—بل وحتى عن أمنهم عند الحاجة. ونتيجة لذلك، قد يتجه هؤلاء الحلفاء إلى الابتعاد عن الولايات المتحدة، أو التكيف مع الصين، أو كلا الأمرين معا.

أما على صعيد الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد كان الضرر أكبر. فحتى قبل الحرب، كانت المواقف الأمريكية تجاه إسرائيل تتجه نحو السلبية، مدفوعة بتداعيات الحرب في غزة وتوجهات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة. لكن الدور الذي يُنظر إلى إسرائيل على أنها لعبته في الدفع نحو حرب مع إيران—يرى معظم الأمريكيين أنها غير ضرورية ومكلفة—سرّع هذا التحول بشكل كبير بين الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، بما في ذلك أنصار حركة "ماغا".

ووفقا لاستطلاعات بيو ريسيرتش سينتر - Pew Research Center، فإن نحو 60% من الأمريكيين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، كما أظهر استطلاع أجرته NBC News في أبريل أن 74% من الشباب الأمريكيين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين.

وقد أصبحت الدعوات—التي كانت مثيرة للجدل سابقا—لوقف الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل أمرا شائعا، بما في ذلك مشروع قانون طُرح في الكونغرس الأسبوع الماضي لمنع نقل أنواع معينة من القنابل إلى إسرائيل، وحصل على دعم غير مسبوق من 36 عضوا في مجلس الشيوخ، بزيادة 12 عضوا مقارنة بتصويت مماثل قبل حرب إيران.

وأصبحت احتمالية إنهاء الولايات المتحدة مساعداتها الأمنية لإسرائيل بشكل كامل احتمالا واقعيا.

إذا كانت حرب إيران ستُسرّع جهود حلفاء الولايات المتحدة لتقليل المخاطر والابتعاد عنها وتنويع خياراتهم، فإنها في المقابل ستُقرب بين خصوم واشنطن. فمع إدراكهم لوجود فرصة لإضعاف منافسهم الأمريكي، أفادت تقارير بأن روسيا والصين قدمتا دعما دبلوماسيا لإيران، إضافة إلى معلومات استخباراتية وصور استهداف، بل وحتى أسلحة في حالة روسيا.

وفي المقابل، واصلت إيران دعم شركائها الاستراتيجيين؛ إذ زودت روسيا بطائرات مسيّرة لاستخدامها في حربها في أوكرانيا، وقدمت نفطا مخفض السعر للصين، كما نقلت لهما خبرات في كيفية مواجهة الجيش الأمريكي. وإذا كان أحد الأهداف الأساسية للاستراتيجية الأمنية الأمريكية في السنوات الأخيرة هو منع تشكّل ما يُعرف بـ"محور الخصوم" بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، فإن حرب إيران تبدو أنها حققت العكس تماما.

كما سيؤدي الفشل الاستراتيجي لواشنطن في إيران إلى تعزيز دور الصين كقوة عالمية. فلم تُظهر الولايات المتحدة فقط أنها لا تزال عرضة للتورط في صراعات الشرق الأوسط، بل إن حاجة دونالد ترامب إلى استقرار الاقتصاد العالمي تعزز موقف بكين قبيل قمته المرتقبة مع شي جين بينغ  الشهر المقبل. وهذا يزيد من احتمالات أن تكون أي اتفاقات بشأن التجارة أو التكنولوجيا المتقدمة أو حتى سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان لصالح الصين. كما أن الحاجة العالمية إلى بدائل للوقود الأحفوري ستعزز الطلب على التقنيات النظيفة، وهو مجال تهيمن عليه الصين عالميا.

أما روسيا فقد حققت مكاسب أيضا، بطريقة قد تغيّر المسار الاستراتيجي للحرب في أوكرانيا. فقبل حرب إيران، كانت موسكو تحقق تقدما محدودا على الأرض، وتعاني من ضغوط اقتصادية شديدة، بما في ذلك عجز في ميزانيتها بلغ نحو 60 مليار دولار في الربع الأول من عام 2026، فضلا عن خسائر بشرية كبيرة.

لكن ارتفاع أسعار النفط بنحو 50% نتيجة الحرب وفر لروسيا عائدات ضخمة تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات يوميا، وقد تستمر هذه العوائد لأشهر أو حتى سنوات.

وقد دفع ارتفاع أسعار النفط واشنطن إلى اتخاذ خطوات استثنائية؛ ففي مارس، علّقت العقوبات على شراء النفط الروسي، وقد تستمر في تعليقها إذا بقيت الأسعار مرتفعة. كما أدت الحرب إلى تحويل موارد الدفاع الصاروخي المحدودة بعيدا عن أوكرانيا، مما جعل مدنها وبنيتها التحتية أكثر عرضة للهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ومنح موسكو أملا متجددا في تحقيق النصر.

ولا تزال حرب إيران بعيدة عن نهايتها. فالفجوات بين الطرفين بشأن الملف النووي، ومستقبل مضيق هرمز، وبرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ودعم طهران لحلفائها الإقليميين، لا تزال كبيرة. كما يمتلك الطرفان القدرة على استئناف القتال في أي وقت.

لكن سواء استؤنفت الحرب أو تم التوصل إلى اتفاق قريب، فإن هذا الصراع قد أطلق بالفعل قوى مؤثرة ستستمر تداعياتها الاستراتيجية في التردد عبر العالم لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب.

*فيليب غوردون : الباحث في مؤسسة Brookings Institution

*ريبيكا لينسر: زميلة أولى في Council on Foreign Relations.


23/04/2026