*محمد شيخ عثمان
في الذكرى السنوية ليوم الصحافة الكردية، التي تعود جذورها إلى صدور صحيفة “كردستان” في ٢٢ نيسان من عام 1898، تستحضر هذه المناسبة دورا تاريخيا عميقا لصحافةٍ لم تكن مجرد ناقل للأخبار، بل كانت ولا تزال صوتا لقضية عادلة، ومنبرا للدفاع عن الحرية والكرامة والعدالة.
*اولا
واكبت الصحافة الكردية نضال الشعب الكردي، وعكست تطلعاته، وأسهمت في ترسيخ قيم التعايش واحترام حقوق الآخرين، انطلاقا من إيمان راسخ بأن حرية الكرد لا تكتمل إلا بحرية سائر الشعوب، غير أن التحولات السياسية، خاصة بعد عام 1991، وضعت الصحافة الكردية أمام اختبار جديد: الانتقال من “صحافة الثورة” إلى “صحافة المساءلة” وهنا برزت تحديات بنيوية معقدة، تمثلت في تبعية بعض المؤسسات الإعلامية للقوى السياسية، وضعف الاستقلال المالي والمهني، فضلا عن غياب بيئة تشريعية ومؤسسية تضمن حرية العمل الصحفي وتحميه ونتيجة لذلك، تراجع دور جزء من الإعلام عن أداء وظيفته الرقابية، في وقت لم تكتمل فيه مأسسة السلطات الثلاث واستقلالها بل الانكى من ذلك ان بعض القنوات والصفحات التي تخرق مهنية العمل الصحفي ومقومات وحدة الصف الكردي وصون الكيان الدستوري لاقليم كردستان هي قنوات تابعة لبعض مسؤولي هذه السلطات ما يعني التشاؤم حيال اية خطوات جادة تعزز استقلالية الصحافة وتاثيرها .
*ثانيا
يفترض في الحديث عن الصحافة كـ”سلطة رابعة” وجود سلطات دستورية فاعلة، وهو ما لا يزال يشكل معضلة في إقليم كردستان ،ففي ظل مؤسسات غير مكتملة أو ضعيفة، تجد الصحافة نفسها إما خاضعة للنفوذ أو معزولة التأثير، ما يحد من قدرتها على تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد ومع ذلك، تظل الصحافة المهنية المستقلة أحد أهم أعمدة الحكم الرشيد، خاصة في البيئات التي تعاني من اختلالات بنيوية.
*ثالثا
في سياق الدعوات إلى تصحيح مسار الحكم، يبرز الدور الحيوي للصحافة في دعم هذا التوجه، من خلال تشريعات عصرية تضمن حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، وبناء مؤسسات مستقلة، وتمكين الإعلام من أداء دوره الاستقصائي والتحليلي.
*رابعا
مع تسارع التطور الرقمي وصعود الإعلام غير المهني، تواجه الصحافة الكردية تحديا مضاعفا يتمثل في الحفاظ على مصداقيتها وهويتها، في مواجهة محتوى قائم على الإثارة والتضليل وهذا يستدعي تحديث القوانين، وتنظيم الفضاء الإعلامي الرقمي، وحماية الصحفيين، بما يميز بوضوح بين الصحافة المسؤولة ومنصات الفوضى ،لكن المعضلة الحقيقية لا تكمن فقط في فوضى المشهد الإعلامي، بل في أن بعض من يتولون إدارة الحكم يقفون خلف إدارة قنوات منفلتة من أبسط معايير المهنية الصحفية والمسؤولية الوطنية اضافة الى نشر مئات الصفحات السامة على منصات التواصل الاجتماعي، لا تمت بصلة إلى العمل الصحفي الرصين، بل تسخر للتخوين وتشويه الحقائق، وتبرير إخفاقات القائمين عليها، والترويج الدعائي لهم بصورة تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية ، لذلك نراهم يقفون حجر عثرة أمام إقرار قانون عصري ينظم الصحافة وتكنولوجيا الإعلام، خشية أن يفتح الطريق أمام ترسيخ الصحافة كسلطة رابعة فاعلة، قادرة على الرقابة والمساءلة وكشف مواطن الخلل.
*خامسا
من هنا، أعبر عن اعتزازي العميق بيوم الصحافة الكردية، الذي أرى نفسي جزءا من مساره، رغم أن لغة المجلة التي أمثلها هي العربية، إلا أن استراتيجيتها تنسجم تماما مع جوهر الصحافة الكردية في التمسك بالقيم العليا، والدفاع عن الحقيقة والإنسانية، ودعم الحريات.
وقد كان لي شرف الانخراط في هذا المسار على مدى ثلاثة عقود، ظل خلالها المبدأ الثابت هو الإيمان بمنطق التأثير، لا الخضوع لوهم الانتشار. فمهمة الصحافة، في جوهرها، ليست أن تكون واسعة الحضور بلا أثر، بل أن تكون عميقة التأثير، قادرة على صناعة الوعي وتوجيه الرأي العام.
*سادسا
العلاقة بين تصحيح مسار الحكم وتحرير الصحافة هي علاقة تكامل لا تناقض، ومن هذا المنطلق، تبقى الصحافة الكردية مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لتكون شريكا فاعلا في بناء مستقبل ديمقراطي يقوم على الشفافية والعدالة وسيادة القانون.